; سؤال فلسطيني.. مُلحٌّ: الانتفاضة ما هويتها... وماذا بعدها؟ | مجلة المجتمع

العنوان سؤال فلسطيني.. مُلحٌّ: الانتفاضة ما هويتها... وماذا بعدها؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1988

مشاهدات 72

نشر في العدد 851

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 12-يناير-1988

 

فلسطينيو الأرض المحتلة لجأوا للفكر الإسلامي باعتباره الملاذ الوحيد في الملمات الصعبة.

 

تدخل الانتفاضة الجهادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة شهرها الثاني، والشعب الفلسطيني المسلم يؤكد تمسكه بهويته الإسلامية وموقفه الرافض للوجود الصهيوني في فلسطين. ويقدم عشرات الشهداء والمئات من الجرحى والمعتقلين بالرغم من استخدام العدو كافة وسائل القمع، بما فيها استخدام الرصاص وطائرات الهليكوبتر ونزول الدبابات إلى الشوارع لثني المتظاهرين عن مواصلة تهديدهم للأمن الصهيوني. الجديد على هذا الصعيد هو الإضراب التاريخي الذي شهدته مناطق التواجد الفلسطيني في الضفة وغزة أو في الأراضي المحتلة منذ العام 1948، وقد شارك فيه حوالي مليوني فلسطيني. فشلّ حيفا وهز الناصرة ويافا – المتاخمة لتل أبيب – حيث جرت صدامات واسعة.

 

ارتباك صهيوني

وسط هذه الأجواء، يعيش الكيان الصهيوني حالة إرباك حقيقية. فالصحف الصهيونية تكيل الانتقادات للحكومة بسبب موقفها العاجز عن مواجهة الانتفاضة، كما هو حال "حدشوت" التي اتهمت الحكومة بأنها "عمياء" وأدانت إفلاس سياسة القبضة الحديدية. والصحف الأخرى رأت أن "المشكلة سياسية في جوهرها"، فيما اتهم شامير شريكه الحكومي "حزب العمل" بالخضوع لمنطق المتظاهرين الذين دعوا إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة، وهي حدود يعتبر أنها تشكل خطرًا على وجود إسرائيل نفسه.

 

مواقف من الانتفاضة

في المقابل، لا تلقى الانتفاضة من معظم حكومات المنطقة الحد الأدنى من الدعم، في حين تميز الموقف الإسلامي في لبنان بتبنيها ودعمها. وقد واكبتها المقاومة الإسلامية بعملية نوعية اعتُبرت بمثابة هدية للشعب الفلسطيني المجاهد في الأراضي المحتلة. أما النظام المصري، فقد كان من أشد المرتبكين بسبب تصاعد التحرك الجهادي الفلسطيني، وذلك لما يشكله من إصرار كبير على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ووجهت القاهرة انتقادات عدة لإسرائيل على أعمالها القمعية. وما يزيد من المأزق المصري استمرار الانتفاضة، مع ما يعنيه ذلك من توفر الأجواء التي تسمح لمعارضي النظام بالتحرك، وهذا ما بدا واضحًا في تحرك طلاب جامعة عين شمس في القاهرة وإحراقهم العلم الصهيوني. فيما الدول الغربية تشعر بـ"القلق" من جراء تصاعد أعمال العنف، لا سيما واشنطن التي تقف بالمرصاد في مجلس الأمن لأي قرار يدين الكيان الصهيوني على ارتكابه المجازر الوحشية.

 

والبارز في الانتفاضة طابعها المميز عن مختلف التحركات والانتفاضات التي شهدتها الأرض المحتلة منذ عام 1948، فهي تبدو اقتحامية وذات نَفَس طويل وثقة بالمستقبل، مرتكزة على مداميك ثابتة وغير مرتهنة لأي قرار سياسي يصب في إطار معادلات التسوية الاستسلامية. وهي تنطلق بزخم كبير يوحي كأن التحرك الفلسطيني المقاوم في بداية مسيرته الجهادية، غير ملتفت إلى سنوات الإحباط التي حفل بها تاريخ هذا الشعب من جراء مواقف الجهات المتآمرة على مصيره ومستقبله التي خانت دماء عشرات الألوف من الشهداء الذين سقطوا على طريق تحرير فلسطين في مواجهة الكيان الصهيوني.

 

المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني تؤازر شعب فلسطين

وفيما الأنظار مشدودة إلى ما يجري في الأراضي العربية المحتلة من انتفاضة شعبية عارمة ضد الاحتلال الإسرائيلي، يبدو الجنوب اللبناني محط اهتمام لعدة أطراف محلية وإقليمية ودولية. دلل على ذلك حجم التحركات الدبلوماسية في هذا الاتجاه. وإذا كانت حملة التهويل التي انطلقت مؤخرًا محذرة من اجتياح إسرائيلي واسع قد لاقت صدى في أوساط المستسلمين ودعاة استعمال الدبلوماسية مع العدو، فإنها استنفرت المجاهدين الذين ردوا على هذه الشائعات بعمليات بطولية كسرت حاجز الخوف وأسقطت هيبة الاحتلال وكل ما يدعيه من سطوة، فضلًا عن تفريغها أي هجوم محتمل من محتواه الترهيبي. أدت العملية التي نفذتها المقاومة الإسلامية ضد مواقع العدو في الديشة والسويداء والظهرة شرقي النبطية إلى السيطرة على موقع السويداء وتدمير محتوياته، وقتل وجرح 25 جنديًا معاديًا، فيما زعمت إذاعة لحد أن 5 مقاومين قُتلوا وجُرح ثلاثة من جيش لحد. وإزاء هذا الهجوم البطولي، قامت مدفعية العدو الثقيلة ومروحياته الحربية بقصف قرى النبطية مما أوقع 6 شهداء و24 جريحًا من المواطنين. وردت المقاومة الإسلامية بقصف بلدتي جزين ومرجعيون، وأعلنت أن هجومها كان كبيرًا لتحية أشقائنا المناضلين في الأراضي المحتلة، وأن هذه الهجمات ستدعم معنوياتهم وتعطيهم حافزًا للاستمرار. وكان قد سبق هذا الهجوم مجابهة عنيفة في البقاع الغربي بين المقاومة الإسلامية وبين الاحتلال والعملاء إثر عملية للمقاومة ضد الاحتلال في كفر جونة أدت إلى سقوط 14 قتيلًا معاديًا على ما ذكرته المقاومة الإسلامية.

 

وذكرت أوساط سياسية مطلعة أن عرضًا بانسحاب إسرائيلي جزئي من القرى الإسلامية مقابل وقف العمليات ضد الاحتلال جرى رفضه. وتحدثت أوساط أخرى عن وجود مؤشرات تدلل على إمكانية حدوث تراجع من الحزام الجنوبي، لأن النتائج الباهرة لعمليات المقاومة الإسلامية بدأت تعكس قلقًا متزايدًا في الأوساط الصهيونية والأمريكية، مما استدعى التفتيش عن وسائل تكفل إلغاء العمل العسكري ضد الاحتلال.

 

وفي هذا الإطار، نقلت مصادر سياسية واسعة الاطلاع في بيروت تأكيدها أن قضية الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب انتقلت من "براد" الاهتمام الإقليمي والدولي إلى دائرة الاتصالات والمشاورات الإقليمية والدولية البعيدة عن الأضواء. وأن واشنطن تبدو اليوم أقرب إلى الأخذ بالتصور الذي قدمه بعض اللبنانيين في مناسبات ماضية عديدة لجهة طي صفحة الوضع المتفجر في جنوب لبنان، أي تطبيق قرارات الأمم المتحدة والقرار 425 مع بعض الترتيبات التي لم يلحظ بها هذا القرار حينها. وهذا يعني إلغاء الأسباب التي تجعل المقاومة مطلوبة أو محتملة، وهذا كله يتحقق عندما تختفي "إسرائيل" من جنوب لبنان... وإذا كان هذا هو الوضع في الجنوب المتأثر بانتفاضة الأرض المحتلة... فما هي دلالات الانتفاضة الفلسطينية المباركة؟

 

دلالات الانتفاضة

الانتفاضة الحالية تحمل دلالات عديدة أهمها:

 

1-أسست لأرضية جهادية صلبة ستكون قاعدة لتحركات جماهيرية مميزة على الساحة الفلسطينية مستقبلًا.

2-أهمية الموقع الذي يحتله المسلمون الفلسطينيون في الداخل بالنسبة للمشروع الإسلامي العام الهادف إلى اقتلاع السرطان الصهيوني من فلسطين، إذا استطاعت الانتفاضة شل حركة أضخم آلية عسكرية ولو بأساليب بدائية لا تتعدى الحجارة والخناجر، رغم أن العدو الصهيوني قد لا يتردد في بعض الظروف القاسية من ارتكاب مجازر رهيبة ضد أهلنا في الداخل.

3-استنادها إلى عمل داخلي منظم مما يبعدها عن العفوية والفوضوية.

4-جعلت فلسطين في دائرة الاهتمام الأول في المنطقة، وانشد المسلمون من مختلف بقاع العالم الإسلامي نحوها، مما أربك الأنظمة المتصالحة مع الكيان الصهيوني.

5-انحسار موقع المنظمات الفلسطينية الشعارية خصوصًا في الداخل بعد دورها الهامشي في الانتفاضة، ورغم محاولاتها توظيفها في إطار تعزيز مواقعها السياسية.

على أن الهتافات التي تتردد في القدس وباقي أنحاء الضفة وغزة توحي بأن أيديولوجية جديدة تحرك اليائسين من تجارب الثورة الوطنية أو الاشتراكية أو القومية، وغيرها من الأيديولوجيات التي أسقطها حاملوها فاضطر الداخل أن يلجأ إلى الفكر الإسلامي، الملاذ الأخير في الملمات الصعبة والتاريخية.

 

إن الصراع قد عاد إلى أصله بين فكر ديني وفكر ديني آخر، بين المسجد الأقصى ومساجد غزة وبين حائط المبكى. على أن الانتفاضة أنهت المرشحين الجاهزين داخل الأرض المحتلة للتفاوض مع العدو الإسرائيلي بعدما خضعوا في منازلهم ولم يرتفع صوتهم إلا في التحدث مع أصدقائهم من المراسلين الأجانب عن يأس الشعب من الاحتلال، لا سيما الجيل الذي ولد تحت الاحتلال. وهذا يعني أن الانتفاضة ستؤدي بالتأكيد إلى تقويض الكثير من السياسات القائمة على الساحة الفلسطينية وشعاراتها، ليس فقط الخاصة بأولويات الثورة من الداخل أو الخارج، بل ربما بالشعار المركزي الخاص بإقامة الدولة العلمانية الديمقراطية، والذي لا يتلاءم مع شعار "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود".

الرابط المختصر :