; زوجه المجاهد جوده شعبان «الحاجة زينب حسنين».. شاهدة على مذابح عبد الناصر | مجلة المجتمع

العنوان زوجه المجاهد جوده شعبان «الحاجة زينب حسنين».. شاهدة على مذابح عبد الناصر

الكاتب مريم السيد هنداوي

تاريخ النشر السبت 19-يناير-2008

مشاهدات 45

نشر في العدد 1785

نشر في الصفحة 43

السبت 19-يناير-2008

  • ولدت في حي الحلمية الجديدة عام 1933م وكانت شاهدة على أحداثه الجسام.. وتعرضت للتعذيب على أيدي جلادي عبد الناصر

  • اعتقلوها وهي فترة «النفاس» بعد ولادتها لابنها ب «40 يوما».. وزجو بها وبرضيعها في سجن القناطر 

  • كانت زيارتها لزوجها نقطة البدء في مذبحة«طرة» الشهيرة

  • زاد من حبها واندفاعها للعمل الدعوي انضمام أم زوجها لجماعة الإخوان.. فكانتا تعملان بهمة ونشاط وسط الأخوات

  • لم يمنعها غياب الزوج في السجن عن العمل الدعوي.. لم تهتز ولم تتزعزع رغم أن المباحث العامة كانت ترصد تحركاتها

إن الإنسان يولد في هذه الدنيا بغير إرادته، ثم يعيش فيها طفلا، ثم صبيا، ثم رجلا، ثم شيخا، ويعمل في حياته هذه كل الأفعال من خير أو شر، ثم يموت. فما مغزى هذه الحياة؟ وما معناها؟ وما الهدف منها؟

إن الله قد خلق هذا الخلق جميعا لعبادته فنحن جميعا مؤمنون بأن هناك إلها خالقا عظيما، خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق هذه المخلوقات جميعا منذ آدم وحتى نهاية العالم لتسبحه وتعبده.

ولقد قال - سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقتُ ٱلجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ﴾(الذاريات:56) وفي آية أخرى قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبعُ وَٱلأَرضُ وَمَن فِيهِن وَإِن مِّن شىءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفقَهُونَ تَسبِيحَهُم إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورا﴾(الإسراء:44)، إذن نحن لم نخلق عبثًا لنأكل ونشرب وتلهو ثم نموت وينتهي الأمر كلا، إن رسالتنا أن نعبد الله الذي خلقنا ووهب لنا هذه الحياة، ووهب لنا هذه الحواس من بصر وسمع وشم وسخر لنا كل هذا العالم بكل خيراته ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلتمُوه وَإِن تَعُدُّواْ نِعمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحصُوهَا إِنَّ ٱلإِنسَٰنَ لَظَلُوم كَفَّار﴾(إبراهيم:34) وإن من أعظم النعم جميعًا نعمة العقل التي ميز الله بها الإنسان عن باقي المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلنَٰهُم فِي ٱۡلبَرِّ وَٱلبَحرِ وَرَزَقنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلنَٰهُم عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّن خَلَقنَا تَفضِيلا﴾(الإسراء:70).

ولقد أدرك الإخوان المسلمون هذه المعاني، فربوا رجالهم ونساءهم عليها فكانوا نماذج يحتذى بها في الأخلاق ومعاني الإنسانية والصبر والصمود والتضحية من أجل الدعوة. 

وكانت زينب السيد حسانين إحدى الذين سطروا هذه المعاني في صحائف التاريخ بمداد من نور. 

من الميلاد إلى طريق الدعوة في حي الحلمية الجديدة، والتي شهدت أرضه تمركز دعوة الإخوان المسلمين - حيث كان مقر المركز العام للإخوان - كما أنه الحي الذي شهد أحداثًا جسامًا حدثت لدعوة الإخوان المسلمين مثل صدور قرار حل الجماعة، وفي هذا المكان خرجت جنودًا عرفوا معنى الرجولة وأبلوا بلاء حسنًا في فلسطين عام ١٩٤٨م، كما أنه الحي الذي شهد هجوم عصابة جمال عبد الناصر عام ١٩٥٤م على المركز العام، وقاموا بحرقه بما يحوي بين دفتيه من مصاحف ومخطوطات وكتب نادرة.

في هذا الحي ولدت هذه الزهرة التي كانت شاهدة على أحداث ذلك العصر وما جاء بعده، كما أنها كانت ضمن الذين ذاقوا التعذيب على أيدي جلادي عبد الناصر.

ففي أكتوبر ۱۹۳۳م ولدت زينب حسانين لأب متوسط الحال، فكان يعمل في صيدلية، وكان لها ثلاث من الأخوات أكبرهن كان اسمها «السيدة»، وكانت هي أوسطهن، والصغرى كانت نفيسة.. وقد اعتنى الأب بتربية بناته تربية إسلامية فأكرمهن واعتنى بهن طمعًا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عال ثلاث جوار فأدبهن ورحمهن وأحسن إليهن كن له سترًا من النار»، كما أنه حرص على تعليمهن القرآن، ومع هذا الحرص الشديد لم تنل الحاجة زينب قسطًا من التعليم بسبب وضع المرأة في هذا الزمن، وقلة تعليمهن بسبب العرف السائد، وسوء الحالة الاقتصادية التي خلفها المحتل الإنجليزي، غير أنها أجادت القراءة والكتابة[1]

أصول عائلتها:

ترجع أصول عائلتها لقرية «الصنافين». والتي تتبع مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، وهي نفس البلدة التي ولد فيها زوجها الأستاذ جودة محمود شعبان والذي «ولد في ١٩٢٦/٤/١٤م»، وكان وحيد والديه وحصل على الابتدائية، لكنه ترك التعليم وعمل مع والده في محل البقالة الذي كان يمتلكه ضاقت به سبل العيش في قريته فخرج إلى القاهرة عام ١٩٤٥م بحثًا عن عمل، فنزل شبرا الخيمة، حتى وفقه الله للعمل في مصنع صباغة وتجهيز «بشبرا الخيمة» تعرف على دعوة الإخوان المسلمين عام ١٩٤٨م على يد المهندس صلاح العطار وكان أحد الإخوان الذين تم تعيينهم في المصنع مهندسًا. 

وفي أثناء فترة الأستاذ الهضيبي دعي للاشتراك في النظام الخاص، غير أنه لم يحدث بسبب تدافع الأحداث، وبعد حادث المنشية نشط مع إخوانه في رعاية أسر المعتقلين وتمويلهم حتى تم اعتقاله في مارس ١٩٥٥م وزج به في غياهب السجون وحكم عليه بعشر سنوات أشغال شاقة قضاها كلها حتى خرج في مارس ١٩٦٥م. وكان أحد شهود العيان على مذبحة طرة والتي حدثت في أول يونيو ١٩٥٧م على يد زبانية عبد الناصر ضد الإخوان العزل في سجن طرة، وبعد خروجه لم يقض فترة كبيرة في الخارج فاعتقل في أغسطس ١٩٦٥م، وقدم للمحاكمة في قضية تنظيم السجون، ولم يخرج من السجن إلا في أغسطس ۱۹۷۱م، وفي هذه الفترة لم يلن ولم تخط يده تأييدًا لعبد الناصر، بل كان مثالًا للمسلم الصابر الذي اشترى آخرته بدنياه، وانتقل من سجن القلعة إلى سجن أبي زعبل، ثم مزرعة طرة[2].

في عام ١٩٥٠م تعرف الأستاذ جودة عليها عن طريق ابنة عمه وسرعان ما تم الزفاف، وأنجب منها «نادية» في يونيو ١٩٥١م. ثم «علية» في أغسطس ١٩٥٥م، ثم «ياسر» عام ١٩٦٥م، ثم «عمرو» عام ١٩٧٤م وقد اجتهدا في تربية أولادهما على نهج كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم.

وبعد زواجها تعرفت على دعوة الإخوان عن طريق زوجها، فنشطت وسط أخواتها بشبرا، وبرز دورها ونشاطها مع الحاجة أم أحمد «فاطمة عبيد» والتي تحدثنا عنها من قبل، وزاد من حبها واندفاعها للعمل انضمام أم زوجها الحاجة «عالية السيد حسن» لدعوة الإخوان، فكانتا تعملان بهمة ونشاط وسط الأخوات.

الزوجة والأم في وجه المحن

منذ أن انضمت الزوجة وأم الزوج إلى دعوة الإخوان وهما قد حملا على عاتقهما العمل وسط المجتمع النسائي، ولم يقتصر دورهما على ذلك، بل قامتا على رعاية الأرامل والأسر اليتيمة التي فقدت عائلها وعندما حدثت حادثة المنشية سارعتا بوضع كل إمكانياتهما تحت تصرف السيدة الفاضلة أم أحمد، كما وضع الزوج نفسه أيضًا تحت تصرف الدعوة، وأخذوا يجوبون شبرا الخيمة يبحثون عن الأسر التي غاب عائلها لرعايتها وتفقد أحوالها وإمدادها بما يعينها على نوائب الحياة، خاصة أن عبد الناصر قد أمر بقطع رواتبهم، لكن سرعان ما اكتشف عبد الناصر هذا التنظيم والذي سمي بـ «تنظيم التمويل» وقبض على زوجها في مارس ١٩٥٥م، ونال من التعذيب الكثير حتى إنه كان أحد الذين شهدوا مذبحة طرة عام ١٩٥٧م، بل أصبح أحد الناجين من رصاصات الغدر التي أزهقت أرواح الكثيرين من الإخوان، ومع هذه الأخبار التي يشيب لهولها الولدان كانت الزوجة والأم نعم الصابرتان، فنشطتا بالرغم من ذلك في رعاية الأسر، واستمرت قافلة العطاء حتى خرج كثير من الإخوان الذين لم يأخذوا أحكامًا أواخر عام ١٩٥٦م. فشاركوهما العمل ورعاية الأسر.

كانت الزوجة صابرة فقامت برعاية أولادها وتربيتهم، وكانت تنفق عليهم من أموال أهلها خاصة بعد أن قطع عنها مرتب زوجها، وظلت ترعى بيتها ودعوتها مدة عشر سنوات، وهي المدة التي قضاها زوجها خلف القضبان.

كانت الحاجة زينب حسانين إحدى اللائي حدثت مذبحة طرة أثناء زيارتهن يقول الأستاذ جودة: «وقبل يوم المذبحة جاءت زيارة لمجموعة إخوان شبرا، وكانت من أكبر الزيارات، وكنت واحدًا من المطلوبين للزيارة، وقد جاء أهالينا ببعض الطعام - وكان أهلي معهم، وكان من ضمن الذين أخذوا طعامًا الأخ عبد الغفار السيد، وفجأة ظهر الضابط عبدالله ماهر ودفع الأخ فأوقعه في صورة مستفزة، ولم يقتصر على ذلك بل قام بضرب أم أحد الإخوان، ثم أنهى الزيارة، وسارع إلى الإدارة وقال: إن الإخوان اعتدوا عليه، وكأن الأمر مبيت، فانتفضت الإدارة لتنفذ ما اتفق عليه مع السادة من قبل، وجاءوا وقالوا: من أخذ شيئًا فليقف على جانب فخرجت ومعي بعض الإخوة فأمر بأخذنا إلى عنبر التأديب، وساقوا أهلنا إلى قسم المعادي مرفقًا معهم مذكرة يقولون فيها: إنهم أدخلوا ممنوعات للسجن غير أن النيابة أفرجت عنهم»، ويقول عنها الأستاذ جابر رزق: «لقد أقيمت المذبحة في أول يونيو ١٩٥٧م لمائة وثمانين من الإخوان المسلمين هم الذين بقوا في سجن ليمان طرة بعد ترحيل إخوانهم إلى سجن المحاريق وبني سويف وأسيوط وغيرها من السجون»[3].

وسط الجحيم

لم يمنعها غياب الزوج عن العمل الدعوي فقد قامت بما كلفتها به الحاجة أم أحمد من أعمال، وبالرغم من أن المباحث العامة كانت ترصد تحركاتها إلا إنها لم تهتز ولم تتزعزع. 

