; المجتمع التربوي: 1086 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: 1086

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1994

مشاهدات 62

نشر في العدد 1086

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 01-فبراير-1994

وقفة تربوية

إعداد: عبد الحميد البلالي

زلزال لوس أنجلوس

خلال دقيقة واحدة فقط انقلبت الدنيا رأسًا على عقب في أغنى وأجمل ولاية في أمريكا، وبالتحديد في أكبر مدنها على الإطلاق، وهي «لوس أنجلوس» مدينة الأثرياء والمشاهير، وبلغت الخسائر حتى الآن: القتلى ما بين ۱٦٨- ۱۸۰ والعدد قابل للزيادة، الخسائر المادية من ١٥- 30 مليار دولار، بلا مأوى ما بين 5٠-100 ألف إنسان.

وتفجرت أنابيب الغاز في كل مكان، واندلعت بسبب ذلك النيران في كل مكان، وهرع الناس إلى الشوارع والطرقات بملابسهم فقط خوفًا ورعبًا من سقوط المنازل على رؤوسهم، وانقطعت الكهرباء، وأعلنت مدينة لوس أنجلوس منطقة كوارث. اتصل بي أحد الإخوة الأفاضل من قلب هذه المدينة بعد وقوع الحدث بعدة ساعات يطمئنني على حاله، ويقول لي: «لقد خرجت بعد الحادث من البيت مهللًا ومكبرًا ومسبحًا لعظمة قدرة الله على الخلق، بينما الناس منخرطون بالبكاء، فقلت الحمد لله الذي جعلنا نلجأ إليه عند الشدائد، بينما هم لا يعلمون من يلجؤون إليه».

إن هذا الحادث وما يماثله رسالة للمسلمين في أنحاء العالم من الله تعالى بأنه قادر على أخذ أكبر قوة في العالم في مدة لا تتجاوز دقيقة واحدة أو أقل، بما لا يملكون إيقافه، وحتى توقعه، فقد اعترف العلماء هناك بأنهم لم يستطيعوا التنبأ بوقوعه، بالرغم مما يملكون من التكنولوجيا، ولكنها قدرة الله العظيمة التي عطلت كل شيء والله يذكر المسلمين بهذه الحقيقة عبر آيات كثيرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (فاطر: ٤٤).

وهذه الكوارث التي تحدث في العالم، وخاصة العالم المعادي للإسلام وأهله، رسائل متكررة من الله العظيم تقول للمسلمين بأن الله قادر على الانتصار على أعدائهم لو أنهم نصروه شعوبًا وحكومات وأن ما يملك البشر من الأسلحة والتكنولوجيا تتوقف تمامًا أمام قدرة الله تعالى، فما عساها تفعل الطائرات والصواريخ والقنابل أمام زلزال أو أمام إعصار أو فيضان فهل ندرك مغزى هذه الرسائل من الله تعالى؟؟

 أبو بلال

حصون المؤمنين

بقلم: محمد الجاهوش- الكويت

سأل رجل الحسن البصري: يا أبا سعيد، أينام إبليس؟ فقال: لو نام لوجدنا راحة. اـ هـ.

نعم.. إن إبليس عدو لدود، وقرين مصاحب، لا يفتر، ولا يلهو لا ينسى ولا يسهو، دائم السعي في إضلال المؤمنين وإيرادهم موادر الهلاك عداوته أبدية يعجز أي إنسان- مهما سعى- أن يخفف منها، فضلًا عن أن يعقد هدنة أو صلحًا مع صاحبها، عليه لعنة الله، وإذا ما تم مثل هذا الصلح فمعناه أن الإنسان قد وقع في المصيدة، وأحكم حوله الحصار. وما يدريك ما وراء ذلك!!

ونظرًا لشدة عداوة إبليس واستحكامها، فقد جلاها لنا القرآن بوضوح، وأمرنا أن نتخذه عدوًا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (فاطر: 6).

هذا هو هدف الشيطان إضلال المؤمنين وإغوائهم، ليؤول أمرهم إلى بوار، ويختم لهم بالسوء، ثم تسعر بهم النار فهل ثمة سبيل للنجاة من مكر هذا العدو وإحباط كيده؟

طريق الخلاص

ما كان الله تعالى ليذر المؤمنين إلى إبليس وقبيله إنه تعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم، فقد أرشدهم إلى طريق الخلاص، ودلهم على ما يتحصنون به لرد غوايته وإفساد مكايده وأول هذه الحصون وأمنعها:

معرفة الله عز وجل

إذ إن من عرف ربه خافه واتقاه ووقف عند حدوده واستعان بحوله وقوته في جلب المنافع ودفع المضار، ولاذ بحماه عند الشدائد والملمات ومن هذا شأنه كان إيمانه سياجًا يحميه، وسدًا منيعًا يقيه كل عدو يرومه بسوء.

 قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (يونس:9) فالإيمان سبب الهداية وطريقها الذي لا يضل من سلكه ولا يضيع من تمسك به قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (التغابن: ١١).

ويأتي من وراء حصن الإيمان حصون وقلاع يحفظ اللجوء إليها إيمان المؤمن، ويصد عنه جيوش الأعداء، وأبرز تلك الحصون:

۱- تقوى الله عز وجل

التقوى معلم من معالم صدق الإيمان، وشفافية الوجدان، وهي رمز لسلامة القلب ورغبته فيما عند الله عز وجل، فلا عجب أن تعود على المؤمن بكل خير، وتدفع عنه كل شر وضير وحسبك من التقوى أنها وقاية وحفظ تتكسر دونها سهام الأعداء ونصالهم. وتذكر القلب إذا ما غفل أو نسي. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (الأعراف: ۲۰۱) فأنَّى للشيطان أن يجد السبيل إلى قلوب المتقين؟؟

2- الفقه في دين الله

الفقه في الدين: علامة حب الله تعالى لعبده «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» والفقه من أمنع الحروز وأقواها، ذلك لأن صاحبه قد جمع أدلة الأحكام وفهم دلالاتها وأسرارها، وعرف الحلال والحرام، وأدرك مرامي النصوص والتوجيهات. فهو يهتدي بالأدلة في كل ما يفعل أو يذر.

 ولقد كان الصفوة من فقهائنا يقولون: ما عملت عملًا إلا وأعددت له جوابًا بين يدي ربي- عز وجل- فلئن سألني لم فعلت كذا؟ لأقولن: لقد اتبعت كذا من الكتاب أو السنة.

فهل للشيطان سبيل على من هذه حاله؟ وأنَّى يستطيع الشيطان أن يلبس على من اهتدى بالوحي واقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فلا غرابة أن يكون- بعد ذلك- عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.

3-حسن التوكل على الله

المتوكلون قوم تجردوا من حولهم وقوتهم، فوضوا أمرهم إلى خالقهم واستسلموا إليه بجميع شأنهم زموا أهواءهم بالطاعة فانقادت، وأحكموا الأبواب أمام رغباتهم فاستقامت. سما بهم إيمانهم إلى منازل الأبرار وتدنوا في القرب حتى غدوا من الأحباب ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران: ۹۹).

والمحبوب محفوظ: سبقت له الهداية ولاحظته العناية، دعاؤه مجاب، وسؤله مسموع إذا تقرب شبرًا زيد له في القرب ذراع، وإن أقبل ماشيًا استقبل هرولة.

 فأي سلطان للشيطان على من تحصن بحسن التوكل ورابط خلف أسواره المنيعة؟

﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (النحل: 99)

 ويطول بنا المقام لو ذهبنا نستقصي الحصون الواقية من كيد الشيطان وفتنته فشكر الله- تعالى- في السراء والضراء، والرضا بحلو القضاء ومره والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإخلاص العمل لله وتحري الصدق في القول والعمل، وحمل النفس على آداب الإسلام في منشطها ومكرهها والعيش ضمن حدوده وآدابه، كل هذه حصون واقيات وقلاع منيعات تحفظ المؤمن من إبليس وأعوانه، وتحرسه فلا يصلون إليه.

أدب النفس

ينبغي للمؤمن ألّا يترك أدب النفس في جميع أحواله وليحذر أن يتهاون به فمن ترك أدب النفس أو تهاون به أصابه الخذلان، وطمع فيه الشيطان فلا يزال يعالجه، ويأتيه بكل حيلة حتى يأخذ منه جميع الحصون، ويرده إلى الكفر إن استطاع وذلك منتهى أمل الشيطان ومصدر سعادته. 

فالنفس أمارة بالسوء تنقاد للأهواء، وتجري وراء الشهوات والشبهات، فمن جاراها سامته أوخم المراعي وأوردته موارد الهلاك وأسلمت زمامه للشيطان يجذبه متى شاء، ومن قهرها بالصبر، وحبسها على الطاعة، وارتفع فوق أهوائها نجا وسلم.

يأس الشيطان

منذ ضرب الإسلام بجرانه «أي ثبت واستقر» فإن الشيطان قد يئس أن يعبد في أي أرض استضاءت بنور الإسلام، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما وراء ذلك من محقرات الذنوب، لذلك تراه دائب السعي لتلتبس الأمور على المؤمن ويتهاون فيما يجب المحافظة عليه.. وبذلك لا تضعف مقاومته، ويسهل اختراق بعض حصونه، ومن ثم يسهل الاستيلاء عليها جميعًا. وإذا ما عجز أن يرد المؤمن كافرًا فسعيه لن ينقطع في أن يرده إلى الفسوق والعصيان فإن هو أعياه فلا أقل من يرده إلى أضعف الإيمان وينزله عن مرتبة الكمال.

أقوى الحصون

يعتبر حصن الإيمان والتوكل من أقوى الحصون وأمنعها، فإذا استطاع المؤمن المحافظة عليهما سلمت له جميع الحصون وسد على الشيطان طرقه ومنافذه وأحبط نزغه ووسوسته قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (النحل: 99)

واجب المربين

سيبقى عمل المربين ناقصًا حتى يأخذوا أنفسهم وإخوانهم وطلابهم بآداب النفوس ويحصنوهم بحصون الإيمان علمًا وسلوكًا وأخلاقًا.

 فإنه لا شيء يستميل الأسماع، ويفتح مغاليق القلوب مثل: حسن الأدب، ولباقة العرض، والتلطف في البلاغ، فما أرسل الله تعالى من رسول ولا نبي، إلا كان يمثل القمة السامقة في حسن الأدب وكريم الخلق، وسمو النفس ومتى توافرت هذه المقومات في الداعية، استنار دربه وأحرز قصب السبق، وكان من المفلحين، وإن نقصان حظه منها سبب في ضعف تأثيره أو فشله في دعوته.

﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران: 159) لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من عاملها بالإساءة والجفاء، ولا يصح أن يكون خفض الجناح قاصرًا على من يراد هدايتهم، وتحبيبهم بهذا الدين بل لا بد أن يكون خلقًا شائعًا، وأصلًا ثابتًا في تعامل الإخوة فيما بينهم، لا سيما رجال الصفوف الأولى: صفوف القيادة والتوجيه فكل داعية مخاطب بقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (الشعراء: 215) سدد الله الخطى ووفق الجميع والحمد لله رب العالمين.. 

مشكلات وحلول في حقل الدعوة

المشكلة: ضعف القيادة

التعريف: ضعف إدارة مجموعة بشرية لتحقيق أهداف محددة، أو هي ضعف التأثير على سلوك مجموعة بشرية لتحقيق هدف محدد.

أعراض المشكلة

1- عدم انضباط المجموعة.

2- ضعف الطاعة.

3- التردد والخوف من التوجيه.

4- عدم تحقق الأهداف.

5- المركزية في المجموعة.

٦- التأخير في تحقيق الأهداف.

7- عدم الالتزام بخطة المؤسسة.

8- ترك الصفات السلبية في الأفراد.

9- ضعف التفاعل بأنشطة المؤسسة.

١٠- عدم الاستماع لوجهات النظر الأخرى.

أسباب المشكلة

1- تأثير الأبوين في صياغة الشخصية.

٢- تأثير البيئة المحيطة في صياغة الشخصية.

3- تأثير المدرسة المحيطة في صياغة الشخصية.

4- عدم حب العمل المكلف به.

5- عدم القناعة بالأهداف الموضوعة.

٦- عدم إتقانه للعمل المنوط به كأنه لا يعرف ولا يتقن أي لون من ألوان الرياضة ثم يكلف برئاسة اللجنة الرياضية.

7- اختلافه مع قيادة المؤسسة.

8- انشغاله بتكاليف أخرى.. سواء كانت دعوية أو دنيوية.

9- وجود مشاكل أسرية.

۱۰- ضعف المتابعة.

۱۱- كبت الطاقة التي فيه من قبل مسئولي المؤسسة.

۱۲- عدم وجود حوافز للبارزين في الأنشطة.

۱۳- عدم وجود قيادات سابقة معه أثناء تكليفه بالقيادة.

١٤- تراكم الأخطاء دون الإبلاغ عنها.

١٥- التسرع بالتكليف بالرغم من قلة الخبرة بسبب بروزه في بعض النواحي.

«الحل في العدد القادم»

قطوف تربوية حول قصة الثلاثة والصخرة (٢من ٦)

حمدي شعيب

فاقدو الذاكرة       

أهمية دراسة التاريخ: حينما يلتف رهط من الجيل القرآني الفريد- رضوان الله عليهم- حول الحبيب- صلى الله عليه وسلم- فيقص عليهم تلك القصة الطيبة، فمن الجهل بدورهم ووقتهم بل من العبث أن نظن أنها جاءت للتسلية، وحاشاهم أن يفعلوا ذلك وهم من هم. فحياتهم كانت كلها جهادًا وعملًا، وقائدهم- صلى الله عليه وسلم- يعرفه سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (الأعراف: 176)

 وعندما يبدأ الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم- القصة بقوله: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم»[1] فهو يأتي استجابة لتوجيهاته سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (آل عمران: 137) ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ (غافر: 82) وهي كلها تصب على الاهتمام بفتح ملفات الأمم السابقة، وقراءة التاريخ.

وعلى دربهم كان علينا أن ندرك «أن التاريخ هو مخزن العبر، ومعلم الأمم، فكما أن الفرد يتعلم من أحداث أمسه لغده، فإن الأمة أيضًا تأخذ من ماضيها لحاضرها وتستفيد من صوابها وخطئها معًا، ومن انتصاراتها وهزائمها، والتاريخ إنما هو في الواقع ذاكرة الأمة الحافظة الواعية والأمة التي تهمل تاريخها أشبه بالفرد يفقد ذاكرته، ويعيش ليومه وحده، بلا ماضٍ يعرفه ويبني عليه، إنه إنسان مبتلى مقطوع الجذور يرثى لحاله، وهو أحوج ما يكون إلى العلاج والتاريخ هو المرآة التي تتجلى فيها سنن الله تعالى في الكون عامة، وفي الاجتماع البشرى خاصة، ولهذا عني القرآن عناية بالغة بلفت الأنظار، وتنبيه العقول إلى هذه السنن للانتفاع بها، وتلقى الدروس العملية منها، فهي سنن تتميز بالثبات، فلا تتبدل ولا تتحول، كما قال سبحانه: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر: 43) كما تتميز هذه السنن بالعموم، فهي تنطبق على الناس جميعًا، بغض النظر عن أديانهم، وجنسياتهم، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمنًا لخطئهم في غزوة أحد، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ (آل عمران: 165). على أننا لا نعني بالتاريخ تاريخ المسلمين فحسب، بل تاريخ البشرية حيثما عرف، فالعبرة لا تؤخذ من سير المؤمنين وحدهم، بل تؤخذ من المؤمن والكافر، ومن البر والفاجر لأن الفريقين تجري عليهم سنن الله بالتساوي التي لا تحابي أحدًا. كما أنه ليس المهم لمن يسير في الأرض وينظر في آثار الأمم أن يراها بعين رأسه ويسمع أخبارها بأذنه إنما المهم هنا هو عين القلب وأذنه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج: 46). 

إن أحداث التاريخ تتكرر وتتشابه إلى حد كبير لأن وراءها سننًا ثابتة تحركها وتكيفها. فالغربيون يقولون: التاريخ يعيد نفسه، والعرب يقولون: ما أشبه الليلة بالبارحة والقرآن الكريم أشار الى تشابه المواقف والأقوال والأعمال نتيجة لتشابه الأفكار والتصورات التي تصدر عنها. كما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (البقرة: 118). ومن عرف التاريخ وسنن الله فيه تعلم من أخطاء الآخرين، واقتبس من خيرهم، «فالحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها»[2].

