العنوان روسيا ترتزق.. وسورية تحترق
الكاتب عبدالله زنجير
تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1971
نشر في الصفحة 18
السبت 01-أكتوبر-2011
روسيا ترتزق.. وسورية تحترق
- ديون سورية لروسيا تبلغ ١٣/٤١ مليار دولار.. منها ١١ مليارا ديون عسكرية
- تسوية بين البلدين تم بمقتضاها إلغاء ٧٣% من الديون السورية المستحقة
يبدو أن الدب الروسي لم يتأدب رغم كل كدماته ونكباته التي أصابته في أفغانستان أولاً مرورًا ببلاد الشيشان وجورجيا وأوكرانيا.. إلخ، كما أد من الهزائم الاستراتيجية في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وسواها، والتي قلصت من جغرافيته قرابة الربع لتكون مساحة روسيا الاتحادية الحالية ١٧٠٧٥٢٠٠ كم مربع، وعدد سكانها ١٥٠ مليون نسمة، بعد أن كانت مساحة ما سمي بـ «الاتحاد السوفييتي»، أكثر من ٢٢ مليون كم مربع، و ٢٩٤ مليون نسمة، و ١٦ دولة من مختلف الأعراق والأديان والألوان.
ولم يكن للبريسترويكا وإعادة البناء ذلك الأثر الأخلاقي أو الروحاني على عقلانية الدب العجوز الذي ازداد شراهة وشهوانية ولو لفرخ من السمك السلامون يسرقه أو يأسره أو يعبث به في لعبة الأمم، بانتهازية لا ترى أبعد من أنفها ولا تقيم للجوار أي جوار!
القياصرة الجدد
انتهى حكم القياصرة في ۱۹۱۷م ليأتي القياصرة الجدد، فماذا قدم هؤلاء للعرب والمسلمين سوى الشيوعية والشمولية والشيطنة؟ وماذا أفدنا من الدب الروسي غير الهدايا المسمومة والضلال المبين؟ ذبحوا ملايين المسلمين وغير المسلمين ببلشفيتهم وكانوا أول من اعترف بـ«إسرائيل» المزعومة سنة ١٩٤٨م قبل الولايات المتحدة، ونصحوا الرئيس «جمال عبد الناصر» ألا يكون البادئ في الهجوم يوم حرب يونيو ١٩٦٧م، ووقفت كنيستهم الأرثوذكسية وقيادتهم السياسية مع قصابي الصرب إبان أحداث البوسنة والهرسك (۱۹۹۲ - ١٩٩٥م)، وبذلوا من خزينتهم آلاف المليارات لبث الإلحاد والإفساد الفكري والثقافي والقيمي وبعد انهيارهم الأهم في ۱۹۹۱م ووراثة ذلك الشر، اتجه الدب الروسي للبيع والقمار في قضايانا العادلة لمن يدفع أكثر، وراح يرسل الرقيق الأبيض لإلهاء الشباب العربي وابتزازه إمعانًا في الاستهتار والاسترزاق والرعونة الحضارية.
وقد رأينا تناقض المواقف الروسية وتباينها مع تطلعات الشعوب التواقة للحرية منذ أن بدأت إرهاصات الربيع العربي، وليتجلى ذلك التخبط - كأوضح ما يكون - في التعاطي غير الذكي مع الثورة السورية العتيدة وكيف ذهب هذا الدب للجانب الخاطئ من التاريخ فأعاق بعناده وصلاحياته، حتى مجرد استصدار إدانة لفظية ضد التقتيل والترويع لعشرات آلاف الجماهير الثائرة في طول سورية وعرضها، ليذكرنا ذلك بالكوميديا الباكية ونموذج اليهودي المرابي عند «شكسبير»، وتجارة النخاسة والصفقات - في أسوأ صور الانتهازية والانشطار.
السر الاستعماري
الذاكرة دومًا على حق، ولا بد من الدندنة - حول السر الاستعماري للعلاقات الروسية السورية المترنحة الآن مع ترنح أصنام «الأسد».. ففي ١٩٥٧/١٠/٢٨م، وخلال عهد الرئيس «شكري القوتلي» - يرحمه الله - أبرم أول اتفاق من نوعه للتعاون السوري الروسي وربما كان مرد هذا التأخير في التعاون الحساسية الوطن السوري من الشيوعية العقدية ومن دعاتها المحليين ك«ناصر حدة» مؤسس الحزب الشيوعي السوري في ١٩٢٤م - ورفاقه «فوزي الزعيم»، و«علي خلقي»، و«خالد بكداش».. ومع عصر الوحدة والجمهورية العربية المتحدة في ١٩٥٨ تطور الوضع والنفع المتوقع قدمًا، لينتقل بعدها خطوة نوعية أخرى عندما استولى «البعث» على السلطة في ١٩٦٣م، فاقتصر تسليح الجيش وحماة الديار على السوفييت دون سواهم، وذهب ظن «الكرملين» بعيدًا في خيالاته وحساباته نحو التمدد المنفلت إلى المياه الدافئة والرجاء الصالح، فبارك انقلاب مارس، وأسهم بتمويل «سد الفرات» سنة ١٩٦٦م بمبلغ ١٢٠ مليون روبل متجاهلاً التحفظات العراقية لحكومة عبد الرحمن عارف، وشقيقه من قبله «عبد السلام عارف » وتبرع بإنجاز الخط الحديدي الداخلي بطول ١٥٠٠ كم من خلال الشركات والخبراء الروس.
