; زعماء الطلبة: خدعنا سوهارتو والجيش.. ودخلنا البرلمان | مجلة المجتمع

العنوان زعماء الطلبة: خدعنا سوهارتو والجيش.. ودخلنا البرلمان

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

مشاهدات 52

نشر في العدد 1316

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

إندونيسيا

حوارات في إندونيسيا

* فوجئ الطلبة بدخولهم معترك الحياة السياسية.. وكانت تنقصهم الخبرة.. ووحد بينهم الإخلاص والاتفاق على «العدو المشترك»

* سقط «العدو المشترك» فتفرقت كلمة الطلبة.. وانحاز كل فريق إلى الحزب السياسي الأقرب إلى فكره

* بعد منتصف الليل قال الجنرال لأمين رئيس: إن سوهارتو سيعيد مذبحة الصين!

* استفاد طلبة إندونيسيا مما جرى لنظرائهم في الصين فتجنبوا التجمع في الميدان المفتوح ولجأوا إلى البرلمان.

* أثناء المظاهرات وزع الطلبة الورود على الجنود لتلطيف الجو.. وبعد سقوط سوهارتو اشترك الطرفان في الاحتفال برحيل الدكتاتور.

سمع العالم أو من كان مهتمًا من سكانه بأحداث إندونيسيا، عن المظاهرات الطلابية التي مهدت لاستقالة سوهارتو في 21 من مايو الماضي.. ولكن لم يجب أحد عن أسئلة كثيرة حول توجهات هذه الجموع من الطلاب والطالبات، وبخاصة الإسلاميون منهم، والأكثر عددًا بين طلبة جامعات إندونيسيا، المجتمع حاورت القيادات الطلابية الإسلامية، لإلقاء الضوء على جوانب من تجربتهم قبل رجوع معظمهم إلى مقاعد الدراسة.

في البداية كان الحوار مع الساعد الأيمن للدكتور أمين رئيس في حملته السياسية لإسقاط سوهارتو.. فخري حمزة- رئيس حركة اتحاد الطلبة المسلمين الإندونيسيين (كامي)، والمتخرج في جامعة إندونيسيا في جاكرتا العام الماضي، ويدرس حاليًا الماجستير، والناشط الطلابي منذ سنوات، ثم حاورنا مجموعة أخرى من الطلبة وهم في ندوة ضمت راما براتاما- رئيس مجلس طلبة جامعة إندونيسيا، والطالب في قسم الاقتصاد فيها، والسكرتير العام لمجلس الجامعة فطرة أرسل الطالب في قسم القانون، ونور الدين- رئيس مجلس طلبة معهد بوغور الزراعي، والطالب في قسم الغابات، وفيصل سنوسي- وكيل رئيس حركة اتحاد الطلبة المسلمين (كامي)، وهنري باسل- منسق حركة الاعتصام في البرلمان ورئيس جمعية الطلبة في معهد تدريب المعلمين في جاكرتا، وشارك في الحوار مسلم عبد الله، السكرتير العام لهيئة الدراسات والمعلومات للعالم الإسلامي المعاصر في جاكرتا.. فإلى ثمرة هذه الحوارات ومجمل ما جاء فيها:

نوعيات الطلبة

منذ أن أقدمت الحكومة الإندونيسية في منتصف الثمانينيات على إعلان جملة من القوانين السياسية، التي تحد من النشاط السياسي بين الطلاب، بدأت تبرز في جامعات إندونيسيا 4 نوعيات من الطلبة، موزعين على عشرات الجمعيات والاتحادات والمجالس الطلابية.

النوعية الأولى: من الطلبة التقليديين الذين يدخلون الجامعة بحثًا عن جو دراسي نموذجي، ويسعون للحصول على درجات عالية ولا يشاركون في الأنشطة أيًّا كانت، ثم يخرجون للسوق بحثًا عن عمل.

النوعية الثانية: وهم من يصفهم الطلبة الإسلاميون بـ «المتشددين اليساريين»، والمعروفين باتصالاتهم بالمنظمات غير الحكومية خارج الجامعات وارتباطهم بها.

