العنوان سبيلا المعاقبة والمجاهدة في تحقيق التقوى
الكاتب عبدالله علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1984
مشاهدات 72
نشر في العدد 675
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 12-يونيو-1984
في العدد الماضي حدثنا فضيلة الدكتور عبد الله علوان عن سبل الروحانية.. وحدثنا عن الوسائل التي تزكي التقوى وتنميها فشرح مبدئين هما: «أ- المعاهدة ب- المصابرة» وفي هذا العدد يتابع فيشرح مبدأ ثالثًا هو «المحاسبة». ثم يتابع في هذه الحلقة حديثه عن سبل تحقيق التقوى.
ج- المحاسبة:
والأصل فيها قوله سبحانه في سورة الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الحشر: 18).
والمحاسبة معناها- كما دلت عليها الآية- أن يحاسب المؤمن نفسه بعد مضي العمل.. هل قصد في عمله وجه الله؟ هل داخله في طاعته شيء من الرياء؟ هل اقترف إثما في سبحه في النهار؟ هل أدى حقوق الله وحقوق العباد؟
واعلم -أخي الداعية- أن المؤمن كما ينبغي أن يكون له وقت في أول النهار يشارط فيها نفسه ويعاهدها على إصلاح النية، والمضي في الطاعة وتأدية الحقوق، والتحرر من الرياء.. كذلك ينبغي أن يكون له ساعة يخلو فيها إلى نفسه في آخر النهار، ويحاسبها على جميع ما كان منها: فإن رأى خيرًا حمد الله على ما سدد ووفق وسأله التثبيت والمزيد... وإن رأى غير ذلك تاب إلى الله وأناب، وندم واستغفر، وعاهده على أن لا يعود وسأل مولاه الحفظ والرعاية وحسن الخاتمة..
ورضي الله عن عمر الفاروق حين قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيؤوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾».
وحقيقة المحاسبة أن ينظر المؤمن في رأس المال، وفي الربح، وفي الخسارة، ليتبين له الزيادة من النقصان على عادة التجار.
- فرأس المال: هذا الدين وما اشتمل عليه من أوامر ونواه وتكاليف وأحكام..
- والربح: فعل الطاعات، وترك المنهيات..
- والخسارة: ارتكاب الذنوب والمعاصي والآثام.. فحين ينظر المؤمن في رأس المال، ويوازن بين الربح والخسارة، ويتوب عما وقع فيه من أخطاء، ويجتهد أكثر فيما فعله من محاسن... فيكون ممن حاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا ووزنوها قبل أن يوزنوا، ونظروا ماذا يقدمون لغد؟
1- المعاقبة:
الأصل فيها قوله تبارك وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 179).
والعقوبة معناها- كما تدل عليها الآية- أن المؤمن إذا حاسب نفسه فرأى منها تقصيرًا أو اقترفت ذنبًا... فلا ينبغي أن يهملها، فبالإهمال يسهل عليه مقارفة الذنوب، ويعسر عليه فطامها عن المعاصي به بل ينبغي عليه أن يعاقب نفسه عقوبة مباحة كما يعاقب أهله وولده، وفي ذلك زجر لها عن المخالفة، وحمل لها على التقوى وأخذ بها نحو حياة فاضلة سليمة..
وحين نقول: ينبغي عليه أن يعاقبها بعقوبة مباحة احتراز عن المعاقبة بعقوبة محرمة كان يعاقب نفسه بتعذيب عضو من أعضائه بالنار، أو أن يغتسل من الجنابة في الفلاة في يوم شديد البرد أو يمتنع عن الطعام أو الشراب بشكل يؤدي إلى الهلاك... فهذه العقوبات وما شابهها محظورة في الشرع لكونها تدخل في مضمون نهيه تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ﴾ وفي مفهوم قوله جل جلاله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (سورة النساء: 29).
وكان السلف الصالح- رضوان الله عليهم- يعطون القدوة في تقواهم ومحاسبتهم، وفي إلزام أنفسهم بالعقوبة إذا قصروا، وفي عزمهم على الطاعة إذا تساهلوا... ولا بأس أن نذكر بعض النماذج والأمثال:
- روي عن عمر الفاروق- رضي الله عنه-: أنه خرج إلى حائط له «أي بستان»، ثم رجع وقد صلى الناس العصر، فقال: إنما خرجت إلى حائطي، ورجعت وقد صلى الناس العصر!! حائطي صدقة على المساكين، وقال الليث: إنما فاتته في الجماعة.
- وروي عنه أيضًا: أن شغله أمر عن المغرب حتى طلع نجمان، فلما صلاها أعتق رقبتين.
- وحكى عن الصحابي الجليل «أبو طلحة»: أنه كان في الصلاة، فمرت أمامه «قبرة» «طائر كالعصفور»، فتشاغل عن الصلاة في النظر إليًا حتى نسي كم صل؟ فتصدق بحائطه على المساكين عقوبة على نسيانه وانصرافه عن الخشوع!!
- ومما يذكره الرواة: أن تميم الداري- رضي الله عنه- نام ليلة لم يقم بتهجد فيها الله حتى أصبح فألزم نفسه سنة لا ينام.. يتهجد فيها بالعبادة عقوبة لما صنع!!
- ومر حسان بن سنان ببيت قد بني، فقال: متى بني هذا؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك!! لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها عقوبة على تدخله فيما لا يعنيه!!
ولا بأس أن ينهج الداعية نهج السلف الصالح في محاسبة النفس ومعاقبتها إذا رأى نفسه مقصرًا في مسؤولية، ومتخليًا عن حق من حقوق الله أو العباد... كان يعاقب نفسه بالتصدق بمبلغ معين إذا قصر مثلًا في صلاة الجماعة، أو أن يعاقب نفسه بالصيام بأيام محددة إذا تكاسل عن صلاة التهجد، أو أن يعاقب نفسه بركعات معدودة من صلاة النقل إذا تساهل في زيارة إخوانه الأصفياء..
وفي تقديري أن الداعية إلى الله إذا عاقب نفسه في حال التقصير بمثل هذه العقوبات فإنه- ولا شك- يتدرج سريعًا نحو التقوى، ويسير حثيثًا في طريق الروحانية، ولا بد أن يصل في نهاية المطاف إلى منازل المتقين الأبرار.
هـ- المجاهدة:
والأصل فيها قوله تبارك وتعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة العنكبوت: 69) والمجاهدة معناها- كما تدل عليها الآية- أن المؤمن إذا أخلد بحكم الكسل والاسترخاء، والتثاقل إلى الأرض، وأصبح لا يؤدي النوافل في حينها، ولا الطاعات في أوقاتها... فعليه أن يجاهد نفسه على أن يؤدي طاعة النافلة أكثر مما كان يؤديها من قبل حصرًا وإلزامًا، واندفاعًا وحماسًا.... حتى تصبح طاعاته في المستقبل عادة كريمة من عاداته، وخلقًا أصيلًا من أخلاقه.. وحسبه قدوة في هذا الاعتياد.. وهذا التخلق... الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- الذي كان كما تروي عائشة يقوم من الليل حتى تنفطر قدماء، ولما سأله- رضي الله عنها-: لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فأجابها عليه الصلاة والسلام بقوله: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» رواه الشيخان.
وتقول عائشة رضي الله عنها- فيما رواه الشيخان: «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر «أي من رمضان» أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر».
وهذه المجاهدة في الإقبال على الله بالنوافل والطاعات قد أمر بها وحض عليها رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- في أكثر من حديث. ليكون الدعاة والعلماء وورثة الأنبياء.. أول المتحققين بها، والمبادرين إليها..
فمن توجيهاته عليه الصلاة والسلام في هذا الصدد:
- ما رواه البخاري عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعانني لأعيننه».
- وروى مسلم عن أبي فراس... قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيه بوضوئه «أي الماء» وحاجته، فقال: سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود».
- وروى الترمذي عن أبي صفوان... قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس من طال عمره، وحسن عمله».
فانطلاقًا من هذه التوجيهات النبوية في المجاهدة، وحمل النفس على الطاعة والتقرب إلى الله... مضى السلف الصالح في طريق المجاهدة وترويض أنفسهم عليها.... وكلما رأوا من أنفسهم تكاسلًا أو تقصيرًا في أداء حق الله عليهم ولو نفلًا- هبوا من رقدتهم جاهدين عازمين، وساروا إلى الله منيبين خاشعين... حتى يصلوا إلى أعلى مراتب اليقين، وتستروح قلوبهم نسمات الإيمان، ويجدوا في قرارة وجدانهم حلاوة العبادة، ولذة المناجاة..
