; سافر بخيالك! (1-2) | مجلة المجتمع

العنوان سافر بخيالك! (1-2)

الكاتب سلمان بن فهد العودة

تاريخ النشر الجمعة 01-فبراير-2013

مشاهدات 70

نشر في العدد 2037

نشر في الصفحة 42

الجمعة 01-فبراير-2013

(*) رئيس مؤسسة الإسلام اليوم

عَنْ خَبَّابٍ بن الأرَتّ رضي الله عنه قَال: شَكَونا إلى رسُول الله ﷺ وهو مُتوسد بُردًة لَه في ظِل الكَعبة، فقلنا: أَلا تَستنصر لنا؟ ألا تَدْعُو لَنَا فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فيها، فيُجاء بالمنشَار فيوضع على رأسِه فيُجعل نِصفين، ويُمشط بأمشَاط الحديدِ مَا دُون لَحمه وعَظمه، فما يصُده ذلك عَن دِينه، والله لَيَتَمَنَّ هَذَا الْأَمْرُ، حَتَّى يسير الرّاكبُ مِن صَنعاء إلى حَضرموت لا يَخاف إلّا الله والذّئب على غَنَمه، ولكنّكم تَستعجلُون» «متفق عليه». 

صورة تاريخية يستدعيها خيال السامع وينفخ فيها روح الحياة فيشاهدها المؤمن وكأنها رأي عين، ثم يأتي الإلهام النبوي لينقل العدسة إلى المستقبل ويرسم صورة التغيير الإيجابي في أبهى صوره أن يستتب الأمن في أكثر مناطق العالم خوفًا واضطرابًا، ويأمن الناس على حقوقهم وحرياتهم من أن يُضاموا أو يُعتدى عليهم، في جو من الإيمان بالله والخوف منه تختصره الكلمة النبوية: «لَا يَخاف إلا الله وَالذَّنْبَ عَلَى غَنَمه». 

إنه ليس الأمن الذي يصادر الحقوق بحجة الخوف منك أو الخوف عليك، ولكن الأمن الذي يحفظ الكرامة ويربي على العزة، فلا يخاف المرء إلا من ربه.

ومن التحدي أن تقرأ هذا النص دون أن يرتسم في مخيلتك صورة راعٍ على بعيره يمشي بين الوديان والهضاب، ينعق بغنمه ويحميها من الذئاب، أو صورة الذئب المتربص بالغنم، وهو وحده الذي يخشاه صاحب الراحلة من الخلق!

في الخندق ضرب رسول الله ﷺ صَخْرَة بمعولِه فأضاءت، وقال ﷺ: «الله أكبرُ أُعطيتُ مَفَاتيح الشَّام، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَبْصِرُ قُصُورَهَا الْحَمْرَ مِن مَكَاني هَذَا ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ»، وَضَرَبَ أخرى فكسَرَ للكَ الْحَجَرِ فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ أُعطيتُ مَفَاتيح فَارس، والله إِنِّي لأَبصِر المدائنَ وَأَبْصِرُ قَصْرَهَا الأَبْيَضُ مِنْ مَكَانِي هَذَا» ثُمَّ قال: «بِسم الله».. وَضَرَبَ ضَرْبَةٌ أُخْرَى فَقَلَعَ بَقيّة الحَجَر فقال: «الله أكبرُ أُعطيتُ مَفَاتيح اليَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لأَبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَاني هَذا» «رواه أحمد وابن جرير». 

كان النبي ﷺ موصول الحبال بالسماء، وأصحابه لم يروا ما رأى ولكن إيمانهم جعلهم يرتفعون عن اللحظة الراهنة التي قال فيها المنافقون: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (سورة الأحزاب: 12)، فصدّقوا وقالوا: ﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: 22).

حين يتخيّل السجين أن القيود تُفك والأبواب تفتح والشمل يجتمع، وأنه يستأنف حركته في الحياة بهمة ونشاط، فسوف يقاوم التحديات ويسمو على الإذلال ويعيش على الثقة بالله وقرب الفرج.

وحين يبتهل بدعواته الدامعة وصلواته الخاشعة، يخرج منها وهو أوثق بما عند الله مما في يده، فالدعاء يلهب الخيال: 

وَإنّي لأدعو الله حَتّى كَأنّما ***  أَرى بجَميلِ الظَنّ ما الله صانِعُ 

لم نقرأ عنه في المدرسة، ولا سمعنا عنه في محاضن التربية، ولم تظفر بخطة لتنميته واستثماره في الأسرة أو المجتمع.  كتجربة شخصية لم أكتشف إلا متأخرًا جدًا أهمية الخيال وعظم تأثيره في الإنجاز،

ومعالجة الانحراف.

كم مرة حضرت دورة لتنشيط الخيال وتحفيزه؟ أو قرأت كتابًا يكشف لك هذا العالم الرائع المبهر؟

«الخيال أهم من المعرفة» «آينشتاين».

هل هذا صحيح؟

في حالات كثيرة: نعم. 

لأن المعرفة تحدد كل ما نعلمه الآن، أما الخيال فيتجاوز الحاضر ويشير إلى ما قد

نكتشفه في المستقبل. 

ولأن الخيال يقوم باستدعاء تجارب وصور الماضي لبناء تركيبات جديدة، فهو إبداعي وبنّاء.

ولأن الخيال هو الأداة التي تحول المعرفة إلى واقع.

وكتب البريطاني «هربرت جورج ويلز» توقعاته للعالم «عام ٢٠٠٠م»، فتصور السيارات والقطارات وتزوج البشر من المدن والسكن في الضواحي، وتحدّث عن تغير أنماط العلاقات الاجتماعية وشيوع الانحلال، وتوقع نشوء الاتحاد الأوروبي. 

ليس العباقرة والمبدعون هم فقط من يحتاج الخيال!

الكشوف والاختراعات كانت تحاك في عقول الكتّاب المبدعين، ثم في كتبهم ورواياتهم، ثم تزرع في عقول قرّائهم قبل أن تصبح حقيقة يراها الناس. 

الرابط المختصر :