العنوان سجنلوجيا عربية
الكاتب عبدالله الطنطاوى
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1989
مشاهدات 63
نشر في العدد 921
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 20-يونيو-1989
تقع هذه المسرحية الساخرة في ثمانية عشر مشهدًا، احتلت ثمانين صفحة من القطع الوسط ومؤلفها هو الكاتب السوري الساخر الأستاذ –بحق- شريف الراس.
شريف الراس فنان متعدد المواهب، وله عشرات الكتب
ومئات المقالات التي تملأ بها آلافًا من صفحات المجلات والجرائد العربية وتناولت
موضوعات شتى، أبرزها الكتابة للأطفال «له أكثر من ثمانين كتابًا للأطفال» والنقد
السياسي والاجتماعي، وهو روائي من الطراز الأول «له طاحون الشياطين والورطة
واعترافات قاتل سعيد جدًا، وتعالوا نعشق ليلى وسواها»، وهو كاتب مسرحي «مهمة سرية
جيدًا- سجنلوجيا عربية وسواهما» وهو شاعر وله ديوان معد للطبع وهو صحفي من نوع
فريد.
والقاسم المشترك لهذه الكتابات، هو الأسلوب
الساخر الذي برع فيه حتى كان الكاتب العربي الساخر بلا منازع.
وهو صاحب مسلسلات وبارمج وأحاديث إذاعية
وتلفزيونية، وما نظن مسلسله التلفزيوني «أحلى الكلام في 64 حلقة» مجهولًا من أحد
في الوطن العربي الكبير.
أصالة
فنية:
ومطالع مسرحيته الساخرة هذه «سجنلوجيا عربية»
يدرك أن الكاتب متفهم لأصول العمل الفني المسرحي، حتى أنه يرسم للمخرج خطوات
إخراجه، من حيث الحركة المسرحية والشخصيات والديكور والجملة المسرحية التي استطاع
فيها تطويع العربية الفصيحة للمسرح، أو تطويع ألسنة الممثلين على النطق بالعربية
الفصيحة كما فعل الكاتب المسرحي الراحل علي أحمد باكثير.
سجنلوجيا
عربية:
وأنا أعتذر –ابتداء- عن قصور أي تلخيص لمشاهد هذه
المسرحية التي تميزت بالتكثيف والتركيز، حتى أن «خبطة» ريشة قلمه الصناع لتعطي
الكثير من الأبعاد السياسية والاجتماعة والاقتصادية، حتى تجعلك تحار في كيفية
تقديم البديل عنها تلخيصًا وإيجازًا، وأن أي تلخيص لها سيلعب بمقومات جمالياتها
كلًا أو بعضًا.
ومشاهد هذه المسرحية قد غطت بعدًا مكانيًا
كبيرًا، هو مساحة الوطن العربي، فمشاهد هذه المسرحية قد غطت بعدًا مكانيًا كبيرًا،
هو مساحة الوطن العربي، فمشهد هنا ومشهد هناك، على طول الوطن وعرضه، أما البعد
الزماني، فمساحته هي خلاصة الواقع العربي المعيش الآن. حتى أن العربي –حيثما كان-
يحس بمأساته هنا، وبمآسي أشقائه العرب هناك وهنالك، وبهذا تكون تسميتها «سجنولوجيا
عربية» صادقة كل الصدق، ولا فخر.
محاور
المسرحية:
تدور أحداث المسرحية حول محورين هما:
1- المحور السياسي ويتمثل في حالات السيد
صابر فقعتوني هو الشخصية المحورية في هذه المسرحية.. حلاق بسيط يعيش مع أمه حياة
متواضعة جدًا، ولكن سوء الطالع يوقعه في شرك المخابرات، فيعتقل مع مجموعة من
الصحفيين ويبقى معهم عامًا كاملًا يشاهد ألوان القهر والإذلال والتعذيب الوحشي
الذي يصيبه الجلادون عليهم، ولا يفرج عنه إلا بعد أن عرف الصحفيون أن السيد صابر
حلاق وليس صحفيًا، فيحتجون على اعتقاله معهم. قالوا لمدير السجن: «اقتلونا،
عذبونا، اضطهدونا،... فكل ذلك معقول لأننا صحفيون، والصحفي يجب أن يذل ويهان...
أما أن تحبسوا معنا حلاقًا، فهذا أمر لا يمكننا قبوله أبدًا». ويدرك السجانون هذه
الحقيقة، ويكون الإفراج عنه.
ويظن المسكين أن رحلة العذاب قد انتهت، وفيما هو
جالس إلى أمه في البيت، يرن جرس الهاتف، ويكون المتحدث أحد ضباط الأمن الذي يأمره
بأن يراجع مكتب الأمن غدًا صباحًا دون أن يحدد له المركز الذي سيراجعه. وتبدأ رحلة
عذاب جديدة في حياة هذا المسكين الذي انطلق يقرع أبواب مراكز الأمن المختلفة
والمتعددة، تعبيرًا عن انضباطيته، ولكنه كان يرد منها، ويدفعه المكتب إلى سواء،
حتى يصل إلى مراجعة مكتب الوزير، وينتهي به المطاف إلى العودة إلى دكانه، ولكن حظه
العاثر جعله يكتب لافتة «كوافير» بدلًا من «حلاق» على دكانه، فيأتي رجال الأمن
اللغوي ليزجوه في أعماق السجون.
لقد أفلت من قبضة مراكز الأمن الأرضي والجوي
والبحري و.. و... ولكنه وقع في قبضة مركز الأمن اللغوي.. يا لها من سخرية.. والبعد
السياسي والقمعي بارز في هذا المحور.
ومن بئر المواجع يمتح شريف الراس هذا الدلو
المترع بالآلام.. شيخ أعمى وأخته العجوز يتوسلان للإقامة في بلد عربي هاجروا إليه
بعدما هربا من حكم «الطاغية الذي سلط وحوشه الضارية علينا، فقطعوا بالفؤوس أيدي
نسائنا لينهبوا أساورهن» ولكن الضمير العربي ما يزال مستترًا، فلن تكون إقامة بلا
ثمن، والثمن بضعة عشر ألفًا لكل فرد، ويا له من ثمن.
وفي المشهد الثامن نرى الطاغية محاطًا بالأحراس
والأزلام، والكوابيس تعكر عليه «صفو» حياته.. إنها كوابيس الشعب، عدوه الأوحد..
وفي المشهد السادس عشر نرى في أحد مراكز الأمن
–وما أكثرها- العدد العديد من المعتقلين المساكين وهم نائمون وقوفًا داخل القفص،
فالسجون غدت مكتظة بروادها.. ويزور وزير السجون السجن، فيرى خريطة بديعة للوطن
العربي تدخل السرور إلى نفسه، فيسأل: من رسم هذه الخريطة؟ فيجيبه أستاذه المعتقل
شكري أفندي: أنا يا صاحب السعادة... ويفرح وزير السجون بعمل أستاذه، ويقول له:
- أنا من تلاميذك يا أستاذي، ومنك –شهد
الله- تعلمت الوطنية الحقة، فأنت الذي علمتنا أن وطننا الكبير وطن واحد، ونحن ما
قمنا بهذه الثورة الشعبية الديموقراطية المجيدة إلا لتحقيق شعاراتك.. قل لي يا
سيدي.. هل ترغب في شيء؟ هل يمكنني أن أقدم ليسادتك أية خدمة؟
شكري: أحسن الله إليك.. في الواقع أنا بحاجة إلى
مساعدة بسيطة جدًا.
الوزير: اطلب يا أستاذي... لكن إياك أن تحرجني
بطلب الإفراج.. صحيح أنني وزير، ولكني وزير السجون لا وزير الإفراجات «يضحك».
شكري: أنا لن أزعجك بطلب الإفراج.. وإنما لي طلب
بسيط جدًا جدًا «يشير إلى الخريطة» أرأيت إلى هذا الوطن ما أطوله وما أعرضه؟ إنه
أكبر من قارة أوروبا كلها.
الوزير: «باعتزاز وابتسام» أي نعم.. وطننا واسع
جدًا.
شكري: كل ما أريده وأرجوه هو أن تعطوني من أرض
هذا الوطن الواسع جدًا ستين سنتمترًا فقط.
الوزير: ولماذا ستون سنتمترًا فقط؟
شكري: لأن هذا عرض كتفي.. وكل مناي أن أستطيع أن
أنام مستلقيًا على ظهري.
الوزير: «يضحك» بسيطة... «يلتفت إلى مدير السجن»
هل لديك مجال؟
المدير: لا.
الوزير: «لشكري» متأسف أستاذي.. لا تؤاخذنا.
وحق للوزير أن يتأسف، لأنه غير قادر على فعل
شيء... إنه مجرد منفذ، أداة تنفيذية لا حول له ولا قوة... هذا من جهة، ومن جهة
ثانية: هذا الوطن الشاسع الواسع الذي يتسع لأضعاف أضعاف سكانه الحاليين، لا يجد
فيه المثقف بل المواطن العادي ما يحشر جسده المعذب فيه.. بل إن الملايين لا تجد
القبور لتكون مثواها الأخير، ولهذا عمد الطاغية إلى شق الأخاديد في البادية لتكون
قبورًا جماعية تتسع لهؤلاء «المواطنين».
2- والمحور الثاني يتمثل في البعد
الاجتماعي بكل ما فيه من بؤس وتعاسة وأحزان، وهو يختلط بالبعد السياسي، فالقهر
والذل والمسكنة ذات مدلولات واحدة متجانسة... إنهما بعدان متلاحمان متكاتفان
متعاضدان لا ينفك أحدهما عن الآخر حيثما وجهت وجهك.
ففي المشهد الثاني من هذه المسرحية تطالعنا
شخصيات يائسة تعيسة هي:
جد وجدة وحفيدتهما اللتان استشهد أبوهما في
الحرب، يعيشون في إحدى المقابر، كما يعيش بضعة ملايين آخرين من البشر.
والمفارقات الاجتماعية في هذا المشهد مثيرة جدًا..
فبالقرب من تلك المقبرة عرس كلف أم العريس ثمانية ملايين دولار، وعندما تتساءل
الطفلة: هل ذهب العريس إلى الحرب؟ يجيبها الصحفي: طبعًا لا.. فهؤلاء لا يحاربون
أبدًا، وإنما يقولون لنا نحن: هيا يا أبطال الأمة قاتلوا العدو.
وتسأل الطفلة من جديد: إذن لماذا هو غني جدًا
هكذا؟
ويجيبها الصحفي بمرارة وواقعية: لأنه لم يذهب إلى
الحرب.
ترى.. أي مرارة هذه؟ وأي سخرية؟
ومن هذا القبيل... من فساد الأجهزة والدواوين
والموظفين الذين لا تهمهم مصلحة أوطانهم ولا سمعتها، نطالع في المشهد الرابع
مواطنًا كان مغتربًا ثم قرر العودة مع زوجته الفرنسية إلى الوطن، مخلفًا كل شيء
وراءه، وعندما يصلان إلى حدود الوطن يبدأ مسلسل الفواجع في اثني عشر حاجزًا يبتزه
رجالها ابتزازًا يندى له الجبين، فالسلب والنهب هما شعار حراس الأمن الغذائي
والأمن الثقافي والأمن الصحي والأمن الإلكتروني والجوازات وسواهم...
ومن هذا القبيل أيضًا، من بئر الفساد الآسن،
يطالعنا المشهد العاشر بمأساة كمأساة ابنة الشهيد... هنا زوجة شهيد آخر تعيش مع
أطفالها الثلاثة حياة الفقر والحرمان، حتى يأتيها «الفرج» عبر مكافأة متواضعة يجود
بها الزعيم على أسر الشهداء، وعندما تذهب المسكينة إلى الموظف لقبضها، تبدأ مأساة
جديدة، فالموظف الأول يطلب منها أن تشتري بطاقة من الدرجة الأولى لمباراة كرة
القدم، والموظف الثاني يأمرها بأن تشتري بطاقة لجميع حفلات مهرجان الفنون الشعبية،
حيث الرقص والغناء والتمثيليات الفكاهية، وثمن هذه البطاقة ضعف ثمن البطاقة الأولى،
والموظف الثالث يطالبها بشراء أربع بطاقات أخرى والموظف الرابع نائم، والموظفون
هؤلاء جميعًا من فئة التنابل، فهذا يقرأ جريدة، وذاك يحل كلمات متقاطعة، والآخر
نائم.. فساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها ما بعده فساد.. رشوة وابتزاز وتعطيل لمصالح
العباد.
وفي المشهد الحادي عشر موقفان عابثان ساخران،
الأول من الأكوادور والثاني من السلفادور.. تبذير وإسراف من الرؤساء، وفقر وجوع
وحرمان للشعوب المغلوبة على أمرها.
ولعل قمة السخرية التي تثير كوامن المواجع، ما
نطالعه في المشهد الرابع عشر.. إذ نرى سيدة سمينة محملة بأثقال الذهب، يتبعها
طفلان حافيان وثيابهما رثة ووسخة ومهلهلة، يحملان لافتة كبيرة ينوءان بحملها،
مكتوبًا عليها: «المؤتمر الحادي والعشرون للطفولة السعيدة» وهما في غاية الجوع
والفقر والرثاثة.. وهناك شرطي رث هو الآخر يمسك بطفل رث، يريد أن يسرق ما معه بعنف
وقسوة.. إنه مشهد يثير الغثيان، بلغ شأوًا بعيدًا في إبراز التناقضات في
حياتنا..شعارات براقة، وواقع موجع..
أزمة
الحرية:
لقد اختصر شريف الراس مآسي أبناء أمتنا في هذه
اللقطات السريعة المكثفة التي أراد من خلالها أن يقول بملء فيه: إن أزمة الأزمات
في أمتنا هي الحرية، فحيث لا حرية لا تقدم ولا تنمية ولا شبع ولا كرامة.. بل يتوضع
التخلف الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي حيث يكون الكبت والقمع
والإرهاب والتجويع.. وفي ودي أن أنقل هذه اللوحة الساخرة عن الحرية التي يتبجح بها
بعض القادة والزعماء الغارقين في أوحال الاستبداد:
الزعيم: أنا أريد أن أعرف... لماذا يحقد علي
الشعب هذا الحقد الرهيب؟
«الجميع يظلون صامتين»
الزعيم: «للشيوخ الثلاثة: شيخ الطبالين وشيخ
الوراقين وشيخ القوالين» ما لكم لا تتكلمون.
شيخ الوراقين: أتريد الجواب في الحال، وإلا «يشير
إلى الباب المفتوح» أحصركم في هذه الغرفة إلى أن تنطقوا بالجواب الصحيح.
مهلبية: وأنا معهم يا صاحب العزة؟
الزعيم: لا... أنت تبقين معي... لا أستطيع أن
أستغي عند خدماتك.. أما هؤلاء فما أسهل أن أجد شيخ طبالين غير هذا، وشيخ وراقين
يكتب أحسن من هذا، وشيخ قوالين يلعلع صوتًا وصورة أفضل من هذا... «للثلاثة» إيه..
ماذا قررتم؟
الشيوخ الثلاثة معًا وبصوت واحد: أنقول ونحن
آمنون؟
الزعيم: قولوا وأنتم آمنون.
الشيوخ الثلاثة وبصوت واحد: الشعب يريد الحرية.
الزعيم: ماذا؟
الثلاثة: الشعب يريد الحرية.
الزعيم: «بابتهاج» وما المانع؟.. شعب عظيم قدم
الكثير من التضحيات وهو جدير بالحرية أعلنوا على الملأ جميعًا أني قررت أن أمنح
شعبي كل الحريات على الإطلاق.
«حالة الارتياح والفرح على الوجوه جميعًا».
الزعيم: هيا.. اذهبوا واكتبوا كلمة «الحرية» على كل
الجدران.
شيخ الوراقين: عفوا يا سيدي الزعيم الأعظم.. لم
أفهم قصدك.
الزعيم: كلامي واضح تمامًا.. لقد قررت أن أمنح
شعبي كل الحريات على الإطلاق، وذلك بأن يجد المواطن كلمة «الحرية» مكتوبة أمامه
كيفما التفت.. علقوا كتابة «الحرية» في كل مكان... على الجدران، فوق كل الأبواب.
أرأيتم؟ هذه هي الحرية في مفهومها الطاغوتي
الغثائي..
قال أحد النقاد معلقًا على هذه المسرحية في
طبعتها المصرية الثانية:
«إن التغيير عادة يحدث بعد أن تتركز في
النفس قناعة بضرورة التفكير في إحداث التغيير والمرحلة الفاصلة بين فعل التغيير
وولادة إرادة التغيير هي التي تشهد أعمالًا فنية تسهم في إطلاق شرارة التفكير
بضرورة القيام بفعل التغيير.. وهذه هي رسالة شريف الراس التي أداها في هذا العمل
الفني».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل