; زلزال تركيا ينشق عن حالة خطيرة من الفساد والعجز الحكومي | مجلة المجتمع

العنوان زلزال تركيا ينشق عن حالة خطيرة من الفساد والعجز الحكومي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999

مشاهدات 60

نشر في العدد 1365

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 31-أغسطس-1999

  • الحكومة تركت «الناس» في اليومين الأولين ينبشون في الأنقاض بأظفارهم وبالأدوات البسيطة
  • منطقة الزلزال تنتج %٣٥% من الإنتاج و٧٠% من الصادرات
  • عقوبة الغش في البناء سنوات قليلة.. وعقوبة المشاركة في مظاهرة سلمية تصل للإعدام

كان هذا الزلزال أفظع زلزال تشهده تركيا في تاريخها حتى الآن، إذ من المتوقع أن يزيد عدد القتلى على أربعين ألف قتيل، و٥٠ ألف جريح، ومئات الألوف من المواطنين الذين بقوا دون مأوى، وانهيار آلاف الأبنية السكنية وغير السكنية، ولا يدري أحد بالضبط مجموع الخسائر المادية وإن كانت التقديرات الأولية تزيد على عشرين مليار دولار أمريكي.

والزلزال وجه ضربة موجعة إلى الاقتصاد التركي - الذي كان يشكو الركود أصلًا - بسبب وقوعه في قلب المنطقة الصناعية وأدى إلى تضرر وتوقف المئات من المعامل والمصانع وتقول المصادر الاقتصادية إن الخسائر المادية جراء التوقف عن الإنتاج تزيد على مائتي مليون دولار يوميًا وسوف تعاني الصناعات التركية والحياة الاقتصادية سنوات طويلة من آثار هذا الزلزال الرهيب.

ذكر مرصد أمريكي أن هذا الزلزال يعادل قوة أربعمائة قنبلة ذرية من النوع الذي ألقي على مدينة هيروشيما، واستمر الزلزال مدة (٤٥) ثانية وهو وقت طويل جدًا بالنسبة للزلازل، كما أن وقوعه كان في وقت السحر وبالتحديد في الساعة الثالثة ودقيقتين بعد منتصف الليل أي في عز النوم، وهو ما رفع من عدد القتلى والجرحى فلم يشعر الآلاف إلا وهم تحت الأنقاض. 

وقد كشف هذا الزلزال حقيقة مرة.. كشف عن الخلل المستشري في العديد من دوائر الدولة خاصة، وفي قطاع البناء، وعن عدم وجود أي رقابة على تراخيص الأبنية ولا أي رقابة على مدى قيام المقاولين بتطبيق المواصفات الهندسية عند تشييد الأبنية، فالظاهر أن هذه التراخيص تستحصل بكل بساطة نظير الرشاوى، وأن المقاولين لا يستخدمون المقادير المفروض استخدامها من حديد التسليح ومن الأسمنت، ولا يستخدمون النسب الضرورية في خلطة الكونكريت الاعتيادي والمسلح، ولا توجد هناك أي رقابة جدية في هذا الموضوع، فالرشوة تحل كل شيء والنتيجة أن المقاولين قسم كبير منهم لا يبيعون للمواطنين مساكن آمنة بل يبيعون لهم القبور، فالمهم بالنسبة للمقاول هو الربح الفاحش ولو كان مقابل أرواح الأطفال والنساء والشباب والشيوخ والغريب أن القانون التركي لا يعاقب أصحاب هذه المخالفات والغش في البناء إلا عقوبات خفيفة، ولا يحكم على المقاول المسؤول عن تهدم بنايته وموت ساكنيها إلا سنوات قليلة أما الذين يقومون بإعداد تظاهرات سلمية احتجاجًا على الظلم الواقع على الطالبات المحجبات مثلًا فالقانون يسمح للمدعي العام المطالبة بإنزال عقوبة الإعدام بحقهم.

هذا هو التفسخ الذي تعيشه بعض الدوائر الرسمية وهذه هي العقلية الموجودة لدى البعض مع الأسف.

والشيء الذي يدمي القلوب ويملؤها آلمًا وغيظًا هو العجز الواضح الذي أبدته حكومة أجاويد.. فقد بدا وكأنه لا توجد حكومة في أنقرة تدير الأمور أثناء هذه الكارثة المربعة.. تركت الشعب في اليومين الأولين لحاله يحاول بيده وأظافره وبأدوات بسيطة كالفؤوس والمطارق وقطع الحديد رفع الأنقاض لإنقاذ الآباء والأولاد والأمهات والزوجات، مكتفية بإطلاق تصريحات لا تغني ولا تسمن وأهدرت الـ ٤٨ ساعة الأولى من وقوع الكارثة وهي أثمن الأوقات بالتصريحات في وقت كان الواجب عليها المبادرة لإنقاذ الموجودين تحت الأنقاض طوال يومين لم تستطع الحكومة إرسال فريق واحد للإنقاذ، بل وصلت الفرق الأجنبية إلى المناطق المنكوبة قبل وصول فرق الإنقاذ التركية الرسمية.. ليس هناك مسؤول واحد لا يتحمل أوزار هذا الإهمال الذي لا يستطيع العقل تصوره.

