; ريغان الجديد... والقضايا الساخنة في الساحة العربية | مجلة المجتمع

العنوان ريغان الجديد... والقضايا الساخنة في الساحة العربية

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1984

مشاهدات 60

نشر في العدد 691

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 13-نوفمبر-1984

ما إن ظهرت نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية يوم ٦ نوفمبر الجاري لصالح رونالد ريغان حتى وجد نفسه ملاحقًا أينما كان، لتلقي تهاني وتبريكات بعض الزعماء الذين أعربوا بصورة أو بأخرى عن «الأمل» و«الثقة» في استئناف الدور الأميركي الفعال لإنجاز عملية السلام! وقد بادر دبلوماسيون عرب في واشنطن إلى الإعراب عن اعتقادهم أن «براغماتية» الرئيس ريغان «يمكن أن تكون عاملًا مساعدًا في علاقات الولايات المتحدة الأميركية مع العالم العربي» ومعظم اليهود أدلوا بأصواتهم لصالح مونديل، ولهذا فإن ريغان لن يكون مدينًا لليهود بشيء. وقد أثبتت السنوات الأربع الماضية أن هذه الإدارة ليست متسامحة، فهي ترعى وتهتم بأصدقائها وتعاقب أعدادها»!

فهل ريغان في «العهد الجديد» هو غيره في «العهد القديم»؟ وهل ستتغير السياسة الأميركية «إيجابيًّا» نحو الشرق الأوسط بشكل خاص وقضايا العرب بشكل عام؟

الأصوات اليهودية:

والإجابة على هذا التساؤل تكتنفها تعقيدات كثيرة تجعل المراقب أو المحلل يواجه صعوبة واضحة في تحديد الإجابة، ولعل أهم هذه الصعوبات هو تعقيد النظام الانتخابي الأميركي من جهة، وتعقيد مناطق النفوذ الصهيوني المؤثرة فيه من جهة أخرى. على أن الذي يحتاج إلى نقاش هنا هو فحوى القناعة الرسمية العربية بأن الرئيس الذي يعاد انتخابه يكون أكثر حرية وانطلاقًا وأقل إذعانًا للضغوط الصهيونية بسبب عدم طمعه في الترشيح للرئاسة لفترة ثالثة لأن الدستور الأمريكي لا يجيز ذلك.

وهذه القناعة مبنية على قناعة أخرى وهي أن الأصوات اليهودية هي التي ترجح كفة الرئيس الفائز.

وفيما يخص ريغان الجديد، فإن الأصوات اليهودية أعطيت لمنافسه مونديل بنسبة ٦٩٪ أي أن ريغان لم يحصل إلا على نسبة ٣١٪ من أصوات اليهود مع أن مخططي حملته الانتخابية كانوا يأملون في الحصول على حوالي ٥٠٪ من صوات اليهود.

وهذا ما يؤكد لدى المولعين بالدور الأمريكي «ثقتهم» في قدرة الرئيس ريغان لاستخدام «استقلاليته الجديدة» من أجل دفع مسيرة السلام المشرف!

ومع أن هذه القناعة تنطوي على شيء من الصحة كما يقول وليام كواندت، وهو ما نوافقه فيه، ويشهد له تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث ثبت بأن الحركة الصهيونية كانت ضد نجاح أي رئيس أمريكي لولاية ثانية. ومن الاستثناءات النادرة لهذه القاعدة على سبيل المثال إعادة انتخاب الرئيس نيكسون عام ۷۲، ولكن ما إن زار منطقة الشرق الأوسط وأخذ يبحث عن «السلام» حتى فاجأه اللوبي الصهيوني بفضيحة ووترغيت التي أنهت رئاسته قبل أوانها!

 وفي هذا السياق يأتي تبني الحركة الصهيونية لريغان ضد كارتر لأن كارتر كان قد أعرب عن تأييده لبعض الأفكار حول حل أزمة الشرق الأوسط وهي الوطن الفلسطيني والانسحاب من بعض الأراضي العربية، وهو مالا تقبله إسرائيل بأي حال. وقد مهدت الحركة الصهيونية؛ لذلك باختراع فضيحة بيلي– غيت المعروفة. وبنفس المنطق يقال إن ريغان الذي طرح مبادرته «١/٩/١٩٨٢» المبنية على الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية لقي معارضة إسرائيلية شديدة، وبالتالي معارضة من اللوبي الصهيوني، الأمر الذي جعل الحركة الصهيونية تتبنى «مونديل» ضد ريغان. ومع وجاهة هذا المنطق إلا أن ثمة ملاحظات أساسية تقدح في دقته.