والنوعية الثالثة المهملة من قبل وسائل الإعلام: وهم من يؤسسون عملهم في المساجد والمصليات المنتشرة في ما بين الجامعات، وبخاصة جامعات المدن كمسجد عارف لقمان الحكيم في جامعة إندونيسيا، ومسجد سلمى في معهد باندونج التقني، ومسجد الجفري في جامعة بوجور، وتعتبر هذه المجموعة الثالثة الأكبر عددًا، ولها حضور بارز في 70 جامعة على الأقل، ومن ثم فإن لها شبكة اتصالات واسعة.

النوعية الرابعة: وهم طلبة أنصار لجمعيات أخرى أقل تأثيرًا، لأنها نشأت خارج الجامعة، ومع تشديد الحكومة على كل من كان خارج الجامعة، ألا ينشد داخلها، فإن نشاطهم في الأحداث الأخيرة كان أقل من غيرهم، مع أن لهم حلفاء أو «وكلاء» داخل الجامعات من توجهات إسلامية أو يسارية أو قومية.

حركة كامي

أحدث الجمعيات أو الحركات الطلابية عمرًا، لكنها الأبرز بين النوعية الثالثة من الطلبة «الإسلاميين»، وهي تمثل شبكة جمعيات طلبة المساجد، وتتصف إلى حد ما باستقلالية عن المنظمات الأخرى خارج الجامعة، بدأ التحرك لتأسيس كامي (حركة اتحاد الطلبة المسلمين الإندونيسيين) في بداية هذا العام، حيث بدأت مناقشات بين الطلبة مبنية على تصورات إسلامية، وكان يوم 29/3/1998م، موعد ميلاد حركة كامي، حيث الاجتماع السنوي العاشر لمجموعة من جمعيات الطلبة في مالانج- جاوة الشرقية- وكان الاجتماع ذا صفة خاصة، حيث جاء قبل أقل من شهرين من سقوط سوهارتو، وفيه أثيرت قضايا الإصلاح المنشود.. وبعد دراسة للوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، كان تأسيس هذه الجبهة الجديدة، لتعمل على تنظيم الاحتجاجات الطلابية بشكل منسق من خلال مجلسها المركزي والمجالس الإقليمية في سومطرة، وجاكرتا، وجاوة الشرقية، وجاوة الوسطى، وبالي، وشرق إندونيسيا، ولجنة العلاقات الدولية، ولذا كانت تقام بعض المظاهرات في آن واحد.

أما قبل هذا التاريخ فقد كان عمل جمعيات مساجد الجامعات منفصلًا، ما عدا الاجتماع السنوي المشترك لأنشطة المساجد.

لم يتحدث الطلبة في اجتماعاتهم الأولى عن إسقاط سوهارتو، وإنما طالبوا بإقامة نظام اقتصادي وسياسي عادل، وعدم حجر العمل الحزبي على ثلاثة أحزاب، وسيطرة حزب جولكار على السلطة، في مرحلة تالية تحول الحديث إلى المطالبة بتنحي سوهارتو عن السلطة، وبعد أن تحقق هذا الهدف، عادت الحركة إلى الدعوة إلى الإصلاح الشامل الجذري، وتقديم سوهارتو وأعوانه للعدالة، وإطلاق سراح السجناء.

في المرحلة الأولى وصل الطلبة إلى نتيجة مؤادها أنه من أجل بناء نظام صالح، لا بد من إخراج سوهارتو، لأنه جزء رئيس من الأزمة المطلوب حلها، فانطلق الطلبة بمختلف توجهاتهم إلى مجلس الشعب الاستشاري بعد مظاهرات دامت أسابيع، وقضيتهم الأولى جميعًا «العدو المشترك»، أي سوهارتو.

لقد أعاد التاريخ نفسه، ولكن بمسميات جديدة؛ ففي عام 1966م، كان العدو المشترك للطلبة هو سوكارنو والحزب الشيوعي، وبالأمس القريب كان العدو المشترك سوهارتو وحزبه، ولذلك طالب الجميع سوهارتو بأن يجعل ثمن تركه للسلطة رخيصًا، ألا يصر على البقاء فيقدم روحه وأرواح من معه من أجل السلطة.