إلا أن الدب وقع بخديعة «الأسد» الأب الذي كان براجماتيًا ينسق مع الأمريكيين ويهرول المصالحة الذاتية، رغم وقوع حرب أكتوبر ۱۹۷۳م، والحاجة للذخيرة والعتاد الشرقي، حيث لم يستفد منه الروس شيئًا أكثر من الكلام والوعود وتراكم الديون على الخزينة السورية نتيجة شراء الأسلحة الحديثة بعض الشيء، والتي هي بالضرورة دون مستوى حلف «وارسو» وعسكريته المتفوقة وفي سنة ٢٠٠٥م، وأثناء زيارة الرئيس «بشار الأسد » الموسكو تم التوقيع على تسوية مالية ما بين الطرفين ألغي فيها ما نسبته %۷۳ من الديون السورية المستحقة وهو ما يعادل 9 مليارات دولار من أصل ١٣,٤ مليار دولار، بحيث يتبقى ٣٠٦ مليار تسددها الحكومة السورية بالتقسيط المريح على مدى 10 سنوات، ومنذ ذلك الحين لم یزد متوسط المدفوعات السورية عن ١٥٠ مليون دولار فقط.
وهم المصالح
والمفارقة أن التسامح أو الكرم الروسي جاء نتيجة وليس سببا للعلاقات الدولية المعقدة في الشرق الأوسط، فسورية لم تكن تسدد شيئا للروس من منتصف التسعينيات مستغلة للتطورات الجيوسياسية والاقتصادية هناك، ولعل الجزرة الحقيقية التي قدمها حكم «الأسد» لصديقه الدب لم تكن المزيد من التجارة البينية، والتي وصلت إلى ملياري دولار في ۲۰۰۸م من أصل حجم صادرات روسيا البالغ ٢٩٦ مليار دولار، وواردات ۲۲۹ مليارا حسب أرقام سنة ٢٠١٠م، ولا في إنشاء المحطات الكهروحرارية والكهرومائية وتنفيذ المشاريع الصناعية والزراعية والاستثمارات النفطية والسياحية الشركات مثل «نات نيفت»، و «ستروي ترانس غاز»، وغيرهما، إنما كانت غالبًا تأجير ميناء مدينة طرطوس على المتوسط للبحرية الروسية، ليكون قاعدة ارتكاز وإسناد للسفن الحربية وحاملات الطائرات التي يمكنها ذلك من الوصول للبحر الأحمر والمحيط الأطلسي بأسرع ما يمكن!
وهذا التعاون ما بين النظامين الحليفين أشبه ما يكون بزواج المتعة مؤقتًا ومؤطرًا بوهم المصالح، حيث يظن الدب الروسي أنه الرابح الأكبر، مع أن الديون العسكرية السورية وحدها تبلغ الآن ١١ مليار دولار وفقًا لبعض التقديرات وبرامج التدريب المشترك باتت تحرج الطرفين وتزيد الطين بلة.. ومن هنا دخل الرئيس «ديمتري مدفيديف»، ومعه الثعلب «بوتين» بإزار المساومات مع الغرب قبل أن يتحول حرق الأعلام الروسية في الشوارع السورية إلى طلاق بائن، حيث لا اثمن من الدم في تقلبات السياسة والقرارات الزئبقية، فتارة يتم تحذير «الأسد»، من المصير الحزين كما في تصريحات الرئيس الروسي يوم ٢٠١١/٨/٤م لشبكة «أر تي»، و «صدى موسكوه»، أو في استقبالات «ميخائيل مار غيلوف» مسؤول الأزمات في العالم العربي للمعارضين السوريين، أو القيام بزيارات استعراضية للواقع السوري برعاية مخابراتية وتارة يلوحون بسيف «الفيتو» ويرعدون ويزيدون لتزداد حرائق الشام اشتمالاً والدكتاتورية فجورًا وثمالة، وكان الدب الروسي يحفر قبره السوري بيده لا بيد عمرو، إذ لا صفح ولا مصافحة مع من يقتلوننا بمواقفهم البليدة وأسلحتهم الكسيدة من أجل حفنة دراهما! تبًا لكم أيها الروس .