; رياض المؤمنين.. التربية الحركية للقاعدة الصلبة | مجلة المجتمع

العنوان رياض المؤمنين.. التربية الحركية للقاعدة الصلبة

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1973

مشاهدات 86

نشر في العدد 140

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 06-مارس-1973

رياض المؤمنين

التربية الحركية للقاعدة الصلبة

قصص من لهو الدعوة

يكتبها: محمد أحمد الراشد

ما كان لأهل الحركة الإسلامية ومن حولهم من ناشئة الابتداء أن يتخلفوا عن السير نحو أفراح الآخرة، ولا يرغبوا بأنفسهم من حاجات الدعوة، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب، ولا غبار في سبيل الله ولا يتكلمون كلمة تغيظ الأحزاب الأرضية ولا ينالون من ملحد نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين.

ولا ينفقون نفقة من التعب صغيرة أو من الهول كبيرة، ولا يجوبون محلة أو مدرسة أو جامعة أو مصنعًا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون.

وكيف يلتذ داعية براحة وهم قد لقنوه من أول يوم أن ينشد:

في ضميري دائمًا صوت النبي *** آمرًا: جاهد، وكابد، واتعب

صائحًا: غالب، وطالب، وآداب *** صارخًا: كن أبدًا حرًا أبي؟

وكيف يميل إلى استرخاء، وأصحابه يهتفون:

نبني، ولا نتكل *** نفني، ولا ننخذل

لنا يد، والعمل * لنا غد، والأمل؟

إن حرية الداعية، والأمل الذي يستيقنه يدفعان به دفعًا إلى البذل السخي.

· علو في الحياة

حرية... وأمل

حرية تكسر قيود الشهوات.

وأمل بالأجر، وثقة بالنصر.

كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في ميزان التصارع العقائدي، كانتا دومًا في تاريخ التوحيد الطويل، تأخذان التعب من أجيال الدعاة من النبيين، والصديقين، والراشدين، والتابعين، ومن لحقهم بإحسان على مر القرون، فكلهم بالتعب كانوا يفرحون، يأبون إلا العلو في الحياة ونحن إن شاء الله بهم لمقتدون.

كان تعبهم يتمثل أحيانًا بحركة يومية دائبة في الإنذار والتبشير، والتجميع والتبصير، أو سهرًا على رعاية مصالح المسلمين.

ويتمثل أحيانًا في انكباب على التعلم واجتياز المفاوز لحيازة حديث أو كلمات فقه.

ويتجسد في أخرى قتالًا، وتحفزًا دائمًا لجهاد وعلو موت.

وفي أخرى إشغالًا للفكر في التخطيط.

فإن أخذوا راحة، واستلقوا على ظهورهم: لبث ذهنهم يصطاد الخاطر.

وكل ذلك حكى التاريخ، ليتعلم الدعاة اليوم.

· نطق بالليل والنهار

فأول من يطالعنا: الأنبياء عليهم السلام كان لسانهم ناطقًا بالليل والنهار، والإعلان والإسرار.

قال تعالى مخبرًا عن نوح عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ (نوح: 5).

ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗ ﴾  (نوح: 8-9)

· ونطق أثناء خطوات الهجرة

«والواقع أن الداعي إذا كان صادقًا في دعوته منشغلًا بها لا يفكر إلا فيها ولا يتحرك إلا من أجلها ولا يبخل عليها بشيء من جهده ووقته، لم يشغله عنها شاغل أبدًا حتى في أحرج الساعات وأضيق الحالات وأدق الظروف وهكذا كان رسولنا محمد r، فعندما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق t لقي في طريقه بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، وهذا يدل أنه r لم يغفل عن الدعوة إلى الله حتى وهو في طريقه مهاجرًا إلى المدينة والقوم يطلبونه».()

· ونطق في السجن

«ويوسف عليه السلام عندما دخل السجن مظلومًا لم يشغله السجن وضيقه عن واجب الدعوة إلى الله، ولهذا فقه اغتنم سؤال السجينين عن رؤيا رأياها فقال لهما قبل أن يجيبهما ما أخبرنا الله به: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ () (سورة يوسف: 39).

· الرشد يمنع النوم

وقاربهم الصديق أبو بكر t حتى قال عند وفاته:

«والله ما نمت فحلمت، ولا توهمت فسهوت، وإني لعلى السبيل ما زغت».()

يعني أنه قد شغلته حروب الردة والفتوح وأرهقه إرساء جهاز الدولة، حتى أنه ما كان ليستغرق في نومه ليتاح له أن يحلم، ويزداد بعد النبي r في الصديقية ليهبه الله تعالى يقظة أثناء هذا التعب تبعد عنه الوهم والسهو.

· الترابي....!

ويترجم عبد الله بن عباس انغماسه في صورة جمع بين التواضع والصبر على مشقة التعلم وجمع الحديث حتى أن الريح لتسفي عليه التراب، يرجو بذلك أن يستنشق نسمات الجنة ويجتاز الصراط بلا حساب.

وأسمعه يروي ما كان منه ويقول: «أقبلت أسأل أصحاب رسول الله r عن الحديث فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على التراب، فيخرج فيقول لي يا بن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلى فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتياك فأسأله عن الحديث». () (أخرجه الدارمي (570)، والطبراني (10/ 244) (10592)، والحاكم (363) باختلاف يسير).

ولو شاء أن يوقظوه لأيقظوه له مع الفارق، ولكن الهمم العالية تطرب لصفير الريح ولفحات التراب.

· هواية رفع الأثقال

والداعية اللبيب يسابق أصحابه لحمل كل ثقيل من الأمور، فيكون يوم الجمعة صاحب الميزان الثقيل، كما تسابق النخعيون يوم معركة القادسية، قال أحد الصحابة منهم: «أتينا القادسية، فقتل منا كثير، وأصيب من سائر الناس قليل، فسئل عمر عن ذلك فقال: «إن النخع ولوا عظم الأمر وحدهم»، وما كان أحد ممن حضر القادسية إلا  وأصيب ولكن الدعاة إلى الله لهم هواية التسابق في رفع الأثقال، يكملون بها هواية جمع الغبار.

● حصن التربية الأسدية

والذروة يعلوها التابعي العابد الفقيه المحدث الجليل أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي نتاج تربية الأربعة الراشدين، وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وغيرهم فإنه عاف التجارات والبيوت وبنى له في الكوفة حصنا صغيرًا يسعه هو وفرسه وسلاحه فقط، وبقي طول عمره متحفزًا للجهاد، حتى لم يعد يعرف موازين السوق التي يتعامل بها الناس. «٦»

تجرد حق التجرد، فأنتج حق الإنتاج ذرية تجرد تتبعه، يعلم الدعاة بذلك طريق إنتاج الرجال باستخدام وسائل الإيضاح البصرية المجسدة لا ما مله التلامذة من وسائل الإيضاح السمعية.

أنتج أبو وائل أمثال: سليمان الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن مرة، وغيرهم من فحول المحدثين.

أن من لا يفهم التربية يظن أن بناء هذا الحصن من التكلف والرياء.

● ذهب الفراغ..!

ويموت شقيق الأسدي مع نهاية قرن الخير الأول، فيبادر الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز إلى ضرب الأمثال.

تصفه زوجه فاطمة بنت عبد الملك فتقول:

«كان قد فرغ للمسلمين نفسه، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساء لم يفرغ فيه من حوائج يومه: وصل يومه بليلته». «۷»

يضرب المثل بذلك لداعية الإسلام أن أراد أن يصدق دعوته ويؤدي الأمانة.

صدق الداعية: أن يجدد أطوار عمر فيفرغ نفسه للمسلمين، فلا تجد له حركة دنيوية إلا بمقدار ما توجبه ضروريات إطعام عياله. ويفرغ ذهنه، فليس فيه إلا تفكر بمصالح الدعوة.

ويعترض أصدقاء قدماء لعمر، من أصدقائه قبل الخلافة يوم كان فارغًا، يودون أن تكون لهم معه جلسة يعيدون فيها الذكريات، فيقولون:

«لو تفرغت لنا»

فيقول:

«وأين الفراغ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله». «۸»

يلقنها لمن يدخل الدعوة بعده إذا دعاهم رفاق الأمس إلى قتل الأوقات.

● موفق يجوب بحقيبة العلم راجلًا

ويستمر تلامذة أحمد بن حنبل، وأتباع مذهبه من بعده، يضعون وسائل الإيضاح البصرية في الاستخدام التربوي، فإنهم كما وصفهم الفقيه النحوي ابن عقيل «غلب عليهم الجد، وقل عندهم الهزل» «۹»

فمن تلامذته: الحافظ الإمام الفقيه الزاهد المحدث: اسحق بن منصور المعروف بالكوسج، شيخ البخاري ومسلم وغيرهما كان يسكن نيسابور بخراسان، فرحل إلى بغداد ودون عن أحمد بن حنبل مسائل في الفقه كثيرة، ورجع إلى نيسابور، ثم أنه:

«بلغه أن أحمد بن حنبل رجع عن بعض تلك المسائل، فحملها في جراب على كتفه، وسافر راجلًا إلى أحمد، ثم عرض خطوط أحمد على كل مسألة استفتاه عنها فأقر له بها وأعجب به». «۱۰»

واحدنا الآن يجلس على أريكته وبجنبه مسند أحمد مطبوعًا محققًا مجلدًا مذهبًا يتكاسل أن ينظر فيه.

● الحنابلة يحفظون السمت

ويرسم ابن عقيل، النحوي الفقيه الحنبلي، صورة الداعية الذي لا تكون خطراته وسبحات فكره بل أحلامه إذ ينام إلا في الدعوة، ويجلي ذلك بقوله:

«إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة وبصري عن مطالعة: اعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح». «۱۱»

فانظر، كم ساعة من نهارك وليلك تضیع سدى؟

وخلفه الشيخ الزاهد الفقيه محمد بن أحمد الدباهي، قالوا: 

«لازم العبادة، والعمل الدائم والجد واستغرق أوقاته في الخير.. صلب في الدين وينصح الإخوان، وإذا رآه إنسان: عرف الجد في وجهه». «۱۲»

وهكذا يجب أن تكون دائمًا علامة الدعاة سيماهم في الجد ظاهرة في وجوههم، لا يخطؤها النظر.

ليس لهم نصيب من الهزل والضحك والبطالة.

● أصحاب الإمام البنَّا يجددون

وجدد جيل هذا القرن من الدعاة في مصر تلك الصور الرائعة القديمة، ليبرهنوا أن الإسلام الذي أنتج أولئك لا يزال حيًا.

يصف الإمام حسن البنا أصحابه فيقول:

«قد سهرت عيونهم والناس نيامًا، وشغلت نفوسهم والخليون هجع، واكب أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل، عاملًا مجتهدًا، ومفكرًا مجدًا، ولا يزال كذلك طول شهره، حتى إذا ما انتهى الشهر جعل مورده موردًا لجماعته، ونفقته: نفقة لدعوته، وماله: خادمًا لغايته، ولسان حاله يقول لبني قومه الغافلين عن تضحيته: ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي [هود: 51] » ۱۳«

● وعلو في الممات.

وكما في مصر، كان من رعيل العراق الأول: أبو صفوان الدباغ صاحب رسالة «مع الناشئة»، الرسالة الصغيرة البسيطة جدًا الطريفة جدًا.

حدثني الثقة أقرانه، قال:

«كان مريضًا بالسرطان، واشتد مرضه سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وألف، فرقد في المستشفى أيامًا وكأنه أحس بلحظات حياته الأخيرة فطلب مواجهة قائد الدعوة آنذاك، فجاءه ومعه بعض الدعاة فيهم راوي القصة فأعلمهم بقرب موته، وشهد أن لا إله إلا الله، وقرأ شيئًا من القرآن، وصافح يد القائد، وأعلن تجديد بيعته وثباته على هذه الدعوة وحملهم السلام إلى من كان من الدعاة آنذاك وإلى من سيلتحق بعد، ثم أعاد الشهادة، ومات من فوره، بعد تجديد بيعته بقليل». 

رحمه الله.

 فتأمل.

هذه منقبة لا يرزقها إلا من كان توجهه صادقًا في حياته.

وتأمل علو همته كأنه في قاعة مطار يودع أو على رصيف محطة قطار، أخ لك سابق غادر الحياة ولعلك لم تولد بعد، يحييك ويبلغك السلام، ويطلب منك الثبات على هذه الدعوة التي جربها في صحته ونشاطه، وجربها في آخر لحظات حياته فوجد لذة السير إلى من أنعم بها على عباده.

إن في ذلك لعبرة تغني اللبيب عن كثير من الكلام المنمق والبلاغة المتكلفة.

حقًا إن الهمم مراتب، ولا تعلو همة في نهايتها وعند موتها إلا إذا علت في بدايتها وقائع وقصص يمر بها الداعية يأخذ منها الدروس والعبر، والهمام من يقول: اللهم اجمعنا وإياهم في دار كرامتك.

وكذلك نقص القصص لدعاة الإسلام لعلهم يقتدون.

«1» أصول الدعوة- ٢٨٤، وأشار إلى أنه نقل قصة بريدة عن إمتاع الأسماع للمقريزي- ٤٢.

«۲» أصول الدعوة- ٢٨٤.

«۳» الخراج لأبي يوسف القاضي- 11.

«4» طبقات ابن سعد 2- 368.

«5» الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر-1-28.

«6» كتاب الثقات لابن حبان- ۱۰۸.

«7» سيرة عمر لابن عبد الحكم- ١٤٦.

«۸» طبقات ابن سعد 5-397.

«۹» ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١-١٥٢.

«10» تذكرة الحفاظ للذهبي ٢-٥٢٤.

«۱۱» «۱۲» ذيل طبقات الحنابلة 1-146، 3-261.

«۱۳» المجموعة / إلى أي شيء ندعو الناس- ۱۲۹.

الرابط المختصر :