العنوان أساليب وطرق التنمية الذاتية للقيادة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1988
مشاهدات 70
نشر في العدد 859
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 22-مارس-1988
أعداء الله
يخافون أن تنشأ الأمة المسلمة ولو كانت في القطبين.
معادلات الخير
تنم عن روح جماعية لا مجال للفردية فيها.
تنشر
"المجتمع" بدءًا من هذا الأسبوع سلسلة من الحلقات القيمة تحت عنوان:
"أساليب وطرق التنمية الذاتية للقيادة" لفضيلة الشيخ جاسم مهلهل بن محمد
الياسين حفظه الله.
والحلقة الأولى
التي ننشرها هنا هي بمثابة مدخل لكتاب نأمل أن يرى النور قريبًا إن شاء الله.
يقول فضيلة
الشيخ جاسم في بدء مؤلفه المبارك:
الحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما
بعد، فإن التحرك لنصرة دين الله لم يعد أمرًا نافلةً، المسلمون فيه على الخيار، بل
هو على الوجوب دائر فيما هو معلوم من الدين بالضرورة "من مات ولم يغز ولم
يحدث نفسه مات على شعبة من نفاق" (1). وهذا التحرك المبارك له خاصية متميزة،
فالإنسان فيه يأخذ من خلال عطائه للآخرين، وهذه الطبيعة تأتي متناسقة مع خلق الله
العظيم: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ
السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ
بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل:88) (2)، حركة مستمرة تعلن عن تعظيمها وتكبيرها لله
سبحانه ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء:44) (3). ففعلية التبليغ هي حديث للنفس قبل أن تكون
للآخرين، ازدواجية خير ونماء، تعطي لتأخذ وما تأخذ إنما هو مما تعطي، فنظرة
المستمع تقول لك: وهل أنت كما تقول؟ كما استفساره فتح لباب لم تكن أنت طارقه، هكذا
معادلات الخير تنم عن روح جماعية لا مجال للفردية فيها، فما من أحد دون أن يُعين
وفوق أن يُعان، والمنتفع الأول هو القارئ فله صفو الكلام ولمؤلفه كدره. والعمل
الجماعي وصية الرسول صلى الله عليه وسلم: "يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في
النار" (4) "فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"
(5) "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة" (6). ويقول عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه عن الجماعة: "إنها حبل الله المتين الذي أمر به، وإن ما
تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة" (7). وقال علي رضي الله
عنه: "كدر الجماعة ولا صفاء الفرد".
والجماعة في
أفراد وقيادة، ومنهج ومكان من خلال الزمان، وهذه هي طبيعة ديننا الحنيف الذي جاء
لينشئ أمة جار بها المجرمون بمختلف الصور فعمدوا على تجريد المسلمين من محتواهم
ليسهل توجيههم والسيطرة عليهم، فيبقى المسلمون أعدادًا وأرقامًا من غير إطار،
تتوزعهم الأمم وتوجههم التوجهات والأيديولوجيات. وسعي أعداء الله في ذلك له صور
مختلفة، وأساليب متنوعة، فسبل المجرمين لا نهاية لها فهي سهام متولدة في كنانة
الشيطان، حتى أنه قد وصل بهم الأمر إلى أن يحاربوا الأمة في مبنى الكلمة، ففي
دائرة المعارف الإسلامية (4/411-414) عند الحديث عن مصطلح الأمة نجد هذه العبارة:
"هي ليست مشتقة من الكلمة العربية "أم" بل هي كلمة دخيلة مأخوذة من
العبرية "أما" أو الآرامية "أميثة". ويقول هوروفتز:
"ومهما يكن من شيء فإن محمدًا أخذ هذه الكلمة واستعملها وصارت منذ ذلك الحين
لفظًا إسلاميًا أصيلًا" أ. هـ (8). وعلى ذلك فأعداء الله يخافون أن تنشأ
الأمة الإسلامية، أو نواة هذه الأمة، ولو كانت في أحد القطبين، ولكن نصر الله آت.
وبشائر النصر تلوح: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾ (ص:11)
(9) ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون﴾ (الصافات:173) (10) ﴿ومَن يَتَوَلَّ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ
الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة:56) (11) ﴿كتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة:21) (12).
وقد يسر الله
للدكتور أحمد حسن فرحات الرد على المستشرقين في هدمهم لبناء الكلمة فكان ملخص ما
قال: ذكر أبو البقاء في كلياته (1/301)، أن "الأمة" في الأصل:
"المقصود"، وهو الذي أكده صاحب لسان العرب حيث قال "الأمة" في
اللغة من القصد، يقال أممت إليه أي قصدته، ويشهد لقول صاحب اللسان قوله تعالى:
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (المائدة:2) أي قاصدين. وقال الفيروز آبادي
في "بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز" (2/29):
"الأمة" لغة الرجل الجامع للخير والإمام وجماعة أُرسل إليهم رسول. ثم
قسم الدكتور أحمد فرحات معاني الكلمة إلى مجاميع:
1. المجموعة الأولى: إنها بمعنى الجماعة، وإن
المعاني الأخر يمكن ردها إلى ذلك المعنى الأصلي.
2. المجموعة الثانية: إنها معنى الدين أو الملة،
قال أبو جعفر الطبري: "الأمة" الدين والأصل إنه يقال للقوم يجتمعون على
دين واحد أمة فتقام الأمة مقام الدين.
3. المجموعة الثالثة: إنها بمعنى الرجل المنفرد،
وهو كل من كان على دين الحق مخالفًا لسائر الأديان، يمثل بذلك القدوة "إن
إبراهيم كان أمة" (13) حيث اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مثله في أمة.
4. المجموعة الرابعة: إنها بمعنى
"الحين" أو "الزمن" قال أبو جعفر الطبري وإنما قيل
"للسنين المعدودة" و"الحين" أمة، لأن فيها تكون
"الأمة". ثم بعد ذلك يبين الدكتور وجه الترابط بين هذه المجاميع فيقول:
تتمثل "الأمة" أولًا برجل واحد، حينما يكون على دين الحق مخالفًا لسائر
الأديان، وهو النبي غالبًا، أو من يسير على طريقته، ومن ثم يكون الرجل الذي لا
نظير له، لأنه الرجل الجامع للخير، والذي يكون إمامًا وقدوة لغيره من الناس. فإذا
استجابت لهذا الرجل فئة من الناس، وسارت على طريقته ومنهجه، سميت أمة لاجتماعها
إليه في حال الدين. فإذا تخلت الأمة عن دينها وعقيدتها فقدت حقيقة وجودها، ومن ثم
تسمى أمة باعتبار ما كان، فالأمة هنا يراد بها الحقبة الزمنية التي كانت فيها
ملتزمة بدينها. أ. هـ فهو دين يتحرك به قائد في زمن معين، ليلتف حوله الناس، فيكون
منهم أمة تستمر بمقومات البقاء وتنهار عند طغيان أسباب الدمار. هنا نقول إنه بات
من المؤكد أن العمل لإنشاء الأمة القرآنية لا يتم من خلال صيحات متطايرة هنا
وهناك، أو مؤتمرات توزع فيها المجاملات، بل لا بد من طليعة ناضجة تحمل العبء الذي
أشفقت منه مخلوقات الله من سماء وأرض وجبال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾
(الأحزاب:72) (14).
نعم، كما ذكر
الأستاذ سيد قطب رحمه الله: لا بد من طليعة تعزم على العمل لبعث هذه الأمة لاستلام
قيادة البشرية، ثم تمضي في الطريق، تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء
الأرض جميعًا، تمضي وهي تزاول نوعًا من العزلة من جانب، ونوعًا من الاتصال من
الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة. (15) يتبع...
ــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم
للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي رقم 191.
(2) سورة
النمل:88.
(3) سورة
الإسراء:44.
(4) سنن الترمذي
(3/315)، رقم 2254.
(5) سنن النسائي
للحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي 2/701.
(6) جزء من حديث
في سنن الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب رقم 2254
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للإمام المباركفوري (1/385)
(7) مدارج
السالكين لابن القيم الجوزية تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد 1/461.
(8) الأمة في
دلالاتها العربية والقرآنية، الدكتور أحمد حسن فرحات ص 9-12.
(9) سورة ص:11.
(10) سورة
الصافات:173.
(11) سورة
المائدة:56.
(12) سورة
المجادلة:21.
(13) سورة
النحل:120.
(14) سورة
الأحزاب:72.
(15) معالم في
الطريق لسيد قطب ص 11-12 ط دار الشروق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل