; رمضان فلسطين.. دمار تحت الحصار | مجلة المجتمع

العنوان رمضان فلسطين.. دمار تحت الحصار

الكاتب زكريا المدهون

تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2004

مشاهدات 52

نشر في العدد 1625

نشر في الصفحة 32

السبت 30-أكتوبر-2004

  • جيوب فارغة وبيوت مهدمة وأسر مشردة.

بأي حال عدت يا رمضان أطفال مسحت الابتسامة من علىٰ وجوههم وعائلات تعيش من غير مأوى متنقلين بين الخيام والشوارع لا يجدون سوى خيام تحتضنهم بحلول شهر رمضان الكريم بعد أن حرموا من المسكن والمأكل وحتى من الأغطية وآخرون يفطرون على أذان المغرب وهم محاصرون على الحواجز الصهيونية، فما إن يلملم قطاع غزة جروحه حتى يعود الاحتلال ليفتحها من جديد، فالأوضاع تبدو مأساوية في كافة المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية. 

إلىٰ جانب شلل في الحركة الاقتصادية حيث يعتمد مجتمعنا على المساعدات الخارجية بعد أن بلغت نسبة الفقر في قطاع غزة ٦٨ ٪، ومعدل البطالة ارتفع فوق ٧٠ ٪، أيضًا هناك ما لا يقل عن ٤٠ % يعانون من الفقر المدقع حسب الإحصائيات. 

معاناة في كل مكان الدمار طال كافة أزقة مخيم جباليا، بيوت هدمت علىٰ رؤوس أصحابها والشهداء بالجملة حيث زاد العدد علىٰ ١٤٠ شهيدًا، والصواريخ الصهيونية استهدفت منازل الفلسطينيين فهدمتها وجرفت المزارع والأشجار وأصبح مخيم جباليا يعيش حياة منعزلة عن المناطق الفلسطينية المتاخمة له. 

علامات الحزن والألم بدت علىٰ وجه والد الشهيد أبو نضال مسعود من مخيم جباليا الذي استشهد بقصف جوي صهيوني خلال المجزرة الصهيونية الأخيرة في المخيم وقال: «كيف نفرح برمضان ودماء نضال لم تجف بعد؟ لقد أخذوا مني فلذة كبدي وروحي، حسبنا الله ونعم الوكيل». المواطن عبد الله السنوار «٥٠ عامًا» من سكان المخيم يؤكد أن الوضع في المخيم صعب جدًا فالاحتلال قتل فرحتنا، برمضان كيف نحتفل بهذا الشهر الكريم وبيوت العزاء للشهداء تملأ المخيم؟ 

وأضاف السنوار إنني أعيل أسرة مكونة من عشرة أفراد وأصبحت غير قادر على توفير مستلزماتهم، وخاصة في هذا الشهر الفضيل الذي تكثر فيه المصاريف أطفالي ألحوا علي أن أشتري لهم قبل رمضان فوانيس ليلهوا بها ولكن من أين؟ 

الحاجة « أم علي» من مخيم جبالي في السبعينيات من عمرها تحدثت لنا ودموع الألم علىٰ وجنتيها الشاحبتين من شدة ما تعانيه تلك العجوز في المخيم قائلة: ولا يوجد لدينا حليب للأطفال وقد قطعت المياه عن المنطقة منذ عدة أيام أيضًا قطع التيار الكهربائي أين الحكومة وأين الدول العربية؟ نحن في شهر فضيل وكريم أنا رأيت شبابًا في مقتبل عمرهم يذبحون علىٰ مرأىٰ العالم أين العرب والله حرام يا ناس وإلىٰ متىٰ سيبقىٰ الصمت حليفهم ورأيت جثث وأشلاء شبابنا ملقاة علىٰ الأرض بعد أن منع الإسعاف من الوصول إليهم، حسبي الله ونعم الوكيل، في كل متفرج صامت. 

وتضيف أم على : لم نتلق مساعدات من أي جهة كما أن سوق المخيم ظل مغلقًا لفترة طويلة بسبب القصف الصهيوني ونفتقد المواد التموينية في مدينة رفح لا توجد الآن أبواب تطرق فقط ركام منازل مدمرة وخيام منصوبة وناس لم تهدأ جراحة بعد من شدة فداحة المشاهد المروعة هناك، فمن الصعب أن يلمس هذه المعاناة أحد سواهم. 

الحاجة أم شادي - تقطن في مدينة رفح لم تكترث للحديث معنا عن أجواء رمضان في رفح بقدر ما حدثتنا عن ابنها شادي الذي استشهد قبل سنة في اجتياح للمدينة قالت لنا أم شادي والتي حيرتنا بصبرها في كل بيت شهيد أو أسير والمنطقة مهدمة بأكملها لأن قلوب الناس حزينة والهم الأكبر أننا نعيش في خيام لا يعلم فيها حالنا إلا الله.

بينما حدثتنا شيرين أخت الشهيد شادي عن صعوبة أجواء رمضان في رفح قائلة رمضان صعب علينا هذه السنة لأننا فقدنا زهرة المنزل أخي شادي وتابعت: نحن نعيش في أجواء مؤلمة فكل يوم نسمع أصوات القذائف على الحي والهدوء النفسي، معدوم وهنا لم يشعر بنا أحد أو حتى يشاركنا معاناتنا أحد.

في بيت حانون المشهد ذاته يتكرر لأن المأساة واحدة، دمار وخراب وقتل بدم بارد في كافة أحياء وقرى ومدن الأراضي الفلسطينية والوضع الاقتصادي متدهور كما وصفته لنا المواطنة رسمية الزعانين تقول: يتم اجتياح بلدة بيت حانون بين الحين والآخر ومحاصرتها لأكثر من شهر إلى جانب الحصار الاقتصادي الخانق وحتى رغيف الخبز حرمنا منه مما جعل سكان البلدة لم يفارقهم الألم والحسرة وبدا جو التحضير لشهر لرمضان معدومًا مع تدني مستوى المعيشة.

الزعانين التي كانت تمسح دموعها بين الحين والآخر وتسكن في منزل غير منزلها لأن منزلها المكون من طابقين ويحوي ستة عشر فردًا دمرته قوات الاحتلال الصهيوني عندما اجتاحت المدينة وتابعت رسمية دخلت قوات خاصة علىٰ بيتنا وقتلت ابن أختي وهو متزوج ولديه طفلة تبلغ من العمر أربعة شهور، مضيفة أن بيت حانون عاشت مأساة كبيرة وانقطعت عن العالم لأكثر من شهر وندعو الله تعالىٰ أن يمر شهر رمضان علىٰ خير. 

أما في مدينة خان يونس فقد بدا المشهد مختلفًا، فمخيمها الغربي وحيها النمساوي مسرح يومي لقذائف ورصاصات المستعمرات الصهيونية المجاور. 

أما في مخيم البريج وهو أصغر المخيمات في قطاع غزة، حيث يبلغ تعداد سكانه ٢٧ ألف نسمة، فقد تحدث المواطن خضير الطهراوي قائلًا: إن بهجة رمضان معدومة هذه السنة خاصة وأن سكان الحى يتوقعون هدية من شارون لهم مثل كل عام في شهر الخير المواطن خضير فقد في مجزرة البريج أخاه أسامة الذي ترك ابنه وبنته كما استشهد ابن عمه مروان الذي يبلغ أربعة عشر عامًا عندما أصيبوا بشظايا قذيفة سقطت قرب منزلهم المدمر جزئيًا عندما اجتاحت قوات الاحتلال الصهيوني المخيم قبل عامين في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك. 

وعندما حدثتنا أم الشهيد أسامة وجدته لمسنا فيهما أن آثار المجزرة وتفاصيلها لا تزال عالقة بذهنيهما بصورة كبيرة، وبمجرد أن قالت لنا: إن الحي كله كتيب وانفرطت على الفور في البكاء.

بينما عبرت رقية محمود شاهين وهي طالبة من مخيم المغازي عن شعورها في أجواء رمضان هذه السنة قائلة: أتمنىٰ أن يسود الهدوء النفسي والطمأنينة لدىٰ المواطنين طيلة أيام شهر رمضان الفضيل وأن تزداد صلة الرحم وتسود المحبة قلوب الناس.

نحن نفطر كل يوم أنا وأولادي علىٰ صوت زخات رصاص الاحتلال بهذه الكلمات المؤسفة بدأت الحاجة أم سمير اللوح حديثها إلينا فهي تقطن في مدينة دير البلح بجوار مغتصبة «كفار داروم» حيث يتعمد جنود الاحتلال المتمركزون حول المستعمرة إطلاق النار عشوائيًا خاصة حين يأتي موعد أذان الإفطار، وعند سؤالها عن أحوال أسرتها المعيشية قالت أطل علينا رمضان هذه السنة ونحن نعيش أحرج الظروف وأصعبها، وأنا لم أشتر ملابس لأطفالي العشرة منذ سنين طويلة لأن لا معيل لأسرتي سوى الله بعد إصابة زوجي المسن بإعاقٍة في العمود الفقري حينما سقطت قذيفة على منزلنا.

أم سمير التي كانت تلملم رزقها في سوق غزة حاولت إخفاء دموعها طيلة اللقاء لكن سرعان ما انسالت دموعها، لتترجم مدى المأساة التي تعيشها. 

حواجز صهيونية

أما المواطنة سعاد فقد اعتادت أن تفطر في شهر رمضان علىٰ الحاجز هي وباقي المواطنين بسبب الحواجز الصهيونية التي تحول دون وصولهم إلىٰ منازلهم للإفطار مع أسرهم بعد انتهاء أعمالهم في مدينة غزة.

من جهته غير المواطن أبو محمد السويركي صاحب محل في سوق غزة عن حسرته لشل حركة المواطنين والوضع الاقتصادي قائلًا: حركة البيع والشراء قليلة جدًا هذه السنة بسبب الإغلاقات وبصورة كبيرة من قبل قوات الاحتلال الصهيوني وتأخير البضائع علىٰ الحواجز مما يستدعي ارتفاع الأسعار.

المساعدات الخارجية: وفيما يخص الدعم الخارجي الذي يأتي للشعب الفلسطيني وآثار الحصار الصهيوني علىٰ الوضع الاقتصادي يقول الخبير الاقتصادي صلاح عبد الشافي: لا يمكن في حالة الحصار والاجتياحات المتكررة أن نتحدث عن تنمية اقتصادية نحن أصبحنا مجتمعًا يعيش علىٰ المساعدات الخارجية والدعم الخارجي وأي انقطاع في الدعم سيؤدي إلي كارثة ونحن نعيش حالة من الانهيار. 

وتابع يوجد في مجتمعنا ۱۲۰ ألف موظف عامل في السلطة الوطنية الفلسطينية ويتلقون رواتبهم بشكل دوري. 

أيضًا رواتبهم مرهونة بوصول المساعدات من الخارج بشكل دوري ومربوط بتحويلات الكيان الصهيوني للموارد المالية والمستحقة للسلطة من الجمارك والضرائب التي يجمعها نيابة عن السلطة. 

ونحن نتحدث عن ۱۲۰ ألف موظف نعتبر كل موظف يعيل ٦ أفراد بالمتوسط يعني ۷۲۰ ألف مواطن يشكلون شريحة مهمة من المجتمع الفلسطيني.

ويضيف عبد الشافي أن نسبة الفقر في قطاع غزة بلغت تقريبًا 68%, وهذه النسبة وفقًا لإحصائيات مؤسسات دولية مثل البنك الدولي والأمم المتحدة وعادة يعرف خط الفقر بدولارين للفرد الواحد يوميًا، أي الفرد الواحد أصبح يعيش بأقل من دولارين في اليوم وضمن هذه النسبة هناك ما لا يقل عن ٤٠ % يعانون من الفقر المدقع، أي أن العائلة لا تستطيع أن تلبي الاحتياجات الأساسية لها من مأكل ومشرب وملبس وسكن، وأشار إلى أن هذه النسبة مؤشر خطير مقارنة بنسبة الفقر في فلسطين بشكل عام، حيث بلغت قبل الانتفاضة ٢٠، وبالتالي هناك تزايد في نسبة الفقر بمعدل 47%. 

وأوضح عبد الشافي أن من أسباب الفقر قضية البطالة التي تزايدت معدلاتها بشكل غير حالة مسبوق وصلت أحيانًا إلى ۷۰ % بسبب الحصار المفروضة على المجتمع الفلسطيني. 

دور خيري: عبد الرحيم الحنبلي - رئيس لجنة زكاة نابلس - قال: إن اللجنة أعدت برنامجًا موسعًا لشهر رمضان لمساعدة الفقراء والمحتاجين والأيتام وأسر الشهداء في محافظة نابلس والتي يربو عدد سكانها على ٢٢٠ ألف نسمة موزعين على المدينة و ۸۰ قرية تحيط بها وخمسة مخيمات للاجئين. 

وأشار الحنبلي إلىٰ أن اللجنة قررت مضاعفة العطاء المقدم للأسر المكفولة من قبل لها بنحو ٢٥٠ ألف دينار أردني مساعدة منها في قضاء حوائج رمضان من مأكل ومشرب وملبس هذا بالإضافة إلىٰ إعداد برنامج بالتعاون مع المؤسسات الخيرية في المساجد ودور الأيتام والعجزة وإيصال المواد الغذائية والطعام إلىٰ البيوت التي لا يستطيع أربابها الوصول إلىٰ المساجد وغيرها لعجزهم عن ذلك.

وأشار الحنبلي إلىٰ أن اللجنة في هذا العام وبسبب الأوضاع الصعبة التي تمر علىٰ الشعب الفلسطيني وارتفاع عدد العائلات الفقيرة والمحتاجة، قررت أن تقيم موائد الرحمن في مبرات ودور العبادة حيث تعد الوجبات الساخنة في أحياء الياسمينة والقصبة داخل البلدة القديمة، وفي مخيمات بلاطة وعسكر القديو والجديد ومخيم عين بيت الماء وتشرف عليها اللجنة، بحيث يستطيع جميع سكان المدينة الاستفادة منها بلا مقابل مادي، بعدما قامت اللجنة بجمع التبرعات من أهل الخير والميسورين لهذا الغرض خصيصًا.

وناشدت اللجنة المحسنين في فلسطين وخارجها لمد يد العون لإخوانهم الفقراء والمحتاجين الفلسطينيين، الذين يعيشون ظروفًا غاية في الصعوبة بسبب الممارسات الاحتلالية بحقهم إما بصورة مباشرة أو عن طريق لجان الزكاة حتى يتحقق التكافل الاجتماعي ونتخطى هذه المرحلة الصعبة من حياتنا.

الرابط المختصر :