قال رئيس الجمهورية سليمان دميريل الذي كان في بيته بإسطنبول ليلة الزلزال: إنه لم يستطع الاتصال بأحد حتى الساعة السابعة والنصف صباحًا أي بعد أربع ساعات ونصف من وقوع الزلزال.. أهذا شيء معقول؟ ثار الصحفي هاقان جليك على هذا التصريح فكتب مقالة شديدة اللهجة ينتقد فيها رئيس الجمهورية في جريد بوستا Posta بتاريخ ۱۸/۸/۱۹۹۹م قائلًا:

«إذن فلو دخلت تركيا حربًا وقامت قوات العدو بقصف مراكز اتصالاتنا هل لا يستطيع رئيس جمهوريتنا - باعتباره القائد الأعلى للجيش الاتصال بقوات الجيش ولا إصدار أي تعليمات إلا بعد أربع ساعات ونصف.. ألا يملك هاتفًا فضائيًا؟».

وخرجت الصحف التركية بعناوين لاذعة تنتقد هذا الموقف السلبي للحكومة مثل:

«الزلزال هدم.. والحكومة تفرجت»، «الدولة بقيت تحت الأنقاض أتى الصليب الأحمر.. أين الهلال الأحمر»، «أنقرة نمر من ورق».

على صعيد آخر صرح رئيس دائرة الشؤون الدينية محمد نوري يلماظ بأن الضحايا يعدون شهداء عند الله تعالى وأنه يمكن دفن الموتى دون غسل والاكتفاء بالتيمم في حالة عدم توافر الماء. وأن من الممكن دفن الموتى بشكل جماعي عند الضرورة، وأشار إلى المقاولين الذين تسببوا في مقتل هؤلاء الضحايا في سبيل قروش معدودات قائلًا: إن عليهم أن يخجلوا من أنفسهم ويشعروا بوخز الضمير مما جنته أيديهم وأضاف أن على الذين ينوون السفر للديار المقدسة لأداء العمرة أن يهبوا مصاريف هذا السفر المساعدة المنكوبين في هذا الزلزال مؤكدًا أنه أفضل وأكثر أجرًا وثوابًا.

وبجانب عجز الحكومة وفشلها في هذا الامتحان فإن جماهير الشعب اجتازت هذا الامتحان العصيب بنجاح كبير وهبت يدًا واحدة المساعدة الضحايا بكل ما تملك من جهد ومال وتسابق المواطنون في هذا المضمار وبدأوا يجمعون التبرعات ويستخدمون سياراتهم الخاصة لإيصال المساعدات ونقل المصابين والجرحى الذين امتلأت بهم المستشفيات بل تبرع المئات من المواطنين ببيوت كاملة مؤثثة للذين بقوا دون مأوى، وأبدى العديد استعدادهم لتبني الأطفال الذين لقي أباءهم وأمهاتهم حتفهم في الحادث وشارك الآلاف في عمليات الإغاثة والإنقاذ طول ايام بلياليها.

وتحصيل الحاصل أن الحكومة رسبت... ونجح الشعب.

ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى الخسائر المادية الجسيمة التي أصيبت بها تركيا من جراء كارثة الزلزال وقلبت الخطط الاقتصادية راسًا على عقب.

ويقول رئيس غرفة الصناعة في إسطنبول إن الزلزال ضرب منطقة صناعية تقوم بإنتاج ٣٥% من الإنتاج الصناعي الكلي في تركيا، وإن الأضرار المتوقعة تنوف على عشرين مليار دولار أما رئيس اتحاد الصناعيين ورجال الأعمال فيقدر الخسائر والأضرار بنفس الحجم مشيرًا إلى إصابة ۳۱ مؤسسة من أكبر المؤسسات والمعامل في تركيا بأضرار جسيمة.

والمعلوم أن ٧٠% من صادرات تركيا تصدر من المناطق التي ضربها الزلزال.

على صعيد المساعدات القادمة من الخارج وصلت إلى تركيا معونات عاجلة بروح الحب والمؤازرة مقدمة من كل من المملكة العربية السعودية والكويت مصر والجزائر وتونس والمغرب والإمارات والبحرين وسورية والعراق وباكستان وأذربيجان، وقرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان، وقازاخستان والبوسنة والهرسك، إضافة إلى منظمات إسلامية عدة يأتي في مقدمتها رابطة العالم الإسلامي ومنظمة جوروش الإسلامية التركية في ألمانيا والمركز الإسلامي في ميونيخ، وهيئة الإغاثة الإسلامية عبر العالم.

وقد تم فتح باب التبرعات العينية المنكوبي الزلازل في كثير من مناطق العالم الإسلامي. 

ففي ألمانيا، نظمت حملة لجمع التبرعات العينية والنقدية في المساجد المنتشرة بمختلف المدن الألمانية فضلًا عن مناطق تجمع المسلمين، وفي اليمن بدأت اللجنة العليا للإغاثة باتخاذ الإجراءات اللازمة لجمع معونات الإغاثة العينية للمنكوبين إلى جانب فتح حسابات بنكية في مختلف أرجاء البلاد تمهيدًا لإرسالها إلى تركيا.

ضريبة الزلازل. واستخلاص الدروس

من جهتها، استعدت الحكومة التركية لفرض ضريبة أسمتها ضريبة الزلازل المواجهة المتاعب الاقتصادية الناجمة عن الكارثة، بحيث يتم استحصالها مرة واحدة فقط بنسبة ١٠ من مجموع الأرباح السنوية إلى جانب تحصيل ضريبة أملاك إضافية وفرض ضريبة بمبلغ عشرة ملايين ليرة على كل خط هاتفي.

إسرائيل تدخل على الخط

وحاولت إسرائيل أن تدخل على الخط، وأن تستثمر الفاجعة لمصلحتها، وتكشف هذا في تصريحات نشرتها صحيفة معاريف على لسان محافل سياسية أن المساعدات التي تقدمها إسرائيل إلى تركيا تعود إلى مخاوف تساور تل أبيب من إمكان ازدياد قوة ونفوذ جهات إسلامية أصولية في تركيا، في ضوء موجة الانتقادات المتسعة التي توجهها الأوساط والقطاعات الشعبية التركية إلى السلطات الرسمية في بلادها بعد الزلزال المدمر.

وكانت إسرائيل أرسلت إلى تركيا فرق إنقاذ ومساعدات طبية لمعالجة جرحى الزلزال، وأعلنت مصادر رسمية إسرائيلية عزم الدولة العبرية على تنفيذ برنامج مساعدات إنسانية واسعة لإغاثة منكوبي كارثة الزلزال شمال غربي تركيا.

وتابعت صحيفة معاريف ناقلة عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله إنه قبل الزلزال كان تقويم المحافل الأمنية في إسرائيل يشير إلى أن قوة الاتجاه الإسلامي في تركيا تراجعت وضعفت بشكل كبير.. ولكن هناك الآن - بعد الزلزال - مخاوف في إسرائيل من احتمال أن تحاول هذه الجهات والعناصر الإسلامية على المدى البعيد الإفادة من الوضع الناجم ما بعد الزلزال لاستعادة قوتها وتعزيز نفوذها بين الشعب التركي.

 وأضاف: إن إسرائيل، وكذلك دول الاتحاد الأوروبي التي يعنيها بقاء الاتجاه الغربي المسيطر على زمام الحكم في تركيا، تتخوف كثيرًا من هذا الاحتمال المفترض، ولذا، فإنها تعتزم تجنيد وتقديم أقصى معونات ممكنة لأنقرة من أجل مساعدتها في إعادة بناء وإصلاح ما خلفه الزلزال.

الأسطول التركي

صرح قائد القوات البحرية التركي الأميرال سالم درويش أوغلو بأن قيادة القاعدة الرئيسة للأسطول البحري ستنتقل من بلدة كولجوك التي تعرضت للتدمير التام نتيجة الزلازل، مشيرًا إلى أن نصف مباني القيادة قد تهدمت وأصيبت ترسانتها بأضرار فادحة.

وذكر أوغلو أن وضع قاعدة كولجوك سيجري إعادة النظر فيه لتقليص فاعلياته وتحويله إلى مركز تدريبي، وتحويل ترسانتها إلى ترسانة صيانة فقط، واتخاذ ترسانة بنديك ترسانة إنشاء أساسية. 

وأكد أن الزلزال لم يؤثر على الأسطول البحري التركي موضحًا أن عدد الضحايا في صفوفهم هو ۲۹۲ قتيلًا و۲۳۷ جريحًا و٣٥ مازالوا تحت الأنقاض إلى جانب ٢٧٩٦ مفقودًا.

الرابط المختصر :