العنوان رياض المؤمنين.. إحياء فقه الدعوة .. الحلقة (٥١)
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1973
مشاهدات 86
نشر في العدد 168
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 18-سبتمبر-1973
رياض المؤمنين
إحياء فقه الدعوة
الحلقة (٥١)
يكتبها : محمد أحمد الراشد
نحو تربية تستدرك
ما تأمل متأمل من دعاة الإسلام ذاك الحوار الصريح بين موسى عليه السلام والعبد الرحيم، إلا وفرح بكل كلمة تقال له تبين له أدب الطاعة.
﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (الكهف:66)
﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ (الكهف:67-68)
﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف:69)
إنها ليست بالكلمات العابرة يقولها موسى يراعي بها أدب المجاملة، ولكنه عهد سن خلاله سنة طاعة التابع لمن اختار اتباعه برضاه، واصطلاحات شرعية يعرف مدلولها رسم بها قانون تفويض القادة حق الأمر.
وإنما قالها توكيدًا من بعد أن خاف عليه العبد الرحيم إبهامًا يخرجه إلى حيرة ففترة، وأن يكون مكانًا تلجأ إليه الدهشة.
وبهذا التخوف من العبد الرحيم، وإيراده احتمال ذهول التابع، حازت بحوث فقه الدعوة مبررًا وسببًا مقبولًا لأن تخاطب الحين بعد الحين كل داعية، تحذره الغفلة وبطء الوفاء، فإن من هو خير منه قد خوطب بمثل ذلك وجرى معه الحوار، ولم يك عاصيا إذ ذاك، ولا أظهر استغرابا ولا كان قد حار.
إن الطاعة ليست بدعة نتنادى لها اليوم، ولكنها المذهب القديم الذي أعلنه موسى عليه السلام، فأداه فنه في الطاعة إلى فن في القيادة سديد إلا وأن أزمة الإسلام ومشكلته الحاضرة تكمن في حاجته إلى القادة، ولن يصل مخلص إلي وعي فن القيادة حتى تتعود قدمه المشي في درب الطاعة اللاحب السليك.
لذة تغري القلب فيتورط
ويتساءل البعض عن شباب ناشئة، امتلأت قلوبهم أول مقدمهم الدعوة إيمانا ومحبة وأخوة وحماسة، فلما لبثوا سنوات، بردت حماستهم واختلفت آراؤهم وخرجوا إلى تعصب فرق بينهم.
إنه وصف يترجم ظاهرة تتكرر في بلاد شتى، في أوقات متعاقبة.
وسبب ذلك - والله أعلم - أن القلب الإنساني يشعر بلذة عارمة إذا تمكن صاحبه من تنفيذ ما يعتقده صوابا، لكنه لا يقنع، بل يتسع ممتدا إلى آفاق مترامية فيتطلع إلى إشباع كامل يستغرق هذا الامتداد الواسع ويريد تصاعد اللذة سريعًا، فلا يصبر بما أودع الله فيه من سر العجلة، فيخرج مدفوعا بطمعه وعجلته إلى إفراط في تشغيل الجوارح بما يعود باللذة على القلب، فتتعب وينعكس تعبها على القلب في صورة ملل، فتختلط اللذة بالمغارم وتعود ثقلًا محمولًا من بعد ما كانت مركبًا حاملًا وتظل المغارم تضغط عليه حتى ينكمش ويضيق من بعد الاتساع الذي جبل عليه وشب في كنفه فلا يعود فيه محل لحلم، ولا لاحتمال يتركه لغيره في أن يصيب ولا لمصلحة غيره في أن تأخذ حقها.
إن هذه الظاهرة في عمل القلوب وطبائعها تفسر لنا بعض جوانب ما نرى في عمل الدعوات الإسلامية من جناية الأخطاء التخطيطية والتربوية على أمثال هؤلاء الشباب الدعاة، ولعل البعض يظن أن أمر تصويبها يحتاج إلى معادلات وإحصاءات وخطوط بیان، بينما هو أقرب من ذلك لمن جرب عن كثب إذ يمكنه أن يتناوش التصويب من خلال معرفة بسيطة بسياسة القلوب، ليست بنائية عنه، ولاهي في مكان بعيد.
