; زيارة بن علي إلى فرنسا.. منطق الدولة يعطي الاعتبار الأول للمصالح المشتركة | مجلة المجتمع

العنوان زيارة بن علي إلى فرنسا.. منطق الدولة يعطي الاعتبار الأول للمصالح المشتركة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

مشاهدات 84

نشر في العدد 1274

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

زيارة رئيس دولة مجاورة للجزائر إلى فرنسا لا يمكن أن تكون حدثًا عابرًا فالاهتمام، بل الانشغال الفرنسي بالتطورات في الجزائر نجم عنه قلق كبير لدى الإدارة الفرنسية بسبب تخوفها على مصالحها في المنطقة المغاربية بالنظر إلى تزايد المنافسة الأمريكية للحضور الفرنسي في المنطقة.

من هذا المنطلق فإن زيارة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الأخيرة يومي ۲۰-۲۱/ ۱۰ إلى باريس اكتست طابعًا خاصًا باعتبار الوضع الذي تحتله تونس على المستوى الإقليمي وباعتبار التجربة السياسية الخاصة التي يعيشها هذا البلد منذ وصول بن علي منذ عشر سنوات إلى الحكم.

الزيارة تأجلت مرات عديدة آخرها بسبب حل البرلمان الفرنسي وتنظيم انتخابات تشريعية فاز فيها اليساريون الاشتراكيون وحلفاؤهم بنصيب الأسد، وقد أولى المسؤولون الفرنسيون من اليمين واليسار، اهتمامًا بهذه الزيارة لأسباب استراتيجية تتعلق أساسًا بالوضع الجزائري الذي يأتي على سلم الأولويات بالنسبة للإدارة الفرنسية.

وبحكم الجوار، فإن تونس، هذا البلد المغاربي الصغير (9 ملايين نسمة) بات يشكل ورقة استراتيجية في المنطقة. فكل ما يخدم المصالح الفرنسية يوظف في هذا الاتجاه، وعليه فإن مقومات التجربة السياسية التونسية الحالية تم تفكيك عناصرها والتركيز على العناصر المتماشية مع التصورات الفرنسية مثل علمانية التعليم وما يسمى بمحاربة الأصولية، وتحرير المرأة المزعوم والشراكة الاقتصادية مع أوروبا والجذور الفينيقية والقرطاجنية، والتسامح الديني إشارة إلى فتح المجال أمام اليهود وغيرهم، وغيرها من العناصر المساعدة على حضور المؤثرات الثقافية الغربية، أي بمعنى الإدماج بهدف تغريب العقليات لا بمعنى الحوار الحضاري القائم على التكامل والتنافس المعقول.

 في هذا الإطار، تتنزل عبارات المجاملة والمدح إلى حد الإطراء للتجربة السياسية التي يطبقها النظام التونسي منذ عشر سنوات على لسان الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس وزرائه الاشتراكي ليونال جوسبان، وكان الرئيس الفرنسي قد وصف هذه التجربة خلال زيارته الرسمية إلى تونس عام ١٩٩٥ م بالمعجزة، في الوقت الذي كان الإسلاميون يعيشون المحنة. 

فالهاجس الجزائري ممثلًا في تخوف صانعي القرار في الغرب من احتمال صعود الحركة الإسلامية إلى السلطة التقى التوجه التونسي، وهذا الالتقاء الموضوعي في الأهداف والاستراتيجية نتج عنه التقاء في المصالح المشتركة من هنا يتأتى إبراز ملف الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي، علمًا بأن تونس هي أول بلد في حوض البحر المتوسط توقع عقد شراكة مع المجموعة الأوروبية منذ ١٩٩٥م من أجل الوصول بعد مدة انتقالية تدوم ١٢ سنة إلى التبادل الحر بين الطرفين.

 المختصون في المجال الاقتصادي يؤكدون على التداعيات السلبية على الاقتصاد والمجتمع التونسي لمثل هذه الاتفاقية، ذلك أن تونس مازالت تنتمي إلى ما يسمى بالبلدان النامية والانفتاح نهائيًا عام ۲۰۰۸ على السوق الأوروبية سيدخل البلاد في وضع اقتصادي حساس، ذلك أن التهيئة للدخول في هذه الشراكة الفعلية لم تصل إلى تحقيقها بعد حتى بعض الدول الأوروبية نفسها. فكيف ببلدان نامية، الأمر الذي يتطلب القفز على الواقع الاقتصادي والاجتماعي ولي ذراع الشركات الصغرى المتوسطية وإعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية وخوصصة ٩٠ شركة عمومية من أجل أن يصل الاقتصاد التونسي إلى المستوى المطلوب من الدوائر الغربية والنتيجة أن ترتفع نسبة البطالة التي تقدر اليوم بحوالي ٢٣% وما يترتب على ذلك من مشاكل اجتماعية معروفة.

 في ظل هذه التوجهات، فإن الزيارة قد وضعت مقتضيات المصالح المشتركة فوق كل اعتبار، فيقدر حاجة الفرنسيين إلى تونس لإحداث توازن ضروري في المنطقة المغاربية إزاء الهزات التي تعيشها الجزائر، بقدر ما يحتاج النظام التونسي إلى سند في سياسة الحل الأمني التي انتهجها منذ بداية التسعينيات والتي تجاوزت المعارضة الإسلامية إلى المعارضة العلمانية بمختلف تياراتها وإلى أهم المنظمات العاملة في المجالين النقابي والحقوقي ضمن المجتمع المدني.

ولعل موضوع حقوق الإنسان في تونس هو الوجه الآخر الذي أثارته زيارة بن علي إلى فرنسا رغم حرص السلطات التونسية على طي هذا الملف الحساس، وقد تصدت المنظمات الحقوقية الكبرى مثل منظمة العفو الدولية والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان للمسألة وتحركت على كل الأصعدة من أجل إقناع المسؤولين الفرنسيين بعدم التغاضي عن وضع حقوق الإنسان في تونس من ناحيتها أثارت الصحافة الفرنسية الموضوع، وبهذا الاعتبار تكون الزيارة فاشلة على المستوى الإعلامي، لأن الرسالة التي بلغتها وسائل الإعلام الفرنسية أن هناك وجها آخر لتونس البلد السياحي والمنفتح والمتطور اقتصاديًا على الأقل ظاهريًا. 

ومن هنا يمكن القول إن من إيجابيات الزيارة أنها أكدت أنه لا يمكن إقامة تعاون اقتصادي أو شراكة حقيقية بين تونس والاتحاد الأوروبي بدون مراجعته الوضع الحريات وحقوق الإنسان.

 

مع استمرار مسلسل القتل بجوارها

لماذا لا تنتقل عدوى العنف الجزائري إلى تونس؟

بقلم: تيري أو برليه

لما كان التونسيون محصورين بين ليبيا ذات النظام المضطرب والجزائر التي أصبحت منذ أكثر من خمس سنوات بحرًا للدماء ومصدرًا لكل عنف فقد وجدوا أنه لابد لهم من توخي الحكمة في التعامل مع حساسية الموقف في كل من الجارتين الشقيقتين، وفي الوقت نفسه العمل على الاستفادة اقتصاديًا من حرية الحركة بين تونس وهذين البلدين طالما كان ذلك ممكنًا، وهذا لا يمنع من أن الشعب التونسي ونظامه ينظران إلى ما يجري في الجزائر بعين الشفقة والأسى. بل يمكن القول إن مسلسل القتل ونحر الأدميين في الجزائر يعد بمثابة ترياق، لأي أخطار ولو بسيطة لأي حالة انتشار العدوى الأصولية.

موقف تونسي حازم:ولا شك أن استخدام النظام التونسي للقوة مع المتطرفين الأصوليين في بداية التسعينيات كان موقفًا حازمًا من جانب السلطة إزاء تلك العناصر، وإذا كانت تونس قد لجأت حينئذ إلى استخدام العنف ضدهم، فذلك لأنها أرادت أن تنزع فتيل القنبلة الأصولية الموقوتة. ولذا لم تعد المعارضة الأصولية هناك سوى ظل لا أكثر ولا أقل.

ونظرًا لأن حزب النهضة يعد شريكًا مسؤولًا في إطار عملية الانفتاح الديمقراطي، فقد ظل موضع الاهتمام الحذر من جانب السلطات وذلك منذ حوادث الشغب ومظاهرات العنف الأولى التي فجرتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر وأخذ النظام يلاحق الأصوليين عام ١٩٩٠ بتأييد ضمني من طبقات الصفوة وقطاع من الرأي العام. وذلك بعد أن قاموا بتدمير المقر الدائم لحزب تجمع الوسط الديمقراطي الذي كان قائمًا على السلطة منذ الاستقلال، وأسفرت هذه الأحداث عن مقتل ثلاثة أشخاص، ومازالت عمليات القمع تمارس بشدة ضد كل من تسول له نفسه القيام بأي نشاط أصولي.

 ويرى المعارضون للنظام أن عملية التصدي للأصوليين استخدمت كذريعة لملاحقة كل المنشقين إذ يقول أحد الضالعين في المعارضة ومما زاد من اضطهاد الأصوليين بشكل كبير هو انتخاب مجلس النواب ذي الاتجاه السياسي الواحد، ومنذ ذلك، رفعت السلطة شعارًا يقول: «خطر أصولي ولابد لنا من مواجهته».

 ومن الطبيعي أن يكون هناك من يرى بأن تذرع السلطة بالتهديد الأصولي مستمر كي تتمكن من تبرير تضييق الخناق على المجتمع، ومن ثم، فإن جميع المتهمين بالتآمر ضد الدولة، وهم أساسًا من الأصوليين، زج بهم إلى السجون خلال السنوات الأخيرة، وهناك أعداد كبيرة من بينهم ما زالوا قيد الاعتقال، ويؤكد السجناء القدامى أنهم لاقوا صنوف العذاب وهناك من لجؤوا إلى أوروبا، وهم من أنصار حزب النهضة وهناك من ماتوا في السجون من آثار التعذيب.

وتشكو عائلات المنفيين من أنهم يعيشون كرهائن في بلادهم، ولما كانت الزوجات والأطفال من هذه الفئة محرومين من الاستحواذ على جواز سفر فيتعذر عليهم اللحاق برب العائلة في الخارج، ويرد رشيد إدريس رئيس لجنة حقوق الإنسان التابعة لرئاسة الجمهورية التونسية قائلًا: إن ثمة مبالغة شديدة في هذه الأقوال حيث يسود تونس الآن جو من الأمن لا مثيل له في أي دولة أخرى

إن النظام يعيش تحت هاجس الانفجارات الاجتماعية، وربما كان ذلك هو السر في أنه غير مستعد للعمل على تخفيف القيود المفروضة على الشعب.

الرابط المختصر :