نظريتان:

فمن الناحية النظرية يرى بعض المحللين السياسيين أن الحركة الصهيونية وإن كانت تتبنى في معظم الأحيان نظرية عدم إعادة انتخاب الرئيس. إلا أنها تلجأ إلى نظرية أخرى خاصة إذا رأت أن قواعد الرئيس الشعبية قوية إلى الحد الذي يمكنه من الفوز من غير دعم اللوبي الصهيوني. وهنا تلجأ القوى الصهيونية بامتداداتها المتشعبة إلى تبني ترشيح منافس قوي يقدم تنازلات كبيرة لها كمونديل، كي يقوم المرشح القوي «ريغان» بتقديم تنازلات ولو بنسبة أقل مقابل التنازل عن دعم المرشح المنافس، وفي هذه الحالة توزع الأصوات اليهودية على المرشحين بنسب تتفاوت بقدر معقول. فهل حدث هذا في الحالة الأخيرة؟ 

أما وقد فاز ريغان بفارق كبير عن منافسه مونديل الذي تبنته الحركة الصهيونية، ولم ينل من أصوات اليهود غير ٣١٪ فإن احتمال تطبيق النظرية الأولى أي عدم إعادة انتخاب الرئيس تصبح أكثر إمكانية من النظرية الثانية.

ومما يقوي هذا الاستنتاجكذلك أن نسبة الـ: ٣١٪ التي حصل عليها ريغان من أصوات اليهود إنما حصل عليها بسبب نجاح سياساته المتعلقة بالشعب الأمريكي، خاصة الانتعاش الاقتصادي واستعادة هيبة أميركا على المستوى الدولي.

لا تغيير:

وهذا الاستنتاجعلى منطقيته، إلا أنه لا يستقيم مع المعلومات المتوافرة والتي تتلخص في أن السياسة الأميركية الخارجية خاصًة تجاه الشرق الأوسط لم يكن لها أي أثر في المعركة الانتخابية، فالبرامج الانتخابية لكلا الحزبين: الجمهوري، والديمقراطي وكذلك تصريحات المرشحين لم تشر بالذات أية إشارة لحقوق الشعب الفلسطيني وحق تقرير المصير، كما لم تشر إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

وإذا وضعنا في الاعتبار حقيقة أن ريغان القديم قد دفع العلاقات بين أميركا وإسرائيل إلى حد توقيع معاهدة التحالف الإستراتيجي. كما أغدق العطاءات على إسرائيل، وقدم لها أموالًا طائلة «كمنحة» لا ترد وعمل على ترتيب برنامج تعاون علمي وعسكري لتطوير السلاح الإسرائيلي وغيرها من المساعدات التي تجعل من إسرائيل الولاية رقم واحد من الولايات الأمريكية، فإننا نميل إلى القول بأن السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط عمومًا، وتجاه القضية الفلسطينية خصوصًا، لن يطرأ عليها أي تغيير ذي بال.

فالرئيس ريغان منذ تولى الرئاسة الأولى ظل يركز على مقولة «الكنز الاستراتيجي» الذي وجده في إسرائيل، والذي جعله يرسل المارينز الأمريكي ليذوقوا الذل والهوان من أجل إسرائيل، وذات يوم قال تعليقًا على ضرب المفاعل النووي العراقي لو لم تكن إسرائيل موجودة لقمنا بذلك العمل أي أنه يؤمن شخصيًّا بنظرية اللوبي الصهيوني القائلة بأن «ما هو حسن لإسرائيل هو حسن لأمريكا»!

فالقضية إذن قضية «كنز إستراتيجي» وتوافق مصلحي حيوي بين أميركا وإسرائيل. وهي في هذا الباب أعمق وأعقد بكثير من قضية النفوذ الصهيوني في مفاصل اتخاذ القرار الأمريكي، على تشعبه وفاعليته وقوته. ونحن نفهم هذا التوافق الإستراتيجي ليس في المجال العسكري والسياسي فحسب، بل في المجال الحضاري والفكري. فإسرائيل لا تريد التوسع الاستيطاني، ولا الهيمنة على الموارد الاقتصاديةللوطن العربي فحسب، بل تريد إبقاء العرب والمسلمين متخلفين متنازعين، وتريد العالم العربي سوقًا استهلاكيًّا للمنتجات الإسرائيلية. وهذه الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى تلتقي مع أهداف الإدارة الأميركية التي تضيف إليها توظيف المنطقة للدفاع عسكريًّا من مصالحها فيصراعها مع الاتحادالسوفياتي.