اقتحام قبل أوانه
فمن أظهر ما تبديه الحقبة الأخيرة من تاريخ الدعوة من هذا الصواب اللذيذ الذي أغرى بالتوغل واستدرج الدعاة فأتعب وأرهق: هو ذلك التدخل المستعجل في الميدان السياسي من قبل بعض أجزاء الحركة قبل استكمال مجموع الدعاة للتربية الإيمانية العقائدية العبادية الأخلاقية.
فمما لاشك فيه أن شمول الإسلام وتردي أحوال الأمة واستعلاء الطغاة كل ذلك يمنح الصواب لمبادرات الدعاة السياسية وللغيرة التي يبدونها على مصالح الأمة الاقتصادية وقضاياها المصيرية، ولكن قصور الطاقة الحركية، وقصور المدى الذي وصل إليه ذلك الجزء في السيطرة على طبائع القلوب التي يحملها دعاته والتي من شأنها الفطري أن تكون متقلبة، يضمران ذلك الصواب، حتى يغدو هزيلًا، ويجردانه من واقعية هو بحاجة إلى تزكيتها له، ومن استدامة هي شرط في حصول تأثيره وارتفاعه عن مجرد الفورة، ومن إمكانية في التصعيد الذي يكفل غلبته على ما سيستجد من مقاومة الخصم ودفاعه عن مصالحه.
ولئن كان الحديث عن هذه الجوانب متشعبًا واسعًا فإن قرة عين الدعاة برؤية زمرة القلب الواحد، والانغماس فيها، تجر جرًا إلي تلمس ما فعله ضعف تربية القلوب في أجزاء الحركة المستعجلة من اختلافات وفتن في صفوف دعاتها، تماهل معها السير، وذهلوا خلالها عن قواعد التعامل الإيماني وجفل بسببها الأنصار، حتى غدت دروسًا بليغات تلح علينا إلحاحًا لأن نراجع أنفسنا ونستدرك نقصنا، بجولة إيمانية طويلة نصفي فيها عقائدنا ونزيد عبادتنا، ونسمو بأخلاقنا وأذواقنا ونثبت قلوبنا، ونجرد دعوتنا للآخرين على أساس عقائدي إيماني خال من أي وعد سياسي يزهد بنا معها الطامع، والمستعجل ومتقلب القلب.
إن الممارسة السياسية يجب أن ننزلها في منزلة قريبة من الحرام مالم تكمل طاقتنا على التصعيد وتحكم تربيتنا للقلوب وإلا وجدت الفتن لها مجالًا.
ريث يوحي
إنها ليست بدائية الأسلوب، ولا بداوة المحيط، جعلتا دعوة كل الأنبياء عليهم السلام تركز على معنى التوحيد، وتدندن حوله وتتممه بمكارم الأخلاق.
كلا إنهم ليسوا كما يظن المستعجلون أنها حكمة الله جعلتهم يعلمون أتباعهم الريث والاحتجاب التربوي، وفصاحة اللغة القلبية.
وهو حب الله، يروونه ويبشرون به من يكون حليمًا متأنيًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأشج رضي الله عنـه رئيس قبيلة عبد القيس:
(إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) (1)
فحلم الحليم حصانة له ضد الافتتان يعصمه عن الغضب والانتصار للنفس فيلزم العدل في أحكامه، وأما تأني المتأني فأظهر في تأديته إلى العصمة، يمنح فرصة للتأمل والقياس فيزول الالتباس.
وإنها فطنة الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأى تكرر الآيات التي تذم المتكبرين، فراح يعلم الأجيال مقاصد القرآن، فقال:
(الكبر: بطر الحق، وغمط الناس) (۲).
أي جحد الاحتكام إلى قواعد الشرع، وغمط الناس حقوقهم بعدم تنزيلهم منازلهم وبتجاهل حسنات المخالفين.
ورثة الأنبياء على درب الأناة
ثم هي كذلك الحكمة كانت تحوط ورثة الأنبياء حين كان إغراء المال يقوي، أو حين كانت الفتن تسود، ويكثر قيل وقال فما هو بأول طرق لأبواب الوعاة حين طرق أولئك باب الفضيل بن عياض رحمه الله.
(فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي، والدموع تتقاطر من وجهه ولحيته، وهو يضطرب.
فقال لهم: ما بالكم؟
فقالوا له: عظنا يا أبا علي).
ولا هو بأول جواب من مثله حين وعظهم فقال:
عليكم بالقرآن.
عليكم بالسنة.
عليكم بالصلاة.
ويحكم!
هذا الزمان ليس بزمان حديث، وإنما هو زمان: احفظ لسانك، واخف مكانك وعالج بالليل، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر. (۳)
إنها السياسة التربوية الدائمة لكل جماعة إسلامية عاملة.
يريد الإسلام أن نصفيها قلوبًا.
تربية طويلة، لأطول مما منحناها من الوقت آنفًا مادتها القرآن والسنة وخلوات الثلث الآخر، تعلمنا صواب القول والعمل وإنكار الذات، وتقذف في القلب ميزانًا فرقانًا بين معروف ومنكر.
يجب أن تتعود قلوب الدعاة على أن تأخذ ما تعرف أخذ عبادة وسرور ورجاء ثواب وإن تدع ما تنكر، ترك عبادة ونفور وخوف عقاب.
طريقة سلفية في تعليم الوفاء
وبهذه السجية أشرق جمال وفاء من وفى ممن سلف وظل ينير مجالس أجيال الذاكرين حتى وصل إلى دعاة اليوم يحثهم إلى اتساء واقتداء، ويلوم من تخلف ويوسعه تقريعًا.
• إنها ومضات إشراق الوفاء تدفع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى التغني بها وإلى جعلها عنوان المسلم، فسيرها كلمات هاديات لما جاءه عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه في وفد.
يقول عدي:
فجعل يدعو رجلًا، ويسميهم.
فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟
قال: بلى.
أسلمت إذ كفروا.
وأقبلت إذ أدبروا.
ووفيت إذ غدروا.
وعرفت إذ أنكروا.
فقال عدي: فلا أبالي إذا» (٤)
تلك جوانب شخصية المسلم الحق وهويته:
إقبال حين الأدبار.
ووفاء حين الغدر.
ومعرفة حين الإنكار.
لا يبالي بعدها أن جهل اسمه الجاهلون أو ذهل عن نسبه الناظرون، طالما أنه شمخ بمنقباته على حضيض من حام حول دنيا وحظوظ، وتسامى بهن محلقًا إلى الأفق الأعلى.
• ثم يظل خير طالب السلامة يزداد.
ويعظم حتى يكون مربيًا لغيره، معلمًا، يعلمهم سبيل الستر والبراءة، كما كان التابعي الجليل كعب بن سور رحمه الله، فإنه لما حدث الخلاف بين الصحابة، وجر إلى القتال:
(دخل في بيت، وطين عليه، وجعل فيه كوة يناول منها طعامه وشرابه، اعتزالًا للفتنة). (٥)
ومن لم يخبر التربية يظن ذلك تكلفًا يهيجه الرياء، وربما سارع إلى رمي كعب بقلة العقل، ولكنها التربية بالمنظر العملي يفعل ذلك ليراه المتورط المستدرج والمدعو المغري، فيكون ثم سؤال من أنفسهما لأنفسهما ومراجعة وتحقيق وتدقيق لعل القلوب تسكن وتهدأ، فترجع إلى العقول فكرتها وتنظر الأمور مع عاقبتها، وتتجاوز رؤية يومها إلى مصيرها في غدها.
(۱) (٢) صحيح مسلم ١- ٣٧- ٦٥
(٣) تنبيه المغترين للشعراني - ١٢٢
(٤) صحيح البخاري ٥ - ٢٢١
(٥) طبقات ابن سعد ۷ - ۹۲