تميز دور الطلبة بأنه الدور الأكثر إخلاصًا ونقاوة في إسقاط سوهارتو؛ فجيل من هم فوق الأربعين من السياسيين المشهورين كان معظمهم مشاركًا في بناء سلطة سوهارتو بشكل أو بآخر، واعتبره الطلبة مذنبًا، صغر أم كبر، ما دام معظمهم متقبلًا للوضع، أو غير متقبل له، لكنه لم يتحرك لتغييره، ومثال ذلك الاقتصادي المعروف وأحد أبرز القوميين المنادين بالإصلاح حاليًا إميل سليم، الذي كان وزيرًا لسوهارتو لمدة 20 عامًا، وأعانه في حكمه، ولكن عند سقوط سوهارتو غيّر جلده.. قليل من «الكبار» نادى بالإصلاح منذ البداية ومنهم د. أمين رئيس، الذي بدأ بالحديث عن الانتقال السلمي للسلطة منذ عام 1993م.

فرق آخر بين الجمعيات الإسلامية الأخرى وحركة كامي، هو أن الأخيرة أسست عملها في المساجد داخل الجامعات، وتركز عملها على الجانب الإيماني، ورفع مستوى الوعي الإسلامي عكس غيرها التي تتحدث منذ مدة عن قضايا سياسية وثقافية في الدرجة الأولى، ومع ذلك لم تكن بارزة في التغيير السياسي الأخير، وعندما دخلت مكتب كامي وجدت الاهتمام بالعبادات، كالصلوات ومواعيدها مع العمل والنشاط السياسي والثقافي.

من بدأ؟!

بدأ الإسلاميون بالتظاهر، وبشكل سلمي، لكن اليساريين دخلوا الساحة، ومع أنهم لا يملكون الدعم الجماهيري الواسع، لكن وسائل الإعلام ضخمت حجمهم، وبخاصة عند مطالبتهم بتنحي حبيبي، وهم يتلقون دعمًا من منظمات إنسانية غربية تسلم المساعدات للمنظمات الإندونيسية غير الحكومية، وهذه غالبًا ما تختار بدورها توجيه الأموال للطلبة اليساريين والقوميين، وهو أمر معروف لدى الكثير من القيادات الطلابية.

كان الطلبة بمختلف توجهاتهم متحدين في مطالبتهم بسقوط سوهارتو في مظاهراتهم وفي عملية الاعتصام في البرلمان لمدة 4 أيام.

لكنهم تفرقوا بعد تسليم حبيبي للسلطة، فبعض الطلبة يرون أن حبيبي مناسب لهذه الحالة للحفاظ على شرعية الدولة، وأنه الأنسب للإسلاميين مقارنة بالخيارات التي كانت مطروحة منذ البداية، والتي تعتبرها القيادات الطلابية الإسلامية «غير مرغوب فيها»، فقد طرحت بعض القوى منذ بداية المظاهرات رئيس الأركان ووزير الداخلية هارتونو ذا العلاقة الخاصة بسوهارتو، وعلي العطاس وزير الخارجية، كما طالب اليساريون بتأسيس مجلس انتقالي يكون أحد أعضائه أمين رئيس وعبد الرحمن وحيد رئيس نهضة العلماء، لكن الاعتراض كان على الشخصين الآخرين وهما مختار باكباهان (نصراني يساري)، وميجاواتي سوكارنو، ووصلت درجة المعارضة لهذه الفكرة أن صرح أحد قيادات الطلبة بأنه لو وصل باكباهان لهذا المجلس فسأعلن الجهاد ضده.

توقف الطلبة الإسلاميون عن التظاهر ضد الحكومة، مع استمرارهم بالاحتجاج على بعض المواقف والقضايا، وعلى وجود شخصيات معينة في السلطة كوزيرة تنسيق الشؤون الاقتصادية جينادجار.

وإذا تفصحنا الصف الطلابي الإسلامي، الذي يضم جمعيات كثيرة بالإضافة إلى «كامي» نجد حركة شباب الإسلام، وجمعية طلبة الإسلام، وشباب محمدية، وشباب الإرشاد الإسلامية، ومنتدى شبكة الجيل المسلم، ومؤيدي فكر حزب التحرير، وهي جمعيات صغيرة إلى حد ما، مقارنة بكامي من حيث دورها وحضورها، كما نجد جمعية الطلبة المسلمين الإندونيسيين، واتحاد طلبة نهضة العلماء.

وحول ما حققته حركة كامي بعد شهرين من تأسيسها بنجاح جهود الإطاحة بسوهارتو يقول فخري حمزة رئيس الحركة: «بعد أن استقال سوهارتو حصل تغير كبير في إندونيسيا، وكما يقول أمين رئيس إن أكبر صخرة كانت تقف عائقًا أمام الإصلاح قد أزيحت، ولكن هناك صخورًا أخرى كبعض قيادات الجيش، وبعض الوزراء والأفاعي الصغيرة، وحسب ما أراه أنا، فإن قوة حبيبي ما زالت ذات نفوذ كبير؛ فالجيش ما زال بيد رئيس أركانه، ويرانتو الذي كان له دور كبير في الانتقال السلمي للسلطة، ولا يمكن لحبيبي أن يرأس الجيش، ولذلك نرى اليوم أن الحكومة الجديدة تضم عدة أقطاب؛ فحبيبي وأعوانه، وجينادجار من جهة، والجيش ومن يواليهم و«السهوهارتويون» من جهة، فالوزارة ليست متناسقة، وليست فريقًا واحدًا، وحبيبي يبدو غير قادر على إدارته وقد يكون ذلك بسبب طبيعة شخصيته، لكن السبب الأهم، أن بعض الوزراء لا يتعاونون معه بشكل جيد، فلكل أهدافه الخاصة، والتحدي الذي أمامنا هو توحيد جماهير الأمة، للضغط على الحكومة بكل أجنحتها، لإكمال مشوار المشروع الإصلاحي في كل المجالات، ولا يمكن أن أكون متفائلًا 100% بما ستقوم به الحكومة والرئيس، لكننا سنعمل على الضغط عليها لتكون حقًّا حكومة ممهدة لعهد الإصلاح الجذري».

ويتذكر فخري حمزة تلك الأيام الحاسمة التي مهدت لسقوط سوهارتو، وخصوصًا يوم 20 من مايو الماضي، حيث كانت حركة كامي تخطط  لمظاهرة مليونية «كانت المظاهرات السابقة يشارك فيها قرابة 50 ألف شخص».

ويقول حمزة: «طالبنا الناس بالتجمع في ساحة الاستقلال بالقرب من مكتب الرئيس، وتنظيم شكل من التهليل والتكبير والتحميد الجماعي هناك، واخترنا أمين رئيس ليخطب في الناس، ولكن ما حصل هو أن توجهت الدبابات والمدرعات إلى الساحة وملأتها، فذهبت إلى أمين رئيس في الساعة الثانية صباحًا، لأخبره بما حصل، وأن الوضع أصبح خطيرًا ومتأزمًا، وبخاصة إذا اجتمع أكثر من مليون شخص غدًا صباحًا، فأصر أمين رئيس على الذهاب بنفسه، فانطلقنا بسيارته لنرى، وما زلت أذكر أن أمين رئيس قال: «لا إله إلا الله.. انظر إلى الدبابات.. سوهارتو ما زال رجلًا خطيرًا»، ثم التقينا أحد الجنرالات الذي يقود هذه الدبابات في منتصف الليل فقال محذرًا: «إن سوهارتو سيعيد مذبحة الصين عام 1989م، في هذه الساحة»، ولذلك اتصلنا بالإعلام، وتحدث أمين رئيس للناس مطالبًا إياهم بعدم التوجه صباحًا نحو الساحة، ولكن ما حصل هو أن الطريق أصبح خاليًا أمام جموع الطلبة، ليتجهوا نحو مجلس الشعب الاستشاري، وصعدوا في سقفه.. كان الوضع متأزمًا جدًّا، مما شكل حربًا نفسية شديدة ضد سوهارتو، الذي لم يجد غير خيار الاستقالة.

مجالس طلبة الجامعات الرسمية

لكل قسم أو كلية في إندونيسيا مجلس طلابي، وللجامعة مجلس طلابي عام.. وقد كان لهذه المجالس الطلابية المنتخبة من قبل الطلبة سنويًّا دور كذلك، يقول راما براتاما- رئيس مجل جامعة إندونيسيا- في الندوة التي جمعت عدة قيادات طلابية في مجالس الطلبة في حوار مع المجتمع: لم تكن هناك «حركة» طلابية معارضة، أو تيار معارض بصورة منظمة قبل الأزمة المالية التي عصفت بإندونيسيا، من أواسط العام الماضي، واشتدت في أواخره، وما كان موجودًا مجرد احتجاجات هنا وهناك تظهر حول قضية ما فيتجمع المتظاهرون ثم يتفرقون، ومن ذلك قضايا حقوق الإنسان، لكن عندما جاءت الأزمة تحولت الاحتجاجات الطلابية إلى حركة منظمة مع وجود هدف محدد وخطط مدروسة، وهيكل تنظيمي للعمل، وبدأ بذلك منذ ديسمبر 1997م، ويناير 1998م الذي يعتبر بداية عهد جديد في تاريخ العمل الطلابي الإندونيسي، وبخاصة عندما كانت دورة مجلس الشعب على الأبواب، ثم انتهت بإعادة انتخاب سوهارتو، عندها رفض الطلبة سوهارتو رئيسًا للمرة السابعة، وبدأت تتحرك المظاهرات في الجامعات بقيادة المجالس الطلابية، وكلها تنادي بسقوط سوهارتو، وتوسعت الحركة لتصبح سمة كل الجامعات على المستوى الوطني.

كان الطلبة يخافون قبل بداية أعمال الشغب أنهم لو استمروا في المظاهرات وبخاصة داخل الحرم الجامعي، فإن الجيش قد يرتب مسرحية أعمال تخريبية ليشوه سمعة المظاهرات الطلابية، وبالفعل حصل ذلك كما حصل قتل 4 طلبة في جامعة ترسيكاتي، وهو ما دعا الطلبة لتغيير خطتهم، فقرروا الخروج من المبنى الجامعي إلى الشوارع، ومع وحدة القضية كان تجمع الطلبة من مختلف التوجهات ومن مختلف الجامعات سهلًا إلى حد ما، فبدأ الطلبة بالتحرك في المدن، وفي كل يوم أو كل عدة أيام يقومون بمظاهرة أو احتجاج، في مدينة ثم ينتقلون إلى المدينة الأخرى، وبذلك عبأوا الرأي العام لصالح المطالبين بالإصلاح، هذه المظاهرات سبقها اجتماع مع عدد من الشخصيات المهمة والأكاديميين والسياسيين - بصورة غير رسمية- لمناقشة ما يمكن القيام به، وهو ما أعان الطلبة على اتخاذ القرار، وكان هذا في 2 من مارس، حيث بداية التفكير الجاد في المشاركة في صناعة الأحداث، وفي 5 من مارس قدم الطلبة من مجلس جامعة إندونيسيا ممثلًا عن الجامعات الأخرى برنامج الإصلاح والتغيير المطلوب.

كما قدموا البرنامج للجيش في لقاء رسمي، وهو أول لقاء رسمي، وهو أول لقاء بين الطلبة والجيش والبرلمان في مثل هذه الصورة، كما أعلنوا رفضهم لانتخاب سوهارتو لفترة رئاسية جديدة، وبرز الطلبة كأول المعارضين لذلك، وكان هذا التحرك الأول من نوعه.

وفي يوم 11 من مارس عندما تأكد أن سوهارتو مُصر على الاستمرار تظاهر طلاب جامعة جوقجا وكان عددهم 30 ألفًا أمام البرلمان، وبحضور أمين رئيس، وفي اليوم التالي انتقلت المظاهرات إلى جامعة إندونيسيا بحضور 25 ألف طالب، وحضر أمين رئيس كذلك، الذي كان على اتصال مكثف بالطلبة طوال تلك الفترة، وفي 18 من مارس اجتمع ممثلو طلبة جزيرة جاوة في جامعة بوجور الزراعية فأضافوا إلى برنامجهم ما أسموه بالإصلاح الزراعي، وبدأوا تكثيف التنسيق بين الجامعات الجاوية.

أسس الطلبة لجنة خاصة منذ البداية لمتابعة المقترحات ولدراسة التوجهات الإسلامية واليسارية، لإضافة كل جديد للبرنامج الإصلاحي الذي اقترحوه، متى يكون متلائمًا مع مطالب الإصلاحيين الآخرين، وما يريده الشعب، ثم ظهرت بعد ذلك فكرة الاعتصام في البرلمان، وبخاصة بعد عزم الدولة على رفع الدعم عن أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية.

وبعد شهرين من المظاهرات وفي 18 من مايو قبل سقوط سوهارتو بـ 3 أيام أرسل الطلبة رؤساء مجالسهم الطلابية و3 ممثلين عن 35 جامعة إلى البرلمان، وكانت هذه خطتهم تفادي إثارة الجيش إذا ما اتجهوا بالآلاف منذ الوهلة الأولى، دخل الممثلون وهم 120 طالبًا، ودار بينهم وبين أعضاء البرلمان نقاش طويل، لم تكن المناقشة والتي لم تأت بنتيجة كما كان متوقعًا هي الهدف، إنما كان الهدف الاعتصام في البرلمان.

حتى اليوم التالي بقي الطلبة في البرلمان بحجة أن مطالبهم لم تتحقق، وجاء زملاؤهم في الصباح كما كان متفقًا عليه، ودخلت معهم قوى شعبية أخرى، لكنها انسحبت بعد ساعات تاركة الساحة للطلبة.

توعية هذه الجموع من الطلبة بحقيقة الوضع من الداخل كان تحديًا آخر، فعندما بدأت مجالس الطلبة تنضم للمظاهرات وجدت من هو جاهل بمجريات الأمور، وما الفساد الذي تقام المظاهرات ضده، ومن المسؤول عن هذه الأزمة؟ هل النظام كله، أم سوهارتو، أم أنها وجهات لعملة واحدة؟

يعترف بعض قادة الطلبة بأن المظاهرات الأولى كانت انفعالية في بعض الجامعات، كما أن البرنامج الإصلاحي كان بعيدًا عن الواقع في بعض جوانبه، بل اتصف البعض بالسطحية في مطالبه، وهذا أوقع الطلبة في حيرة جديدة بعد سقوط سوهارتو، فبرز سؤال جديد، ماذا يجب أن نفعل؟.. هنا بدأ الطلبة بتبني أفكار الأقرب إليهم من القيادات السياسية فعادت الفرقة بعد أن زالت.

كان الطلبة يرفضون اعتبار القيادات الخارجية قيادات لهم، كانوا يرون أنهم مجرد إصلاحيين يمكن التعاون معهم، أما لو اختارت قيادات الطلبة شخصية سياسية من خارج الجامعة قائدًا لها فسيحدث هذا انشقاقًا، وهو ما كان من اللازم تفاديه في تلك المرحلة.

كيف واجه الطلبة الجيش؟!

كان هناك فرق بين ما فعله الجيش في 1966م عندما سقط سوكارنو، وبين ما حدث العام الجاري، في الستينيات كان الجيش منقسمًا على نفسه بين جناح سوكارنو ومعه الحرس الجمهوري والشيوعيون، وجناح سوهارتو، وكان عناك نوع من التحالف بين القوى الطلابية آنذاك وجناح سوهارتو ضد العدو المشترك وهو الشيوعية، أما عند سقوط سوهارتو فلم يكن الجيش منقسمًا، وإن وجدت أجنحة خفية داخله، فالكل بقي إلى آخر لحظة تحت سيطرة سوهارتو، ولم يكن هناك جناح يقف مع الطلبة في تحالف إستراتيجي، فحتى ويرنتو كان أحد «الأعوان الخادمين» لسوهارتو حسب تعبير الطلبة، وكذلك برابو، واعتبر الطلبة أن ليس هناك في الجيش من هو مستعد للتحالف معهم، ومن هنا ظهرت أهمية اختيار أسلوب التظاهر للحفاظ على علاقة جيدة سلمية بالجنود المواجهين لهم.

كما لم تكن هناك مؤشرات على أن الجيش يريد التغيير، وإن رغبت في ذلك الشرائح المنخفضة وجهًا لوجه في الشوارع، ولذا أظهر بعضهم تعاطفًا محدودًا، وتجلى هذا التعاطف عدما بدأ بعض الطلبة والجنود يبتهجون معًا داخل البرلمان عندما أعلن سوهارتو استقالته، وقبل ذلك وزع الطلبة والطالبات الورود على الجنود لتلطيف الجو.

لذا لم يحصل أن وقعت مذبحة بين الطلبة إلا في حالة واحدة في جامعة تريساكتي، عندما أصر الطلبة هناك على التظاهر خارج الجامعة، ففتحوا الأبواب التي أقفلها الجيش، مما دفع بعض الجنود لإطلاق الرصاص، فسقط أربعة طلاب قتلى.. هذا الحدث كان أحد الأسباب وراء التفكير بالاعتصام في البرلمان، الذي ذكرناه باعتباره المكان الأكثر أمانًا من رصاصات الجيش، ولقد علّمت تجربة الطلبة الصينيين عام 1989م طلبة إندونيسيا درسًا مهمًّا في المواجهة، ولذلك كان اختيار البرلمان وتفضيله على ساحة الاستقلال التي لو اجتمع فيها الطلبة لواجهوا الجيش بصورة مباشرة، أما المواجهة في البرلمان فلن تكون ساخنة.

ماذا بعد سقوط سوهارتو؟

كان الطلبة أبطال الحلقة الأخيرة من العهد السياسي السابق، ثم تسلم الريادة بعدهم السياسيون الكبار، هل هذا هو الدور المطلوب من الطلبة أداؤه، أم أن عليهم مواصلة الطريق من خلال الوسائل الساسية المتوافرة في الساحة، كالأحزاب الجديدة؟

من الآراء التي تتردد في المرحلة الحالية أن على الطلبة ترك الساحة للسياسيين والرجوع إلى مقاعدهم الدراسية، أما الرأي المعاكس فيرى ضرورة بقاء الطلبة كقوة يحتاج إليها الإصلاحيون في أي وقت، لقد انسحب الطلبة جزئيًّا من مواجهة مسرح الأحداث، لكن بعض المنظمات الطلابية ما زالت حاضرة بمطالبها ومنشوراتها واجتماعاتها المستمرة، والكثير منهم يبدو حذرًا من أن «تسييس» مهمتهم ومسؤوليتهم الأخلاقية تجاه وطنهم من قبل بعض السياسيين الذين يقطفون ثمرات جهود التيارات الطلابية لصالح أحزابهم، ويبدو أن بعض الطلبة ما زالوا غير قادرين على الاستفادة من درس حركة عام 1966م التي قطف ثمارها سوهارتو ووجهها لصالحه.

وعندما سألنا قياديًّا في جامعة إندونيسيا عن شعوره حاليًا قال: «إن سوهارتو هو الباب الأول في ممر مظلم طويل نحاول من خلاله الوصول إلى فجر الإصلاح الجذري والحقيقي؛ فالطريق ما زال طويلًا، وسقوط سوهارتو بداية هذا الطريق، وأهداف حركة الطلبة العليا لم تتحقق بعد، وما زلنا نعمل على تحقيق أهدافنا، وأهداف حركة الإصلاح الشامل لإندونيسيا حكومة وشعبًا».

إن إندونيسيا ما زالت في حاجة إلى دور طلابي موازن يكون فاعلًا في عملية التغيير، ليتحدث الطلبة بمطالب الشعب ويستمروا في مراقبتهم لما يقوم به القادة الجدد، الذين سيتسلمون مقاليد الأمور، ولأداء هذا الدور لا بد من إعادة تشكيل قوة الطلبة من جديد، وهذا يحتاج إلى الاتفاق على قواعد كلية حول مستقبل إندونيسيا.

ويبدو أن الاتفاق على مطالب رئيسية ليس بالأمر السهل في جو الطلبة المعقد، وبخاصة مع وجود توجهات فكرية عديدة بينهم، فقد بدأت قيادات طلابية تتجه في الأسابيع الأخيرة نحو العمل السياسي كل حسب توجهه، حيث بدأوا بالانضمام إلى الأحزاب الجديدة، وقلد بعضهم مناصب قيادية فيها، وهو ما حرص عدد ليس بالقليل من الطلبة عليه حتى يضمنوا استمرار سير قطار الإصلاح، فلو تركوا العمل السياسي، فإن ما بذلوه من جهد قد يضيع، بأن يأتي من خيب آمالهم بشكل ومسميات أخرى، كما حصل مع الحركات الطلابية السابقة.

الرابط المختصر :