ضوابط قراءة التاريخ

وللمسلم قراءته المميزة للتاريخ، فهو يقرأ التاريخ للعظة والعبرة ومرجعه هو التفسير الإسلامي الفريد المميز لأحداثه، وعندما يبدأ في دراسة التاريخ، فإن دراسته هذه تميزها ضوابط وأسس، فهي يجب أن تعتمد على خطين كبيرين:

 الأول: هو التفسير الإسلامي للتاريخ. الذي يعتبر تاريخ البشرية كله صراعًا بين الإسلام والجاهلية بين منهج الله ومنهج البشر. والإسلام يمتد من آدم عليه السلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها. والتاريخ الإسلامي هو تاريخ من اتبع الهدى ومن كفر.

 الثاني: هو اعتبار وحدة الأرض كلها، ووحدة البشر كلهم بالنسبة لرسالات السماء».[3]

وتلك الدراسة ليست ترفًا أو أمرًا على الخيار، وذلك لأن التفسير الإسلامي للتاريخ ليس نافلة بالنسبة للأمة المسلمة، بل هو من صميم احتياجاتها التي ينبغي أن تسعى لتوفيتها وتحقيقها، وهو بالذات من صميم اهتمامات الصحوة الإسلامية. إذ هو ركيزة من ركائزها التربوية، كما أنه مقوم من المقومات الرئيسية لاسترداد الوعي الإسلامي، واسترداد الشخصية الإسلامية المفقودة في ركام الغزو الفكري الذي غشي الحياة الإسلامية في العصر الحديث والتفسير الإسلامي للتاريخ يقرر أن التاريخ البشري هو تحقيق المشيئة الربانية من خلال الفاعلية المتاحة للإنسان في الأرض بقدر الله، وبحسب سنن معينة يجرى الله بها قدره في الحياة الدنيا، والتاريخ من جهة أخرى هو سعي الإنسان لتحقيق ذاته كلها. لا البحث عن الطعام فحسب، ولا للمتاع والسيطرة فحسب. وهو تاريخ الفرد والجماعة في ذات الوقت ويقسم الأمم مبدئيًّا إلى فريقين رئيسيين: أمم كافرة وأمم مؤمنة بحسب التقسيم الرباني: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (التغابن: 2).

الدور التربوي لدراسة التاريخ

وحاجة الدعاة في مسيرتهم الدعوية المباركة تعتبر ماسة وحيوية لهذه الدراسة التاريخية الإسلامية البصيرة، فهي تعتبر زادًا لهم. كما تعتبر وسيلة تربوية للفرد وللأمة. لأن «دراسة التاريخ بالذات هي من القضايا التربوية المباشرة، إذا وضعنا في اعتبارنا أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث التاريخية، إنما هو إلى جانب ذلك تفسير لتلك الأحداث، وتقويم لها، والتفسير والتقويم يشملان ذات القيم والمبادئ والأفكار التي تقوم عليها التربية وتسعى لتحقيقها».[4] 

والداعية بدراسته لكتاب الله. الذي يعتبره دستورًا لحياته، يستشعر أهمية هذا الدور التربوي لدراسة التاريخ، حيث يدرك «أن الأسس التربوية التي يقوم عليها المنهج القرآني لا تتجاوز الأسس الثلاثة التالية:

 1- المحاكمة العقلية: التي تقوم على تعريف الإنسان بذاته، واختيار الأسلوب الصالح لمدارك الناس، واعتماد المناقشة والحوار.

2- القصص والتاريخ: فالقرآن لا يسوق من القصص التاريخية إلا ما يتعلق بغرض معين، وفى ثناياها يقدم النصائح والعبر.

3-الإثارة الوجدانية: التي تعين على إخضاع النفس لحكمة العقل وتقوم على نسيج متوازن من التصوير والتخييل».[5]

وهن.. واستدراك.. وعوائق

وفي مسيرة الدعوة الحديثة التي تحاول استدراك ما ضاع في عهود الذهول والوهن الحضاري عليها أن تربى أبناءها- الذين سيحملون مشاعل البناء الحضاري للأمة- على ما ربى عليه صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين لم يعزلهم عن ماضي الأمم الغابرة، كما يتضح في هذه القصة، وعلى الدعاة أن يصيخوا السمع لنداء المربين المخلصين، حينما يدعونهم لدراسة التاريخ وللتدبر الواعي في سنن الله وكيفية التعامل معها: «ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد».[6]

وكان الإمام المجدد البنا- رحمه الله- يعطى لأتباعه المخلصين العبرة والدرس ثم الأمل في إمكانية الاستدراك وذلك بإيراده لآيات مطلع «سورة القصص» التي تفتح ملفات نموذج فذ يبين كيفية التغيير الحضاري للأمم بتمكين بنى إسرائيل في الأرض بعد إهلاك فرعون وملئه، وذلك في غير موضع من رسائله المباركة[7].

ولكن قد يعيق مسيرة الاستدراك رهط من ناشئة الدعاة يجهل تاريخه وتاريخ مسيرته المباركة، ويصبح- كما قال د. القرضاوي- كمن ابتلي بفقد ذاكرته، وانقطع عن جذوره فتقاذفته التيارات أو يكون كاللقيط التائه الذي رآه شوقي- رحمه الله- فوصف حيرته:

مثل القوم نسوا تاريخهم

               كلقيط عي في الحي انتسابا

أو كمغلوب على ذاكرة

              يشتكي من صلة الماضي اقتضابا

من فضائل رمضان

للصوم حكم كثيرة وفوائد جمة من الناحيتين الاجتماعية والفردية منها العطف على المساكين، لأن الصائم عندما يجوع يتذكر حاله في جميع الأوقات فيحمله هذا التذكر على الرحمة بالمساكين وهذه هي المشاركة الوجدانية بين المسلمين.

 والرحمة في الإنسان تنشأ عن الألم، والصيام هو الطريق والوسيلة الوحيدة لتربية الرحمة في النفوس، وعندما تتحقق الرحمة بين الغني والفقير يتحقق المنهج الإسلامي في التكافل الاجتماعي الذي رسمه الرسول صلى الله عليه وسلم في أجمل إطار عندما يقول: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له».

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القدوة الحسنة كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. 

ومن أحكام الصوم المساواة بين الأغنياء والفقراء فهو نظام عملي من أقوى وأبدع الأنظمة الاشتراكية الصحيحة. فالصوم جوع وعطش إجباري يفرضه الإسلام ليتساوى الجميع في بواطنهم فقر إجباري يراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية.

فالمشاركة الوجدانية الصحيحة حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون، وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد لا حين يتنازعون بالرغبات المتعددة.

ومن أحكام الصوم إضعاف سلطة العادة فقد بلغ ببعض الأفراد سلطان العادات إلى حد الاستعباد فلو تأخر عنهم الطعام عن موعده فأصابهم الجوع لساءت أخلاقهم، وقد يكون سلطان المكيفات من قهوة وشاي وتدخين أشد من سلطان الطعام.

هؤلاء يعتبرون عبيدًا للعادات والتقاليد فإذا اضطروا إلى تغيير نظام حياتهم كما يحدث في أيام الحروب لم يستطيعوا التغيير والصمود أمام تبعات الحروب التي تفرض عليهم.

ومن فوائد الصوم تقوية الإرادة فقد وضع العالم الألماني «جیهاردت» كتابه في تقوية الإرادة جعل أساسه الصوم وقال إن الصوم هو الوسيلة الفعالة لتحقيق سلطان الروح على الجسد فيعيش الإنسان مالكًا زمام نفسه لا أسيرًا لميوله المادية.

 والصوم علاج ناجع لكثير من الأمراض النفسية والاجتماعية إلى جانب الفوائد الصحية، فقد وصلت آخر الأبحاث العلمية في أمريكا أن أجهزة الهضم في جسم الإنسان تحتاج إلى إجازة سنوية لمدة ثلاثين يومًا. 

ولقد سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأبحاث بقوله الكريم: «صوموا تصحوا».

  محمد أبو سيدو- الكويت

[1] متفق عليه.

[2] الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف: د. القرضاوي ١٠٤٠١٠٠ بتصرف.

[3] المسيرة الإسلامية للتاريخ: منير الغضبان ۱۰۸ بتصرف.

[4] حول التفسير الإسلامي للتاريخ: محمد قطب ٦-١٩ بتصرف.

[5] منهج تربوي فريد في القرآن: د محمد سعيد البوطي ١٧ - ٦٥ بتصرف.

[6] مجموعة الرسائل- المؤتمر الخامس: البنا ۱۲۷

[7] مجموعة الرسائل- رسالة دعوتنا: باب إلى العلاج 27-30، ورسالة إلى أي شيء ندعو الناس باب قصة أمة تتكون 54-56.

الرابط المختصر :