; ساطع الحصري، نموذجًا.. جرح وتعديل في القرن الحادي والعشرين | مجلة المجتمع

العنوان ساطع الحصري، نموذجًا.. جرح وتعديل في القرن الحادي والعشرين

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر الأحد 14-أكتوبر-2012

مشاهدات 54

نشر في العدد 2024

نشر في الصفحة 54

الأحد 14-أكتوبر-2012

لو جئنا في مقال موجز كهذا، إلى مفكر ك«ساطع الحصري»، له مركزه المهم على خارطة فكرنا المعاصر، بما دعا إليه في كتبه وأبحاثه جميعًا من فصل الدين عن مكونات القومية العربية، ومن إبعاد العرب عن كل تجربة كان الإسلام قد منحهم إياها، وعلمهم بها، وشحن أرواحهم بمعانيها ومعالمها، مفكر كهذا لا يمكن أن نقرأ معطياته، ونقيمها، بعيدًا عن «شخصه» بميوله وانتماءاته ونزواته الخاصة، باختصار، لا يمكن تقييم «فكر» ساطع الحصري بمنأى عن تاريخه الشخصي.

إن ساطع الحصري، هذا المربي الكبير والمفكر القومي التقدمي، تولى الإشراف على أجهزة ومؤسسات العراق التربوية والتعليمية في فترة العشرينيات والثلاثينيات، التي كان الإنجليز فيها يصولون في دوائر العراق المختلفة ويجولون، ورسم خطوط التربية، كما طلب منه سادته أن يرسمها دون تغيير ولا تبديل، مبتدأ، بقراءة الصفوف الابتدائية الأولى، المسماة باسم ابنه، «القراءة الخلدونية» ومنتهيًا بالمناهج الثانوية. 

ونحن لو قرأنا قرانه الخلدونية تلك، فسوف نجده يصوغ كل عبارة، أو جملة مفيدة، يتعلم بها الطلاب أصول القراءة والكتابة، إلا عبارة يذكر فيها اسم الله، أو اسم رسوله ﷺ، أو شيئًا من تاريخ أمتنا على العكس تمامًا من القراءات الأولية التي يدرس بها الأطفال في دول العالم أصول القراءة والكتابة. 

ولا ريب أن هذا التجريد العلماني

الخطير الذي ينصب في ذهن الطفل منذ سنة تعليمه الأولى، والذي سيؤدي دوره الفعال في فصل القيم الدينية في ذهن الطفل عن القيم اللغوية، أو القومية لم يجيء عبثًا، ولكنه مرسوم بحيث ودهاء، ومن ورائه خبراء وخبراء، لا يمكن أن نرجو منهم وهم مستعمرونا، لأبنائنا خيرًا.

ويكفي ها هنا -بعيدًا عن الدخول في التفاصيل- أن تستعيد ذلك التحدي الذي أثارته إحدى رابطات المعلمين في العراق بوجه ساطع الحصري، في إحدى زياراته للعراق ملعب فكره الأول، ومغنى نشاطاته التربوية الهادفة، فلعل في هذا التحدي المطروح على شكل عدد من الأسئلة التي ظلت معلقة دونما جواب؛ لعل فيه نموذجًا واحدًا من مئات النماذج التي يمكن أن تعثر عليها في تاريخ فكرنا المعاصر، بمجرد أن نلجأ إلى أسلوبنا الأصيل في التقييم ذلك الذي ابتكره أجدادنا، وجاءت معطيات علم النفس لكي تقره، حيث لا انفصام بين الشخص كمجموع طاقات وبين فكره كطاقة واحدة من هذا المجموع المعقد المتشابك وحيث لا حواجز بين باحث من الباحثين وبين «تاريخ حياته الشخصي» مهما ادعى من علمية وموضوعية وتجرد عن الذات.

وإذا لم تكن الأسئلة التي جوبه بها ساطع الحصري قد لقيت جوابًا، فما أكثر الأسئلة والتحديات التي يمكن أن تثار بوجه أولئك الخصوم الذين باعوا كرامة العلم، وتنازلوا عن أخلاق العلماء، من أجل أن يشتروا بالعلم والكرامة ثمنًا قليلًا!

ماذا يقول التاريخ الحديث للصفوف الخامسة الإعدادية عن السلطان عبد الحميد الثاني، على سبيل المثال؟ يقول: صورة رجعية كالحة عن السلطان المنكود، وأخرى تقدمية مشرقة عن الاتحاديين الأحرار، هذا ما يريد أن يقوله لطلبة الإعداديات، رفاق ساطع الحصري وتلامذته ومنفذو خططه التربوية الهادفة، بخلاف ما تقوله الوثائق والمذكرات والدراسات العلمية عن هذا الرجل. 

إن الماركسية لا يمكن أن تجردها عن شخصية «ماركس» ومكوناته الذاتية وأخلاقياته وانتماءاته ورواسبه اللاشعورية وتأثراته البيئية إلى آخره، وعلم النفس التحليلي لا يمكن أن نجرده عن شخصية «فرويد» ومكوناته الذاتية، وهكذا بالنسبة لكل مفكر قدم عملًا في حقل ما من حقول العلوم الإنسانية. ولا يمكن أن يكون علماؤنا ومفكرونا أقل اندفاعًا وراء مؤثراتهم الذاتية وتكويناتهم الشخصية، وانتماءاتهم الدينية أو السياسية.

على العكس، فكثيرًا ما نجد هناك، كشرقيين منهزمين مغلوبين على أمرهم، وكأناس يطفى عليهم الجانب الانفعالي، حتى في أشد القضايا موضوعية، نجدهم ينساقون شعروا أم لم يشعروا أرادوا أم لم يريدوا وراء نداءاتهم الخاصة ومصالحهم الذاتية، ومن ثم تجيء أبحاثهم وهي أشد درجة في تعبيرها عن شخصياتهم، ومن ثم أكثر بعدًا في معظم الأحيان عن الموضوعية والحياد، وهذا يحتم -ولا ريب- العودة إلى التزام أسلوب النقد الخارجي الذي مارسه آباؤنا وأجدادنا و ميزوا به وبغيره صحيح الروايات والأعمال من ردينها وسقيمها.

إن كتبًا عديدة، تصدر في أعقاب هزيمة نكراء بوجه الصهيونية، كان سببها الرئيس تخلينا عن التزاماتنا الدينية، قيادات وقواعد، وانتصار شعب ضئيل العدد، مشتت الجنسيات علينا، بسبب عقيدته الدينية، هذه الكتب التي صدرت في فترة كان الحس الإسلامي فيها يتحرك من جديد ليمارس دوره في تجميع جماهيرنا، ومنحها القدرة على المقاومة والانتصار، كتب كهذه لا يمكن أن نقيمها دون أن نسلط الأضواء -أولًا- على شخصية أصحابها، وانتماءاتهم ومصالحهم الخاصة التي ربما كانت السبب الأول في دفعها إلى الوجود، هذا ما يمكن أن يقال عن مفكرين من أمثال «لويس عوض»، و«سلامة موسى»، و«غالي شكري» الذين انتموا ظاهريًا لليسار والماركسية، واحتفظوا سرًا بركام عقود طويلة من الغل الطائفي والحقد الذي لا يستقيم معه علم ولا يستبين طريق. 

وآخرون كثيرون من كتابنا ومفكرينا، لا يحصيهم العد تخرج كتبهم وأبحاثهم إلى الوجود، وهي مرسومة بميسم مؤثراتهم الشخصية التي لا تزول، منهم من أثرت في معطياتهم مراكز دراساتهم في الغرب أو في الشرق، ومنهم من أثرت فيها طبيعة علاقاتهم الشخصية وصداقاتهم، وآخرون كان لاختيارهم زوجات من الغرب تأثير عميق في أفكارهم لا يمحوه من أذهانهم مرور الأشهر وانصرام السنين، وثمة فئة رابعة تستهويها إغراءات الذهب والفضة وتغدو مستعدة لأن تبيع أفكارها بالدرهم والدينار، وفئة خامسة يلوح لها بالمناصب والمراكز، وسادسة تحتوشها شياطين الغرب في المراكز العلمية والجامعات، فتنفخ في روحها باسم الإنسانية والبناء الحر، ما يشاء لها الحقد والهدم والهوى أن تنفخ في رؤوس وأفئدة هؤلاء المساكين، وسابعة تسقطها شهواتها في حماة الرذيلة، فلا يروق لها أن تكتب وتنشر عن الآفاق المضيئة من حياة الإنسان وفكر الإنسان وتاريخ الإنسان. 

وهكذا، وهكذا، فئات وطوائف وأشخاص لا يحصيهم العد، طرحوا في الأسواق مئات الكتب والبحوث التي أدت دورها الخطير في رسم مسارات فكرنا المعاصر، وفي توجيهنا، وفي هزيمتنا أيضًا. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل