العنوان سجن أبو غريب.. ملاحظات
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004
مشاهدات 65
نشر في العدد 1601
نشر في الصفحة 19
الجمعة 21-مايو-2004
الملاحظ في فضيحة سجن أبو غريب أن الطرف العربي المفعول به الجريمة، والذي وقعت الجريمة على أرضه بقي غائبا عن مسرح الحدث، وأن ظهوره كان على استحياء، ولكن الموقف في مجمله اختار في هذا الحدث مقاعد المشاهدين حتى بيانات التنديد والشجب والاستنكار التي كنا نتندر بها كمثال على هشاشة الموقف العربي في المواقف الكبرى.. حتى هذه لم نسمع بها.. ويبدو أن آلة الشجب والعنتريات العربية قد تكسرت أو بليت ونسي أصحابها إصلاحها أو تغييرها أو ربما يبدعون آلة أخرى جديدة.
والجدير بالعجب في تناول إعلامنا العربي للقضية أن البعض لم يستح وهو يحاول تقديم المبررات والمعاذير لمقترفي الجريمة من المجندين والمجندات الأمريكيين، بل إن البعض أجرى مقارنة بين ما فعله المجرم صدام حسين وما فعله الأمريكان في أبو غريب.. وخرج بنتيجة أن أعمال صدام كانت أكثر وحشية ودموية، وهذا صحيح، ولكن السؤال: هل صار من قدر الإنسان العربي.. عند أولئك العميان أن يعيش حياة الذل ويموت معذبًا، فإن لم يكن على يد طواغيته الوطنيين، فليكن على يد جبابرة الاحتلال.. وذلك أرحم!!
المقارنة ظالمة، ويجب أن تختفي من قاموسنا وحياتنا السياسية وإلا إذا كنا سنظل ننظر لأنفسنا بهذه النظرة الدونية.. فلن يكون من المنطقي مطالبة الآخرين باحترامنا كبشر.
والملاحظ أيضًا في فضيحة أبو غريب, أن القضية برمتها أمريكية بحتة.. فالذي ارتكب الجريمة هم من المجندات والمجندين الأمريكيين، والذي فجر القضية هو الإعلام الأمريكي «قناة C.B.S» والذي اهتز لها بداية هو «المجتمع الأمريكي» والذي تحرك بناء على ذلك لإجراء تحقيقات واسعة من أعلى الإدارة حتى وحدات الجيش هو البيت الأبيض والكونجرس.. وبقينا نحن في مقاعد المشاهدين لنرى سيناريو الحدث وتفاعلاته وإخراجه بعيدًا عنا نحن المفعول بنا الجريمة.
وبينما مارس البعض من إعلامنا منطق التبرير لما حدث، محاولًا ألتماس العذر وحصر الفضيحة في نطاق مجموعة من العسكريين الذين تصرفوا من تلقاء أنفسهم.. ومحاولًا فصل ما جرى عن سياسة الجيش الأمريكي وعقلية وعقيدة الإدارة الحاكمة.. كان الرد عليهم يأتيهم من الإعلام الأمريكي نفسه، مؤكدًا أن الجيش وقياداته لم تكن بمعزل عما جرى وأن ما حدث هو سياسة إدارة وجيش وليست أخطاء أفراد.
المسألة هنا تحتاج إلى وقفات مهمة:
أولًا: إن من يراجع الصور المنشورة ويدقق في مشاهدها يتوصل بسهولة إلى حقيقة شخصيات الذين قاموا بالتعذيب، فالتقزز الذي عبر عنه الرئيس بوش هو من فعل شواذ نفسيًا وأدميًا، وتلك مشكلة كشفت عنها صحيفة «لوس أنجلوس» في عددها الصادر يوم السبت 3/4/2004م، قائلة: «إن الظروف الصعبة التي تواجهها القوات الأمريكية في العراق كشفت مشكلة الشواذ جنسيًا في الجيش الأمريكي بعد سنوات من إقرار قانون يسمح للشواذ جنسيًا بالانضمام إلى القوات المسلحة «تم إقرار القانون في عهد كلينتون» بشرط الاحتفاظ بميولهم الجنسية لأنفسهم وعدم التورط في أي ممارسة علنية، من شأنها الكشف عن هذه الميول..».
لكن لم يتم الالتزام من قبل هؤلاء الشواذ، فأصبح من يفتضح أمره يلاقي الطرد من الجيش.. وتقول الأرقام إنه تم تسريح أكثر من 10 آلاف مجند بسبب ممارسة الشذوذ أو الإعلان عنه في أثناء الخدمة العسكرية وذلك خلال العشر سنوات الأخيرة وهي عمر القانون الحالي.
ثانيًا: إن حصر الجريمة في هؤلاء الشواذ الموتورين هو تبسيط مخل لما حدث وإخفاء للحقيقة الكاملة خاصة أن الشهادات صارت تتوالى من مقترفي الجريمة وتثبت أن ما حدث كان سياسة مخططًا لها وتم تنفيذها بعلم قادة الجيش, وهي ليست منفصلة عن الإدارة الأمريكية، فتقارير منظمة العفو الدولية تحدثت بانتظام عن هذه الممارسات قبل أن تنشر صورها وسائل الإعلام الأمريكية، لكن أحدًا لم يعرها انتباها.
وتقول «سابرينا هارمان» وهي إحدى المجندات المتهمات في الفضيحة في رسالة بالبريد الإلكتروني نقلتها وسائل الإعلام-: إنها تصرفت بهذه الطريقة بأوامر مباشرة من الاستخبارات العسكرية التي أرادت زعزعة معنويات المعتقلين قبل استجوابهم.
وقالت الناطقة باسم مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بغداد لصحيفة الحياة «9/5/204م»، إن الصليب الأحمر أبلغ الانتهاكات لكونداليزا رايس ووزير الخارجية كولن باول ونائب وزير الدفاع وولفويتز في يناير الماضي. وستظل الشهادات تتوالى مؤكدة أن المسألة سياسة جيش بأكمله.
الجريمة التي حدثت لم تكن أمرًا مفاجئًا ولا هي جديدة في تاريخ الاستعمار القديم والحديث الحافل بمخازي وجرائم يشيب لها الولدان، وهي جرائم كان يمارسها الاستعمار جهارًا نهارًا، وهو لا يلوي على شيء، لكن المعضلة فيما حدث في العراق، وتم الكشف عنه... وما يحدث في جوانتانامو وأفغانستان، وسيتم الكشف عنه إن عاجلًا أو آجلًا.. أن الولايات المتحدة أحاطت حروبها الأخيرة في أفغانستان والعراق بشعارات التحرير والديمقراطية وحقوق الإنسان والرفاهية، فإذا بهذه الشعارات تسقط وتسقط معها المصداقية.. مصداقية الإمبراطورية الكبرى وهو ما يحاولون ترميمه.. ولكن بعد فوات الأوان.