لقد جن جنون عبد الناصر عندما علم أن للإخوان تنظيمًا؛ فقد كان يظن أنه قضى على كل الإخوان حتى إنه أصبح يصرخ في وجوه المخابرات صرخات محمومة جنونية: «كيف يسرقون مني جيل الثورة، قباني بائع قطن -يقصد الشهيد عبد الفتاح إسماعيل- وامرأة -يعني زينب الغزالي؟!»، واضطرب كيانه وساءت صحته، وخارت قواه العقلية والعصبية مما اضطره أن يذهب إلى روسيا حيث الحمامات الساخنة والجلسات الكهربائية، وبعد أن أمسك بأنفاسه في روسيا أعلن من فوق قبر لينين: «لقد اكتشفنا مؤامرة للإخوان المسلمين، ولئن عفونا المرة الأولى، فلن نعفو المرة الثانية». وأعطيت الأوامر المشددة فكان التعذيب الرهيب الذي استمر قرابة عام أثناء التحقيق[4].

اعتقال الجميع

لم يترك عبد الناصر أحدًا من الإخوان سواء الرجال والنساء فأصدر قراره باعتقال كل الإخوان وكل من سبق اعتقاله فأخذت سيارات المباحث العسكرية والمباحث العامة تلهب الطرق بعجلاتها للقبض على الإخوة والأخوات فنالت شبرا نصيبًا كبيرًا من الاعتقالات، وكانت السيدة زينب السيد حسانين «الزوجة» والسيدة عالية السيد حسن «والدة الأستاذ جودة شعبان» من بين المعتقلات، واعتقلت الأم لأن أحد الضباط حضر لاعتقال زوجة ابنها «جودة» بعد اعتقاله في أغسطس ١٩٦٥م، وناقشته عن سبب اعتقال السيدة «زينب السيد حسن» زوجة ابنها وهي أم لأولاد صغار «نادية» ١٤ سنة علية ١١ سنة فضلًا عن رضيع عمره أربعين يومًا«ياسر جودة شعبان» فما كان منه إلا أن اعتقلها هي أيضًا، وبهذا صار المعتقلون من عائلة المجاهد جودة شعبان أربعة هم: جودة شعبان «٣٥» سنة - العباسية»، والدته عالية السيد حسن «٦٥سنة»  وقت الاعتقال، لكنها خرجت بعد شهرين بسبب مرضها وتوفيت عام «۱۹۸۱م».

وزوجته زينب السيد حسانين «٣٥سنة»  وطفله الرضيع ياسر «40يومًا» ، وتم القبض على السيدتين في الثانية بعد منتصف الليل بصورة مفزعة ومرعبة، وكانت زينب حسانين لا تزال في فترة النفاس بعد الولادة، وتم اقتيادهما إلى قسم السيدة زينب حيث تم ترحيلهما بعد ذلك إلى معتقل النساء في سجن النساء بالقناطر.

ليلة القبض عليها

وتحكي السيدة زينب السيد حسانين عن ليلة القبض عليها فتقول: «في عام ١٩٥٤م قبض على زوجي جودة شعبان، وحاكموه محاكمة ظالمة وحكموا عليه بالسجن 10 سنوات أشغالًا شاقة، ويومها كان عندي «نادية» وعمرها 3 سنوات، وكنت حاملًا في ثلاثة شهور، وبعدها بستة أشهر وضعت مولودتي الثانية «علية» في عام ١٩٥٥م. وجاءت حماتي وأقامت معنا للمعاونة في رعاية الطفلتين، ويعلم الله كم قاسينا وعانينا في تلك الفترة بعد أن أوقفوا صرف راتبه بعد سجنه، ولم يتركوا لنا موردًا نعيش منه.. لكن الله - عز وجل - كفانا وآوانا وأطعمنا وسقانا بحوله وقوته.. وعشنا هذه السنوات العشر على أمل اللقاء مع الزوج بعد الصبر الطويل والمعاناة والجري وراءه في السجون.. الحربي - ليمان طرة - سجن الواحات - سجن المحاريق - سجن القناطر... وكنا نعيش الأخبار بمرها وعلقمها ومعاناتها، وطال الصبر وخرج الزوج وسعدنا به أيامًا قلائل.. وفجأة وبعد عدة شهور قبضوا عليه في منتصف الليل بصورة لا تقل بشاعة ولا فظاعة عما كان في عام ١٩٥٤م، دون سبب ودون جريمة إلا أن يقول: ربي الله.. فأيقنت أن لا راحة في الدنيا لمن يسير في هذه الطريق، وأن الثبات على هذا المبدأ ليس مجرد كلمة تقال، أو حتى عزيمة يعزمها ويصر عليها صاحبها.. ولكن الثبات معاناة وألم، وفراق، وقسوة، ومشقة.. ولكنا كنا قد تعودنا وتعلمنا الرضا بقضاء الله.. وأيقنا أن المطلوب ليس مجرد الرضا فقط، ولكن المطلوب دوام الرضا.. واستمرار الرضا.. بل والاستعداد بسلاح الرضا، في مواجهة المزيد من الإرهاب والضغط والتنكيل..

أحلك المواقف

ولا ينفع مع هذا الموقف سوى اليقين بأن الله يرى.. ويطلع ويشاهد ويعلم... بل واليقين بقوله - عز وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ﴾(الحديد: ٤) هذا اليقين الذي نبه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيبه أبا بكر في أحلك المواقف في الغار بقوله: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» ونزل في هذا الموقف قوله - عز وجل: ﴿لَا تَحزن إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾( التوبة: ٤٠ ).

نعم.. الله.. ثم الله.. ثم دع الوجود وما حوى.

ففي مواجهة هؤلاء الطغاة فقد تفقد كل شيء، ولكنك لا تفقد الله أبدًا.. وما وجد من فقد الله.. وما فقد من وجد الله.

وبكيت أنا وأمه ليلة القبض عليه في المرة الثانية ما لم نبك من قبل وبكت الطفلتان «نادية» «١٥» سنة، «علية »«١٠» سنوات هلعًا ورعبًا من فزع منظر القبض على الوالد الحنون العطوف.. الذي لم تشبعا من حنانه وعاطفته وأحضانه بعد.. فهما لم يتذوقا عاطفة الأبوة سوى أشهر قليلة بعد حرمان طويل.. ولم نفهم شيئًا عن أسرار تلك الأحداث ولا سبب القبض عليه، أقصد السبب المادي، لكن السبب الحقيقي هو ما جاء في سورة البروج: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنهُم إِلَّآ أَن يُؤمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلعَزِيزِ ٱلحَمِيدِ﴾ (البروج:8).. لم نكن نعلم أن الأقدار تخبئ لنا مزيدًا من الامتحان والابتلاء.. فأنت كلما نجحت في امتحان «الابتلاء».. ترقيت في سلم الشهادات الإيمانية.. جاء الامتحان من الأعلى والأصعب.. نسأل الله أن يكون هذا ترقية عنده - سبحانه - ورفعة في الدرجات ومحوًا للذنوب والخطايا...

قبضوا على زوجي بعد ولادتي ولدي «ياسر» الذي فرحنا به فرحًا غامرًا.. وما كادت عينا زوجي تكتحلان برؤية ولده الذي جاء بعد طول انتظار حتى تم القبض على زوجي، فرضينا بقضاء الله وقدره، حتى جاءت ليلة ليلاء.. وفي منتصف الليل وجدنا الباب يقرع بشدة ويكاد يتحطم من شدة وغلظة من يقرعه.. ودار هذا الحوار معهم:

  • من بالباب؟! 

  • افتحي وإلا سأكسر الباب.. إحنا الحكومة. 

  • لقد قبضتم على زوجي.. فماذا تريدون؟! 

وارتديت ملابسي وحجابي وفتحت الباب ووقفت أنا وحماتي مشدوهتين مذهولتين. ورأينا مخبرين.. طوالًا..عراضًا معهم ضابط.

  • عايزين إيه؟!

  • عايزين نقبض عليك أنت!!

  • لماذا؟!

  • لا داعي لكثرة الكلام...

مطلوب القبض عليك.. إحنا بنفذ الأوامر. 

وهنا تدخلت حماتي التي تقيم معنا «والدة الأستاذ جودة شعبان» 

  • وهي عملت إيه.. ما أنتم أخذتم زوجها تاني... إيه الظلم ده!! هي معها أولاد صغار كيف تتركهم؟!

  • الضابط وأنت كمان مقبوض عليك البسي ملابسك فورًا بدل البهدلة.

  • فقلت لهم في «ثبات» عندي بنتان صغيرتان نائمتان داخل البيت.. وأمي تسكن قريبًا منا.. تسمحوا لي أوصل البنتين إلى جدتهم؟

  • الضابط لا اتركيهم هنا للصباح... إحنا سنأخذ كلمتين وبس في القسم.. ما فيش مناقشة.

وقمت بتغطية البنتين في فراشهما وقلت لهما: في الصباح تذهبان إلى جدتكما وتخبرانها بما حدث.. والبنات تنظر في ذهول من هول ما تريان.. ولكني استدركت أن معي ياسر ابني.. 

  • فقلت لهم: لا يمكن أن أترك الطفل الرضيع وعمره أربعون يومًا فقط وحده.. 

  • ففكر الضابط مليًا.. ثم أجاب: أحضريه معك إلى قسم السيدة...

تعذيب رهيب

فذهبت أنا وابني الرضيع الحديث الولادة «ياسر» ومعي حماتي وركبنا معهم عربة الترحيلات التي لا تليق بالأدميين وذهبنا إلى قسم السيدة زينب.. وهناك في «تخشيبة» قسم السيدة وجدنا الأخت الحاجة «أمينة الجوهري» حرم الأستاذ محمود الجوهري أمين عام قسم الأخوات المسلمات قبل عام ١٩٥٤م».. ثم دخل علينا في التخشيبة «الحجز» أربعون شابًا وشيخًا من الإخوان المسلمين.. وبعد قليل تم ترحيلنا في الفجر إلى معتقل القلعة حيث التعذيب الرهيب.. ومررت أنا ورضيعي وحماتي على مشاهد التعذيب البشعة.. ثم وضعونا ومعنا الأخت أمينة في زنزانة مظلمة، ومن فضل الله أن الطفل الرضيع كان نائمًا طوال الوقت وقالت لهم الأخت أمينة إنها مصابة بذبحة صدرية.. ولكنهم لم يعيروها أي انتباه.. فالأرواح عندهم - آنذاك - لا وزن لها، وبعد وقت قليل أخذونا ثانية نحن النساء ومعنا الرضيع في عربة لوري ظلت تمر على كل أقسام الشرطة بالقاهرة لتجميع المعتقلات من النساء فجمعوا عددًا ضخمًا طوال النهار وجزءًا من الليل، ونحن قابعون في العربة.. ولا تسألني هل أكلتم شيئًا أو شربتم شيئًا؟ أو ماذا فعل الرضيع وتنهدت وقالت: حسبنا الله ونعم الوكيل.. حتى صار الوصول إلى سجن النساء أملًا كبيرًا لنا[5] وقضت في السجن مع رضيعها ستة أشهر حتى أفرج عنها، وظلت تنتظر زوجها حتى أفرج عنه في أغسطس ۱۹۷۱م.

ما بعد المحنة

سعى زوجها بعد خروجه للعودة إلى عمله، وتحمل مع زوجته الصعاب ومواجهة الحياة حتى فتح الله عليهم من فضله، وعمل في مجموعة مصانع الشريف، وظل بها حتى بلوغه سن المعاش.

ونشط في العمل الدعوى مع إخوانه وقام بمشاركتهم في تنظيم الأسر والكتائب منذ عام ١٩٨٦م، واعتبروه مسؤولًا عن منطقة عين شمس، وما زال حتى الآن نهرًا من العطاء وسط شباب الدعوة رغم كبر سنه، وظل هو وزوجته متمسكين بدعوة الله حتى هذه اللحظات التي يحيونها وهم لا يضنون على دعوتهم بشيء ولا على إخوانهم..

[1](۲-۱) حوار أجراه الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الأستاذ جودة شعبان يوم ٢٠٠٧/١١/٧م.

[2](۲-۱) حوار أجراه الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الأستاذ جودة شعبان يوم ٢٠٠٧/١١/٧م.

[3]جابر رزق مذبحة الإخوان المسلمين في ليمان طرة دار اللواء للطباعة والنشر.

[4]الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١م. (٤) أحمد رائف سراديب الشيطان الزهراء للإعلام العربي.

[5]محمد الصروي: الإخوان المسلمون في سجون مصر دار التوزيع والنشر الإسلامية، ١٤٣٧ هـ - ٢٠٠٦م.

الرابط المختصر :