الرئيس دائمًا مع إسرائيل: 

ومن أجل هذا الدور الخاص الذي تقوم به إسرائيل ظلت أمريكا منحازة انحيازًا تامًّا لها بغض النظر عن كون الرئيس جمهوريًّا أم ديمقراطيًّا، وبغض النظر عن الأصوات اليهودية التي نالها، فالرئيس نيكسون على سبيل المثال الذي لم يحصل إلا على ٣٨٦ صوتًا فقط من أصوات اليهود في ولايته الأولى قدمت أميركا في عهده مساعدات لإسرائيل فاقت ما قدمته خلال جميع العهود السابقة! وقد عبر عن ذلك صراحة حيث قال إن مواقفه تجاه إسرائيل لا تتأثر بتصويت اليهود معه أو ضده، وكمكافأة له على ذلك قال إسحاق رابين الذي كان سفيرًا لإسرائيل في واشنطن آنذاك: إن حزب الجمهوريين حزب أفعال وليس حزب أقوال ودعا لإعادة انتخاب نيكسون الأمر الذي أعتبر أول تدخل إسرائيلي رسمي في انتخابات الرئاسة الأميركية!

وإذا عدنا إلى العهد الجديد لريغان تقول المعلومات إنه نجح من غير دعم اليهود. كما سقط في انتخابات مجلس الشيوخ أحد مؤيدي إسرائيل الأقوياء كلارنس لونغ رئيس لجنة المساعدات الأميركية لإسرائيل؛ لكن في المقابل فشل شارلز بيرسي رئيس لجنة الشؤون الخارجية وهو معروف بأنه من خصوم اللوبي الصهيوني. كما فشل اللوبي الصهيوني بهزيمة ممثل نورث کارولاينا الجمهوري جيمس هيلمز الذي كان قد طالب الولايات المتحدة بقطع علاقاتها مع إسرائيل عام ۸۲ احتجاجًا على احتلال لبنان.

 ومع اعتقادنا بأهمية جماعات الضغط في التأثير على السياسة الأميركية الخارجية، إلا أننا لا نقيم وزنًا كبيرًا لما تتناقله وسائل الإعلام العربية بشكل خاص عن نجاح عضو في الكونغرس معاد لإسرائيل هنا، أو سقوط مؤيد لإسرائيل هناك، لأن المحصلة النهائية لهذه الحركة محكومة لمعادلة المصالح المشتركة للحركة الصهيونية، ولطبقة الرأسماليين الصناعيين التي تمسك بزمام الأمور في أمريكا.

 وبالنسبة لمن حول ريغان وهو المعيار الآخر لقياس مدى تغيير سياسته تفيد الأنباء الواردة من واشنطن أن كلًّا من جورج شولتز وكاسبر واينبيرغر ودونالد ريغان باقون في مناصبهم وهي الخارجية والدفاع والمالية. كما أن جورج بوش سيظل نائبًا لريغان، وهو بالإضافة إلى أنه أسهم في القرارات التي اتخذتها إدارة كارتر فيما يتعلق بتوطيد العلاقة مع إسرائيل وتحديد السياسة الأميركية إزاء الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، فإنه سيكون خلال الفترة المقبلة محكومًا لاعتبار أنه سيرشح نفسه للرئاسة عام ۱۹۸۸، أي أنه سيكون متحفظًا جدًّا في الموافقة على أي قرار لا ترضى عنه إسرائيل والقوى الصهيونية الأميركية!

لا لمنظمة التحرير:

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فإن إدارة ريغان التي طرحت الخيار الأردني منذ البداية، أخذت تؤكد على مبادرة ريغان قبل انتهاء الانتخابات. وتعتبر جولة ريتشارد ميرفي الأخيرة بأنها تمهيد لحملة أمريكية جديدة من أجل السلام ستأخذ مجراها بعد أداء الرئيس ريغان لقسم الرئاسة ابتداء من يناير القادم. وفي تصريح لكل من جورج بوش وروبرت مكفارلين لمجلة المجلة في عددها الأخير حيث اتفقا على «أن أمريكا لن تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية في المستقبل حتى تعترف بحق إسرائيل وقبول قراري مجلس الأمن ٢٤٢، ٣٣٨».

وعبارات «الثقة» أو «الأمل» أو دعوة الفلسطينيين لإعلان «مبادرة» لتنشيط عملية السلام، وكذلك الاستعداد «لقرارات شجاعة» أو غيرها مما جاء على ألسنة المسؤولين العرب، تعرب كلها عن قناعة بأن السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط وصلت سقفًا معينًا، وأن الإدارة الأمريكية غير مستعجلة للتحرك من أجل هذا السقف إنما المطلوب هو «مبادرات» أو بالأحرى تنازلات عربية لدفع الإدارة الأميركية للتحرك، خاصًة إذا أبدت حكومة بيريز بعض المشجعات لاستئناف المفاوضات!

ترقب وانتظار:

وفيما يتعلق بلبنان كانت إدارة ريغان قد أخذت تعمل على فصلها عن أزمة الشرق الأوسط منذ فترة، وتدل المعلومات والتحليلات الموثوقة إلى أن إسرائيل قررت الانسحاب الجزئي من جنوب لبنان. وقد كانت بصدد تنفيذ ذلك. إلا أن إدارة ريغان طلبت إليها بناء على رغبة أمين الجميل أرجاء الموضوع لحين استكمال الترتيبات اللبنانية بما يحفظ المعادلة السياسية القائمة فيه، ومن هنا جاءت جولة ميرفي التي شملت بيروت ودمشق وتل أبيب والتي كرستلترتيب الانسحاببتفاهم مع سوريا.

 أما عن الموقف الأمريكي من حرب الخليج فيشير المراقبون في واشنطن أنه سيظل على ما هو عليه أي الترقب والانتظار إلى أن تنهيا الأمور على ما تهواه واشنطن. فإذا ما تم ذلك تنشط إدارة ريغان لوضع نهاية سلمية للحرب. ویری درو مديلتون المحلل الأميركي المعروف إلى أن الإدارة الأميركية ما تزال هي المستفيدة من استمرار الوضع على ما هو عليه في الخليج، وأنها لا تتحرك إلا من أجل منع انتشار الحرب لتصبح حربًا إقليمية، لكن تحليلات سابقة ذهبت إلى أنه ربما في منتصف عام ١٩٨٥ ستكون الحرب قد وضعت أوزارها.

ولكننا نميل نحن إلى أن إدارة ريغان التي حققت شعبية بسبب السياسة العنيدة تجاه الاتحاد السوفياتي ستكون مشغولة في العهد الجديد بترتيب الأوضاع الدولية مع الاتحاد السوفياتي. وتأتي اجتماعات شولتز –غروميكو، وغروميكو– ريغان خلال انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة مؤشرًا في هذا الاتجاه.

والاتحاد السوفياتي بدوره ما زال يترقب التحرك الأميركي الجديد. وفي خضم الانتظار والترقب بين العملاقين تظل الأوضاع في أكثر من منطقة من المناطق الساخنة في العالم بشكل عام وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، تشهد مدًّا وجزرًا في التصريحات والتحليلات، بل وتشهد مزيدًا من التنازلات إلى أن يحين الوقت المناسب لإقرار الظالم على ظلمه ربما بمؤتمر دولي تحضره جميع الأطراف المعنية، وربما بصفقات فردية على نمط كامب ديفيد!

ولعل آخر صيحة «قديمة جديدة» تتردد في الأجواء العربية اليوم هي صيحة «التضامن العربي» أو «وحدة الموقف العربي» من أجل أن يكون العم سام متشجعًا لتحرك إيجابي وعادل مزعوم!

ومن العجب كذلك أن أحد زعماء «الراديكالية» «والقوى التقدمية» المناهضة للإمبريالية يتصل مهنئًا ريفان بالفوز ومذكرًا بقرارات قمة فأس!

ترى إلى متى سيظل بعض العرب يقودون شعوبهم بالترهات والأوهام نحو الذل والاستسلام؟

نسأل الله أن يبصر المسلمين بالطريق المستقيم وأن يلهمهم الاستقامة عليه وهو نعم المولى ونعم النصير.

الرابط المختصر :