العنوان رواد الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث خير الدين التونسي
الكاتب د. هشام الحمامي
تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1736
نشر في الصفحة 42
السبت 27-يناير-2007
* من عبد مملوك إلى وزير أول في تونس وصدر أعظم في دولة الخلافة كتب مؤلفًا من أعظم المؤلفات في علوم الاجتماع والعمران والتمدن والإصلاح
* أنشأ المدارس العصرية.. وأحيا الصناعات المحلية.. ونظم الوظائف الحكومية والتشريعات القضائية
كثير من الباحثين والدارسين التاريخ حركة الإسلام الإصلاحي، لا يلتفتون كثيرًا إلى حياة هذا الرجل التي جمعت سيرته بين الفكر والممارسة، بين النظر والتفكير، بين التجربة والتنفيذ.. فمن عبد مملوك جاء من جبال القوقاز، إلى وزير أول في تونس، وصدرًا أعظم في الأستانة.
ولد خير الدين التونسي عام 1810م، ونشأ صغيرًا في عائلة أباظة الشركسية وفي ظروف ما .. كان يباع في الأستانة عبدًا رقيقًا ولأقدار ما .. يشتريه نقيب الأشراف في الأستانة تحسين بك الذي يبيعه لأحد وكلاء حاكم تونس والذي كان يلقب بـ الباي وهو لقب يعادل لقب الخديوي في مصر في ذلك الزمن.. وللشراكسة في التاريخ الإسلامي أدوار كثيرة وكبيرة.. فالمماليك الشراكسة حكموا مصر ما يقرب من 190 سنة (1324م - 1523م).. والصراع بين الضباط المصريين والضباط الشراكسة كان أحد الأسباب القوية التي فجرت الثورة العرابية.. والشراكسة على أي حال يمتازون بالشجاعة والكرم والتدين، وبهاء الطلعة وهي الصفات التي فيما يبدو عرضتهم للتخطيف والبيع في أسواق الرقيق من زمن طويل يرجع إلى العصر العباسي الأول.
نبوغ مبكر
حطت الرحال بصاحبنا في قصر الباي (أحمد باشا) حاكم تونس الذي توسم فيه مخايل النبوغ المبكر، فهيأ له تعليماً كاملاً .. فتعلم القراءة والكتابة واللغات التركية والفرنسية، والفنون العسكرية، والتاريخ، وعلوم القرآن والفقه ... فتفوق في كل هذا، وبرزت شخصيته التي اتسمت بالجدية، والوقار، والتدين، وألحقه الباى بالجيش الذي تدرج فيه حتى أصبح أميرًا للخيالة (سلاح الفرسان)، ثم وزيرًا للحربية لمدة ست سنوات، فقام بإصلاحات كثيرة، فطور ميناء حلق الوادي، أهم موانئ تونس، وأدخل نظام السجلات العسكرية وأنشأ ترسانة لبناء السفن...
في هذه الفترة أيضًا، استحدثت الدولة العثمانية نظمًا حديثة في الإدارة والحكم، فأدخلت النظام النيابي في كل الولايات تقريبًا.. وتكون أول مجلس نيابي في تونس، ولم يكن هناك أفضل من خير الدين التونسي وزير الحربية ليترأسه.. فكانت رئاسته لهذا المجلس (الظرف التاريخي) الذي تهيأ لتبرز من خلاله الرؤية الإصلاحية له.. وليبدأ في تطبيق ما راكمه من دراسة ومعرفة، ونظر، وتأمل ودراية، وتجربة …
الصدام
وكعادة كل الإصلاحيين في صولاتهم وجولاتهم يبدأ الصدام مع أصحاب نظرية على آثارهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22) وأشد هؤلاء خطرًا على الإطلاق من كان منهم صاحب حيثية دينية أو صاحب حيثية سياسية، وهو صدام عرفه التاريخ طويلاً ودوّنه كثيرًا .. فالقصة ليست قصة... ﴿عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ بل قصة مصالح، ونفوذ، وشهوات تورمت وترسخت وطغت...
ويبدو أن تأمله لحياته ماضيها وحاضرها والتي يتبدى فيها بوضوح اللاإرادية، ما كان وما يكون جعلته لا يميل إلى فكرة المواجهة الصلبة حين تحتدم اللحظة.. والطفل أبو الرجل كما يقولون... فحين أراد أن يجعل المجلس النيابي مجلسًا بحق وينوب عن الأمة بحق اصطدم به الباي محمد الصادق ووزيره الذي يصفه بالرهيب العظيم الجاه مصطفى خزنة دار والذي كان للمفارقة نسيبه.. فلم تمكنه طاقته النفسية من أن يكون طرفًا قويًّا في هذا الصدام... فلا يلبث أن يستقيل من وزارة الحربية ورئاسة المجلس النيابي.. فقبلت استقالته من فورها، ولحسن خلقه وسعة عقله لم يصدر منه بعد هذه الاستقالة ما يعكر صفو الصلة بينه وبين الباي والوزير الأول.. فللأول عليه حق الرعاية الأولى وللثاني عليه حق المصاهرة…
تجارب ورؤى
ويعينه الباي مبعوثًا خاصًّا له وسفيرًا في ألمانيا، وهولندا والدنمارك، وإنجلترا والنمسا .. فكانت أسفارًا على أسفار وتجارب على تجارب ورؤى على رؤى.. تسع سنوات من الترحال كان أغلبها في أوروبا فعاين نهضتها بعين البصر وعين البصيرة... وإذ تنتهي هذه الرحلة الضرورة ويستقر في بلاده تيقن لديه أن ما ينقص البلاد الإسلامية هو التنظيمات الدنيوية والعلوم العملية والمعارف الحياتية، فعن له أن يعتزل قليلاً دنيا الناس ريثما يراجع ما رآه وسمعه في هذه الأسفار، فكانت ثمرة هذه العزلة مؤلفًا من أعظم وأهم المؤلفات في علوم الاجتماع والعمران والتمدن والإصلاح «أقوم المسالك في معرفه أحوال الممالك» وهو الكتاب الذي عده الباحثون والدارسون مقدمة بن خلدون العصر الحديث…
وسائل الإصلاح
فقد اشتمل الكتاب أيضًا على تاريخ ومقدمة.. تاريخ وصفي للدولة العثمانية وأوروبا.. ومقدمة يشرح فيها حال الأمة الإسلامية وحاجاتها الماسة إلى الإصلاح ووسائل تحقيقه.. فعرض لفكرة التنظيمات السياسية القائمة على الحرية والعدل والمحاسبة والتي تنظم علاقة السلطة بالمجتمع؛ فهو يرى أن هذه التنظيمات من أهم موجبات الشرع الذي من أصوله وجوب المشورة وتغيير المنكر وهي من أقوى الوسائل لحفظ نظام الدولة وعمران البلاد ورفاهية الناس خصوصًا في هذه الأزمان، وعرض لفكرة الحرية الشخصية والسياسية، فالأولى تجعل الإنسان آمنًا على دينه، وعرضه ونفسه وماله، ومطمئنًا إلى مساواته بمن حوله، والثانية تحقق فكرة المشاركة في توجيه الشؤون العامة وفق المصلحة العامة للأمة... ويستمر في عرض فكرته فيذهب إلى أن تنمية المعارف، وتقدم العلوم ثمرة طبيعية للحرية الشخصية والسياسية والاقتصادية المستقرة بتنظيمات سياسية وقانونية...
وضرب مثلاً مهماً لذلك وعاه من خلال «الرحلة»، وهو أن المكتبة القومية الفرنسية لم يزد رصيدها خلال 400 سنة (138-1790) عن 200 ألف كتاب في حين أنها في سبعين عامًا فقط بعد الثورة بلغ رصيدها 880 ألف كتاب... ويخاطب الرجل المؤسستين الأهم في عصره وفي كل عصر وهما المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية.. فيطالب الأولى بمعرفة الدنيا وما يجد ويستحدث فيها ويطالب الثانية بمعرفة الدين وأصوله وأحكامه...
أصعب الفترات كانت الفترة التي اعتزل فيها صاحبنا الحياة العامة من أقسى وأصعب الفترات على الشعب التونسي فألغي المجلس النيابي، وزادت الضرائب، وفشا المرض، وعم الجوع.. وبلغت الديون الخارجية الحدود التي كان ينتظرها الطامعون في أوروبا فأخرجوا النص المسرحي المعد دائمًا وهو تدخل الدائنين في تسيير الشؤون الداخلية للبلاد للمحافظة على ديونهم نفس المسرحية التي حدثت في مصر…
الوزير الأول
فيتلفت الباي عن يمينه وعن شماله فلا يجد أخلص من خير الدين فيستدعيه من معزله ليترأس لجنة تكونت لمعالجة الديون وتحديد الفوائد ويمنحه لقب وزير، ثم الوزير الأول، وينطلق الرجل بكل همة وجدية وعمل لتنفيذ رؤيته الإصلاحية، فيعيد تقسيم الأراضي الزراعية، وينظم العلاقة بين الملاك والمزارعين، وينشئ المدارس العصرية وينظم الوظائف الحكومية، ويضع ميزانية الدولة على أساس صحيح، ويحيي الصناعات المحلية، وينظم الأوقاف والتشريعات القضائية، ويوثق الصلة بين تونس والدولة العثمانية، ويضع خطة تنفيذية لهذا التوثيق ويوافقه السلطان عليها كلها...
وبدا أن الأمور تسير في مساراتها الإصلاحية الصحيحة.. ولكن للأسف الشديد لم يكن خلف الرجل في كل ذلك تنظيم قوي يواتيه ويعينه ويحميه... فيجتمع عليه كل من أذاهم الإصلاح من الباي نفسه إلى بطانته الذين غلقت في وجوههم أبواب الفساد والتلاعب والنهب العام إلى الدول الأجنبية.. فرنسا تحديدًا التي كانت ترى أن العرب إذا استأنسوا بالعدالة والحرية لم نسترح معهم..!! وهكذا اصطفت له صفوف العداوة والمخاصمة.. فوضعت له العراقيل، وأطلقت عليه الشائعات والأراجيف عن خيانته وأطماعه وأحكمت حوله دوائر التربص استعدادًا للانقضاض.. فيعود الرجل على بدئه ويستقيل؛ إذ لم يجد حوله ناصرًا!!!
الصدر الأعظم
وليعيش بعد هذه الاستقالة سنة من أسوأ سني عمره (1876م) فتحدد إقامته، ويمنع من الاتصال بالناس.. ولأن للخبر السيئ جناحين، وهو مع الريح يطير تصل أخباره إلى الأستانة، فيستدعيه كبير الأمناء، فيذهب إليه بلا أهل، ولا مال ولا وداع ... ويستقبله السلطان عبد الحميد في قصره، ويدور بينهما حوار طويل على عشاء جمعهما منفردين.. إذ يبدو أن القدر هيأ لصاحبنا من يحدث السلطان عنه وعن فلسفته في الإصلاح.. فيأنس عبد الحميد إليه وإلى رجاحة عقله، فيعينه وزير دولة، ثم لا يلبث أن يفاجئه على حين غرة بتعيينه رئيسًا للوزراء صدرًا أعظم، 1878م في وقت كانت فيه الدولة العثمانية في أشد مراحلها تعقيدًا، وارتباكًا، وضعفًا .. داخليًّا وخارجيًّا، فيحاول الرجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولم تطل محاولته، فيعزل بعد ثمانية شهور من تعيينه... ولم يلبث إلا قليلاً (عشر سنوات) حتى يودع الدنيا وما فيها (1890م) بألم، ونبل وصبر، ووجه يشرق بنور الإيمان.. ولسان حاله يلهج بقول الشاعر:
.. يا وطني كان حلمي أن يزول
الهم عند بابك ..
كان حلمي أن أرى قبري على أبوابك...
وبخلت يا وطني بقبر يحتويني في ترابك..
فقد كان يحلم بالرجوع إلى تونس ليدفن فيها.. فلم ير حلمه النور ويدفن - يرحمه الله- في تركيا، تاركًا وراءه تجربة من أثرى التجارب الإصلاحية فكرًا وعملاً.