; سؤال «ما بعد التنظيمات» وآفات البحث عن المفقود | مجلة المجتمع

العنوان سؤال «ما بعد التنظيمات» وآفات البحث عن المفقود

الكاتب محمد الحمداوي

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2008

مشاهدات 52

نشر في العدد 1805

نشر في الصفحة 36

السبت 07-يونيو-2008

رأي

ثمة مقولات جديدة تسود الخطاب حول الحركة الإسلامية في الآونة الأخيرة، مثل: ما بعد التنظيمات الإسلامية؟ الدعاة الجدد بديل عن الحركات الإسلامية.. الجماعات بدعة حزبية.. وهي مقولات تعبر عن هذه الحركات من وجهات نظر مختلفة، فهذا الداعية يدعونا إلى إلغاء التنظيمات وحلها، لأنها أصبحت تشكل عبئاً على الصحوة الإسلامية وهذا الباحث الذي تجلت له قوة موجة الدعاة الجدد المرتبطة بثلاثية الصورة والخطاب والمال، فيتحول إلى الحديث عن ما بعد التنظيمات، وتلك دعاوى المعادين للحركة الإسلامية في الداخل أو الخارج الذين يحاولون الترويج المقولة استنفاد الإسلام السياسي، لدوره ووظيفته..

وهكذا تتداخل الخطابات ووجهات النظر حول النموذج التنظيمي القائم وإن اختلفت لتعبر عن حقيقة جارية في الصحوة الإسلامية تستوجب الاهتمام والتفكير الجاد، ذلك أننا لا ننكر أن التنظيمات قد عرفت بعض سلبيات الحزبية والانغلاق والجمود، غير أن تقييم وظيفة «التنظيم» بما هو هياكل وأجهزة ونظام وقرارات يجب أن ينبني على رؤية تجعل المشروع ذا أسبقية على التنظيم، وعلى مراجعات مستمرة للهياكل التنظيمية بحسب المتغيرات الأساسية التي يعرفها المحيط.

ولأجل وضع القضية في مكانها الطبيعي، أؤكد منذ البداية أن حالة التأثر والقلق لها دوافع حقيقية ترتبط بحالة المخاض التي تعيشها الصحوة الإسلامية - شكل طبيعي- في مسيرة انتقالها من طور إلى طور، بحيث يصير البحث عن انطلاقة جديدة، مدخلًا لتحميل النموذج التنظيمي القائم كل مظاهر التعثر، فتتنامى نفسية «البحث عن المفقود» و«القفز على الموجود» دون العناية «بتطويره» بالضرورة قطيعة مع ما كان.

والحقيقة أن الاشتغال بالموجود وتطويره في المرحلة الانتقالية يتطلب بالإضافة إلى الفعاليات والكفاءات الشرعية والقيادات التنفيذية والتنظيمية، إشراك العلماء والباحثين المتخصصين في مجال العلوم الاجتماعية، حتى تتكاثف الجهود من نواح مختلفة من أجل الاستجابة لتحديات مرحلة التحول من طور إلى طور التي تحتاج إلى تطوير القدرات العلمية والمنهجية في فهم وتحليل التحولات وتسهم في دراسة العمل الإسلامي من جانب الرؤية المجتمعية، مما سيسهم في ترسيخ فلسفة تطوير الموجود قبل التبشير بالموعود أو المطالبة بالمفقود.

ومن نافلة القول: إن خطاب «ما بعد التنظيمات» ليس جديدا، إذ كان له مثيل في التاريخ القريب للصحوة الإسلامية، حيث كان خطاب الصحوة في بداياته يتبنى مقولة «ما بعد المذاهب» من منطلق أن المذهبية الفقهية تدفع إلى التعصب، والانغلاق، وتفرقة الأمة وتفكيك وحدتها، فكان التبشير بـ«بعثة جديدة» تتجاوز مازق المذهبية، وتؤسس لـ «اللامذهبية» ترتبط مباشرة بالكتاب والسنة اقتداءً واتباعًا غير أن المتأمل يكتشف أن هذا الخطاب قد تحول إلى ضده، فكان مسار البحث عن بديل للمذهبية وقوعًا في مذهبية أخرى لا هي حافظت على وحدة وتماسك المجتمع ولا قدمت حلولًا لسلبيات المذهبية الأولى، بل وصار التعصب وإقصاء الآخر منهجًا، والطعن في عقائد المسلمين والاستعلاء عليهم مسلكًا، وأنتج هذا المذهب الجديد الذي كان يروم تجاوز المذهبية في الأصل مقولات من قبيل: «نحن الحق والآخرون الباطل» ونحن الفرقة الناجية.

والحقيقة أن ما بعد التنظيم مقولة تنتهي بالضرورة إلى ظهور تنظيم جديد -حتى وإن لم يكن في شكله الهيكلي المعتاد - كنتيجة الركوب موجة تحطيم النماذج التنظيمية القائمة بدعوى «تصلبها» أو «تعصبها» على الرغم من أنه كان ينبغي الانتباه إلى أن التعصب يرتبط بالفكرة والاختيار حتى وإن لم يعكس قالبًا تنظيميًا واضحًا، وهو ما يدفعنا إلى القول: إن التعصب للفكرة والاعتقاد بصوابيتها المطلقة، أخطر على مجتمعاتنا من التنظيم الذي يبدو مغلقا في الظاهر، لكنه قد يتيح مجالاً مقدراً للتعبير عن الاختلاف.

والخلاصة أن التحرر من سلبيات النماذج التنظيمية القائمة لا يتطلب بالضرورة حلها والبحث عما بعدها، لأن من بديهيات التفكير التنظيمي والاستراتيجي أن ما بعد التنظيم هو تنظيم جديد، بل المطلوب في العمق هو العمل على طرح أسئلة حقيقية تسهم في التجديد النوعي للأداة التنظيمية للمشروع الإسلامي، تثبيتاً للإيجابيات، وتجاوزًا للسلبيات، ومن آليات ذلك فتح نقاش جاد وحيوي حول الصيغ المطروحة في عالم اليوم لتجديد التنظيمات كصيغة التيار، أو الشبكة أو النسيج الجمعوي، أو غيرها من الأشكال التي يمكنها أن تجمع بين أفراد وجماعات ضمن مشروع مجتمعي واحد، وأيضًا تطوير نقاش أساسي حول مفاهيم الانتماء والجماعة والتنظيم.. من زوايا جديدة تستوعب التحولات المجتمعية الحقيقية وتجاريها.

ودون طرح مثل هذه الأسئلة الحقيقية سيظل منطق مهاجمة التنظيمات، على هامش تحديات المرحلة التاريخية الراهنة التي تستوجب العمل بفعالية ونجاعة في تنزيل الأفكار والمشاريع المطروحة، وقد يكون - في أسوأ التقديرات- سببًا في تحقق الفوضى التي يريد لها البعض أن تكون خلاقة، بتفكيك الموجود والارتهان للموعود المفقود.

 



([1]) رئيس حركة التوحيد والإصلاح المغربية. 

الرابط المختصر :