وإليك -أخي الداعية- طاقة من مآثرهم وأخبارهم:
- ورد عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه فاتته صلاة في جماعة، فأحيا الليل كله تلك الليلة.
- قال بعض السلف: كنت إذا اعتراني فتور في العبادة نظرت إلى وجه «محمد بن واسع» وإلى اجتهاده، فعملت على ذلك أسبوعًا.
- وكان «عامر بن عبد قيس» يصلي كل يوم ألف ركعة.
- وكان «الأسود بن يزيد» يصوم حتى يخضر ويصفر.
- وحج «مسروق» فما نام إلا ساجدًا.
- وكان «كرز بن وبرة» يختم كل يوم ثلاث ختمات.
- وجاور «أبو محمد الجريري» بمكة فلم ينم ولم يتكلم، ولم يستند إلى حائط ولم يمد رجله، فقال «أبو بكر الكتابي»، بم قدرت على هذا؟ قال: علم الله صدق باطني، فأعانني على ظاهري».
- ودخلوا على «زحلة العابدة» فكلموها بالرفق في نفسها، فقالت: إنما هي أيام مبادرة، فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غدًا، والله يا أخوتاه لأصلين لله ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له في أيام حياتي، ولأبكين ما حملت الماء عيناي!!
هذا غيض من فيض مما ورد في جليل مجاهدتهم، وكريم عبادتهم وطاعتهم.. لو لم يكن لسلفنا الصالح إلا هذه المآثر والمكارم لكفتهم على مدى الزمان فخرًا وشرفًا وخلودًا!!
ولكن الذين يجاهدون أنفسهم على عبادة الله ويحملونها على المجاهدة... عليهم أن يلحظوا في عملهم هذا أمرين هامين:
الأول: ألا تكون عبادة النافلة على حساب الحقوق الأخرى، كان يقوم مثلًا بأداء حق الله في النوافل، ويهمل حق العيال بالنفقة، أو حق النفس بحظوظها الحيوية... لإقراره عليه الصلاة والسلام قول من قال: «إن لله عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وان لأهلك عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه» رواه البخاري.
الثاني: ألا يكلف نفسه في النوافل فوق طاقتها لقوله صلى الله عليه وسلم -فيما رواه الشيخان-: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا».
وإذا وجد من السلف من كان يجتهد بالنوافل أكثر من حدود المعقول والاعتدال...
فهذا محمول: إما لمخالفة النفس هواها في خلودها إلى الاسترخاء والتقصير، وإما للتعرض لنفحات الله ورضوانه في أوقات عظيمة مخصوصة، وإما لمنحهم الله الطاقة والقوة للنهوض بهذه الأعباء، وإما لتوفيقهم في هذه المجاهدة بين الحقوق جميعًا، وإما.... وإما.... وبتقديري -أخي الداعية- أنك إذا جاهدت نفسك هذه المجاهدة، وسرت طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهج السلف الصالح... فإنك- ولا شك- تتدرج نحو التقوى، وتسير في طريق الروحانية، وتصل في نهاية المطاف إلى منازل المتقين الأبرار..
تلكم -أخوتي الدعاة- أهم السبل في إذكاء روح التقوى، وتنميتها في قلب المؤمن وروحه، وفي تغلغلها في أعماق أحاسيسه ومشاعره:
- فبالمعاهدة: تستقيمون على شريعة الله..
- وبالمراقبة: تستحضرون عظمة الله في السر والعلن..
- وبالمحاسبة: تتحررون من آفات النفس الأمارة، وتؤدون حقوق الله والعباد..
- وبالمعاقبة: تفطمون نفوسكم عن المخالفة وتحملونها على المراقبة والمحاسبة..
- وبالمجاهدة: تجددون للنفس نشاطها وتميتون فيها خمولها واسترخاءها...
بل بهذه السبل كلها... تصبح التقوى عادة كريمة من عاداتكم، وخلقًا أصيلًا من أخلاقكم بل تصلون بمشيئة الله إلى ذرى المكارم، وقمة الفضائل، وأعلى المنازل بل تعطون القدوة في الأقوال والأسوة في الأفعال، والمثل الأعلى في الروحانية... وعلى مثل هذا فليعمل العاملون.
أما عن أهم الروافد في تغذية الروحانية فسيكون الكلام عنها في الحلقات القادمة إن شاء الله.
«يتبع في العدد القادم»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل