العنوان سؤال ما زال يبحث عن إجابة.. الغضب البربري.. لماذا تفجر؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2001
مشاهدات 52
نشر في العدد 1457
نشر في الصفحة 24
السبت 30-يونيو-2001
أحداث الانفجار الاجتماعي تعبير عن ذروة اليأس واللا جدوى التي وصل إليها المواطن الجزائري في غياب قنوات الحوار وتقاليد المصارحة؟
• من الصعب القبول بمبررات اليأس والظلم دون الشك في نوايا خفية تتعلق بمعركة من أجل وجود ذي صلة باللغة والدين والوطن
الجزائر: المجتمع
أصبح من الصعب جدًا العثور على جزائري واحد راضٍ عن «الحالة» في الجزائر بما في ذلك رئيس الجمهورية الذي وجد نفسه محاصرًا بالخوف والقلق، عاجزًا عن استيعاب الانفجار الاجتماعي العام الذي انطلقت شرارته الأولى بمنطقة القبائل (البربر) على إثر مقتل شاب «بربري» في مركز قوات الدرك الوطني.
المقدمات الصعبة
في شهر أبريل (نيسان) ۱۹۹۹م انتخب عبد العزيز بوتفليقة رئيسًا للجمهورية ليجد على مكتبه تقارير خطيرة تشير إلى أن الجزائر على حافة الخطر، وأن الجزائريين مهددون بالفقر والجوع بعد أن عاشوا عشر سنوات محاصرين بالموت والخوف من إرهاب أعمى راح ضحيته أكثر من ٨٠ ألف مواطن فضلاً عن الخسائر المادية المعتبرة.
ففي تقرير لبرنامج الأمم المتحدة (بنود) أكد الخبراء أن نسبة ٢٣٪ من السكان في الجزائر يعيشون تحت مستوى الفقر حيث لا يتجاوز دخل الفرد من هذه الفئة دولارين أمريكيين يوميًا، بينما تستحوذ نسبة ٢٠٪ من الفئات الغنية على ٥٠٪ من المداخيل الوطنية، ويؤكد التقرير على أن الفوارق الاجتماعية تضاعفت في التسعينيات بسبب استفحال الأزمة متعددة الجوانب التي هزت الجزائر خلال العشرية الأخيرة.
أما التقارير الأمنية اليومية فأكدت ومازالت تؤكد على أن الأوضاع الأمنية رغم سياسة الوئام الوطني واتفاق الهدنة المبرم بين السلطة العسكرية وجيش الإنقاذ ما زالت متدهورة، وأن المجازر الدموية في حق المواطنين مازالت ترتكب بفظاعة في مناطق كثيرة من الوطن، غير أن الجديد الذي أشارت إليه التقارير والتحاليل هو ذلك التحالف الخفي الذي حصل بين الجماعات المسلحة وأصحاب المصالح والامتيازات المرتبطة بالبنى (القمعية) السائدة مما زاد من حدة انتشار الأعمال الإرهابية وتشابك خيوطها في حالة (لا أمن) يصعب التحكم في نتائجها.
هاتان المقدمتان كافيتان وحدهما لإحداث انفجار اجتماعي عام تعبيرًا عن ذروة اليأس واللا جدوى التي وصل إليها المواطن الجزائري في غياب قنوات الحوار وتقاليد المصارحة، وفي غياب سياسات ومشاريع واضحة تترجم الخطاب الرسمي والنوايا السياسية إلى واقع عملي ملموس.
لماذا منطقة القبائل؟
للوهلة الأولى قد يتساءل المرء: ماذا يميز شباب منطقة القبائل الذين أطلقوا الشرارة الأولى للانفجار عن بقية مواطنيهم الذين يواجهون الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الصعبة نفسها؟ لماذا لم تنفجر الأوضاع في مناطق أخرى من الوطن هي أكثر بؤسًا وفقرًا من منطقة القبائل؟
من الصعب جدًا القبول بالمنطق القائل إن شباب القبائل (البربر) الذين أطلقوا الشرارة الأولى لحركة الاحتجاج، وخرجوا إلى الشوارع في حالة غضب عارم عبروا عنه بحرق مؤسسات الدولة والأملاك العمومية من الصعب القبول بمبررات اليأس والظلم دون الشك في نوايا خفية تتعلق بمعركة من أجل وجود ذي صلة باللغة والدين والوطن.
صحيح أن هؤلاء الشباب خرجوا إلى الشارع في حركة احتجاجية عنيفة دون الحاجة إلى وسيط حزبي يمثلهم أو رمز سياسي يتحدثون باسمه، لكن حالة التعبئة والنشاط الإعلامي المكثف الذي مارسته جهات (بربرية) في الخارج (فرنسا – سويسرا) بالخصوص مع بداية الأحداث وأثناءها، تؤكد أن المغامرة الجريئة التي أقبل عليها الشباب البربري لم تكن عفوية مائة بالمائة، أو على الأقل ثمة من استغلها لأهداف سياسية أبعد من شعاراتها المرفوعة خصوصًا بعد دعوات أطلقها بعض أنصار الأمازيغية تطالب بشكل من أشكال الحكم الذاتي المنطقة القبائل، في الوقت الذي طالب فيه آيت أحمد زعيم حزب القوى الاشتراكية بتدخل الأمم المتحدة وتدويل القضية الجزائرية، كما لا يمكن فهم تدخل وزير الخارجية الفرنسي إلا في هذا الاتجاه بعد أن دعا مع اندلاع الأحداث في منطقة القبائل الحكومة الجزائرية إلى فتح حوار سياسي مع الأمازيغ، وقال: إن الحكومة الفرنسية لا يمكنها أن تسكت عن العنف الذي استخدمته السلطات الجزائرية، في قمع احتجاجات الأمازيغ في منطقة القبائل شمالي الجزائر، وأكد هذا الاتجاه في الأيام الأخيرة أمام البرلمان الفرنسي ردًا على أسئلة النواب حيث قال: إن أحد الهلاليين وقد رسم شعارات البربر على ومطالب المتظاهرين في الجزائر شرعية وأن فرنسا حساسة لهذا المطلب والنداء الذي ينبع من عمق الشعب الجزائري.
أما آيت أحمد المقيم بسويسرا، فقد جدد هو الآخر مطلبه بضرورة إيفاد لجنة تحقيق دولية إلى الجزائر، وقال في تصريح عقب استقباله الأسبوع الماضي من طرف نائب المحافظة السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة: إنه يطلب من كوفي عنان باسم ضحايا الشعب الجزائري زيارة الجزائر للاطلاع على الوضع وتسليط الضوء على الأحداث الأخيرة.
أما الرئيس الجزائري فقد اعتبر هذه الأحداث «قنبلة» انفجرت في وقت غير مناسب، متهمًا أطرافًا خارجية وداخلية بالسعي إلى حرب أهلية وزعزعة الاستقرار الوطني، لكنه ارتكب خطأ سياسيًا فادحًا في زيارته الأخيرة إلى مناطق الجنوب التي لقي فيها حفاوة شعبية كبيرة حين تحدث عن سكان الشمال، وميز بينهم وبين سكان الجنوب الذين أظهرهم وكأنهم أكثر حبًا للجزائر من غيرهم لمجرد أنهم لم يثوروا ولم يخربوا (...).
أما الطبقة السياسية، فقد اختلفت ردود أفعالها وتفسيراتها حول الأحداث إلى ثلاثة مواقف أساسية:
1 ـ اتهام السلطة بتدبير هذه الأحداث، خصوصًا ما يتعلق بعمليات العنف والتخريب التي مورست أثناء المظاهرات والمسيرات، وهو ما عبرت عنه جمعيات وشخصيات بربرية.
٢ ـ اعتبارها حركة احتجاجية سببتها حالة الانسداد السياسي ورفض أعمال العنف والتخريب والدعوة إلى تغيير فعلي، وهو ما عبرت عنه الأحزاب والشخصيات ذات التوجه الإسلامي وبعض القوى الوطنية.
٣ ـ اعتبارها مكيدة حيكت خيوطها بالخارج بتواطؤ داخلي، وهو ما عبر عنه رئيس الجمهورية ومؤيدوه من الأحزاب والجمعيات والشخصيات، وأكده وزير الداخلية في ندوته الصحفية عقب مسيرة الخميس التي نظمتها بالجزائر العاصمة تنسيقية العروش القبائلية يوم ١٤/٦.
بصرف النظر عن دقة أو صحة هذه التفسيرات، فإن معطيات الواقع وتسارع الأحداث وتشابكها جاءت لتؤكد من وجهة نظرنا أربع خلاصات منطقية وثيقة الصلة بمآلات الوضع مستقبلاً:
١ـ فشل المشاريع والأحلام الثورية التي استمر تجار الحزب الواحد في رفع شعاراتها مستفيدين من حالة الاختصار الطويلة التي بقيت تصنع البني والعلاقات والنظم داخل السلطة وتتحكم في مصائر الأفراد والجماعات باسم الشرعية التاريخية، التي لم يعد احتياطيها كافيًا للمناورة في مجتمع ٢٣٪ من سكانه يعيشون تحت مستوى الفقر، بينما يستحوذ ٢٠٪ من مواطنيه الأغنياء على ٥٠٪ من مداخيله القومية.
٢ـ ردود الأفعال المتشنجة التي مارسها الشباب خلال مسيراتهم الاحتجاجية دليل قاطع على أن هؤلاء الشباب (الذين بلغ عدد العاطلين منهم عن العمل أكثر من ثلاثة ملايين) يريدون في عمق مطالبهم أخذ المكانة اللائقة بهم كجيل جديد بين وجوه (قديمة) ظلت تحكم الجزائر منذ استقلالها على شكل حلزون يتكون من صدفة مخروطية قاسية للحماية، بينما يظل قسم من الجسم داخل الصدفة لا يخرج منها.
٣ـ خروج الجماهير إلى الشارع للتعبير عن احتجاجها دليل على انسداد قنوات الحوار ووسائل التواصل بين القاعدة والقمة، كما هو دليل على فشل بعض الأحزاب السياسية في التأثير على مراحل حافلة بالتغيرات والتحولات، وإخفاقها في استيعاب الحركة الجماهيرية.
٤ـ الإصرار على اعتبار حركة الاحتجاج جهوية خاصة بمنطقة القبائل، أو أهل الشمال على حد تعبير رئيس الجمهورية، هو إصرار على علاج الأمور بتغطية الحقائق، وهو علاج لا جدوى منه ولن يغير من الحقيقة الكريهة شيئًا، إن الغضب الجماهيري هو غضب عام، ولم يعد رسالة مشفرة يصعب فهمها بعد أن انتقل إلى مناطق أخرى من الوطن لا علاقة لها بالمطالب الأمازيغية الجهوية.
السيناريوهات المحتملة:
۱ ـ استقالة بوتفليقة وإجراء انتخابات مسبقة، وهو احتمال مستبعد في المنظور القريب لثلاثة أسباب على الأقل:
أـ إصرار الرئيس على بقائه في منصبه وإعلانه ذلك أكثر من مرة.
ب ـ الانسجام النسبي الذي استطاع تحقيقه بينه وبين جنرالات المؤسسة العسكرية.
جـ ـ نفوذه الخارجي وعلاقاته الجيدة مع بعض رؤساء الدول والملوك، وكلها أسباب تصب في تعزيز موقعه داخليًا، فضلاً عن كونه شخصية وطنية نظيفة، وقدرته على المناورة في الظروف الصعبة داخل دائرة التوازنات.
٢ـ انهيار الدولة والدخول في حرب أهلية حقيقية، وهو احتمال مستبعد جدًا نظرًا لتماسك المؤسسة العسكرية على ما فيها من فساد، وإصرار قادتها على المحافظة على الوحدة الوطنية والمحافظة على مصالح رجالها وامتيازاتهم المرتبطة أصلاً بوجودها متماسكة وقوية في الوقت نفسه، وهي بهذه الصورة مؤهلة للقضاء على أي نعرة عرقية يمكن أن تشكل خطرًا حقيقيًا على وحدة التراب الوطني.
٣ـ تصاعد الغضب الجماهيري وانتشاره على غرار ما حدث في أكتوبر ۱۹۸۸م، وهو الاحتمال الأقرب إلى الحقيقة، خصوصًا بعد انتفاضة مناطق في الشرق الجزائري والغرب.
وهو الاحتمال الذي سيرغم السلطة على إحداث ديناميكية جديدة في التعاطي مع أحداث ذات صلة وثيقة بمستقبل الوطن والشعب، ويدفع بالرئيس الجزائري إلى طرح خيارات جديدة لعل في طليعتها حسب المراقبين:
أ ـ إعلان المصالحة الوطنية بين كل الأطراف الجزائرية، ولعل شكلها وصيغتها هما اللذان سيحددان نتائجها علمًا أن غياب تقاليد الحوار من جهة وحضور راديكالية المطالب من جهة أخرى سيصعبان تحقيق مصالحة وطنية حقيقية كفيلة بإخراج البلاد من أزمتها السياسية على الأقل.
ب ـ حل المجالس المنتخبة على المستويين المحلي والوطني والإعلان عن انتخابات جديدة تشارك فيها كل الأطراف السياسية، وتكوين حكومة ائتلاف وطنية.
لكن وفي انتظار ما سيعلن عنه رئيس الجمهورية يبقى الباب الجزائري مفتوحًا على كل الاحتمالات المفاجئة والمآلات السيئة.
أحداث العنف يوم بيوم
١٨ أبريل: وفاة الشاب القبائلي محمد قرماح بمقر قوات الدرك الوطني (تيزي وزو).
۱۹ إبريل: ١٠ آلاف شخص معظمهم من الشباب يتظاهرون في (تيزي وزو) استجابة لنداء الحركة الثقافية البربرية التي طالبت بجعل الأمازيغية لغة رسمية في الجزائر.
۲۲ إبريل: انطلاق أعمال شغب بضواحي مدينة (بجاية) التي تزامنت والاحتفالات المخلدة لذكرى الربيع الأمازيغي (٢٠أبريل ١٩٨٠م).
۲۳ أبريل: تجدد أعمال الشغب ببني دوالة بعد تشييع جنازة الشاب قرماح، وقوات الدرك الوطني تحاصر المدينة وتغلق أهم منافذها.
٢٤ أبريل: السلطات العليا تنهي مهام مسؤولي الأمن والدرك في بني دوالة.
۲۰ أبريل: أعمال الشغب تخلف 9 قتلى والمتظاهرون يطالبون بعدالة أكثر من توزيع السكنات.
۲۷ أبريل: مجموعة من الأئمة تدعو إلى الهدوء، وكذلك مسؤول الجمعيات البربرية وجمعيات أولياء التلاميذ بالمدارس.
۲۸ – ۲۹ أبريل: وفاة ۲۹ مواطنًا في أعمال شغب اجتاحت منطقة القبائل من جراد.
۳۰ أبريل: الرئيس الجزائري ينشئ لجنة مستقلة للتحقيق في الأحداث.
١ مايو: حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ينسحب من الائتلاف الحكومي.
٧ مايو: حوالي ۲۰ ألف شخص يتظاهرون في بجاية سلميًا.
١٠ مايو: ١٠ آلاف شخص يتظاهرون بهدوء في العاصمة دعمًا لضحايا الأحداث.
١٩ مايو: مدينة بجاية تعلن إضرابًا عامًا وتظاهر حوالي 10 آلاف شخص.
۲۰ مايو: أكثر من ٢٠ ألف شخص يتظاهرون في تيزي وزو، وتجدد أعمال الشغب في عدة مناطق من ولاية بجاية.
۲۱ مايو: تنظيم مسيرة ضخمة ( ٥٠ ألف شخص في تيزي وزو).
٢٤ مايو: أكثر من ١٠ آلاف امرأة يتظاهرون بتيزي وزو.
٢٥ - ٢٦ مايو: تجدد أعمال الشغب بمنطقة القبائل (أربعة قتلى).
۲۷ مايو: مسيرة شعبية كبيرة ببجاية تتحول إلى أعمال شغب.
۲۹ مايو: حوالي ألف طالب يتظاهرون أمام قصر الحكومة تنديدًا. بالقمع في منطقة القبائل.
۳۱ مايو: ۲۰۰ ألف شخص يسيرون في العاصمة ضد القمع.
٣- ٤- ٥ يونيو: آلاف الأشخاص يتظاهرون بهدوء في مدن مختلفة بمنطقة القبائل.
٦ يونيو: فرحات مهني رئيس الحركة الثقافية البربرية يطالب بمنح «استقلال أوسع» لمنطقة القبائل.
٧ يونيو: قوات الأمن تمنع انطلاق مسيرة مدعمة للقبائل في الجزائر العاصمة.
۱۰ يونيو: اندلاع أعمال شغب بولاية خنشلة (٥٥٠ كلم شرق الجزائر العاصمة) تخلف قتيلاً.
۱۳ يونيو: مواجهات عنيفة بين آلاف الشباب وفرق مكافحة الشغب ببجاية.
١٤ يونيو: مسيرة الخميس التي دعت إليها عروش القبائل بالجزائر العاصمة والتي خلفت (٦ قتلى) وأكثر من ألف جريح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل