; سراق الثورات | مجلة المجتمع

العنوان سراق الثورات

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 05-مارس-2011

مشاهدات 55

نشر في العدد 1942

نشر في الصفحة 33

السبت 05-مارس-2011

قد يسعد الإنسان ويفرح عندما يرى أناسًا مخلصين أصحاب مبادئ ومثل وعزائم وهم ينجحون في تحقيق أحلامهم ويفوزون بنبيل غاياتهم، ولكنه يبتئس ويحزن حين تسرق هذه الأحلام، وتغتال تلك الغايات.

وهذا يقودنا إلى ما يحدث عند سرقة الثورات، نعم كانت هناك ثورات غربية وإسلامية، وقدمت خلال هذه الفترة تضحيات وسالت دماء وأزهقت أرواح بريئة في خضم تلك الثورات، ولكنها للأسف سُرقت، ليرجع بها إلى ما كانت عليه الأمة قبل تلك الثورة، ويضيع بذلك جهود ودماء المجاهدين الشهداء.

وقد ثارت الشعوب وقامت الثورات لما شعرت بالمهانة إلى حد لا يطاق وبلغ السيل الزبي، وكممت الأفواه ونهبت الثروات وتبلدت أحاسيس الحكام واستعملوا الشعوب كخدم واستباحوا أممهم كقطيع، يذبحون الناس في شبه ويأخذونهم بالظنة ويلفقون للأبرياء التهم تخوفًا من أن يفتحوا فما أو ينطقوا بما لا يريدون، فلا حقوق إنسان ولا عدالة ولا قانون أو حرية أو آدمية، وقد ازدادت الضغوط على الناس أفرادا وجماعات أحزابًا ونقابات حتى تشرذمت وتفتت وعمها الشكوك والتوجسات أزمانًا طويلة وسنين عددًا، وساعد في تحللها وذهاب ريحها إرهاب طويل، وعسف متواصل واعتقالات وسجون وظلمات بعضها فوق بعض مع عدم وجود الناصر، أو المعين, والحقيقة أن الأسباب في ذلك كثيرة ومتعددة، وكان من أبرزها الاستبداد اللعين والدكتاتورية البغيضة التي جثمت على صدور الناس لعقود طويلة حتى محت شخصيتهم ودجنتهم لما يملى عليهم، فأعطت بذلك للدكتاتور قوة وسطوة استطاع بها أن يهمش شخصية الأمة كلها ويسوقها إلى حيث يهوى ويريد وتجيء الثورات فتحيي الأمة من جديد وترد لها كرامتها وإنسانيتها وتمنحها عزتها وهويتها ويأتي السراق ليختلسوا ذلك، وشيئًا فشيئًا ينسبون إلى أنفسهم أنهم سدنة الإصلاح وأربابه، وأنهم أمناء عليه وأصحابه، وهم كاذبون.

لا تصغ يا ولدي إلى ما لفقوه ورددوه  

من أنهم قاموا إلى الوطن السليب فحرروه 

لو كان حقًا ذاك ما جاروا عليه وكبلوه 

ولما رموا بالحر في كهف العذاب ليقتلوه 

ولما مشوا بالحق في وجه السلاح ليخرسوه 

هذا الذي كتبوه مسموم المذاق 

لم يبق مسموعا سوى صوت النفاق 

صوت الذين يقدسون الفرد دون الإله 

ويسبحون بحمده ويقدمون له الصلاة. 

والثورات التي قامت في العالم العربي قطفت ثمارها لغير إرادة الشعوب؛ ففي مصر قامت ثورة التغيير ظاهرها الإصلاح والتمسك بالقيم بعد الملك «فاروق»، والشعب المصري كان يريد الإسلام على وقع إصلاح الأستاذ الإمام محمد عبده وشيخه جمال الدين الأفغاني والإمام البنا، وقال السارقون نحن على خط الإخوان وذهب عبد الناصر ورفاقه إلى قبر الإمام البنا وكتبت مجلة «التحرير» على صدر غلافها «عدد ٤٤، بتاريخ 16/21954م», تعليقًا على صورة لعبد الناصر يقف على قبر الإمام البنا في ذكراه الخامسة, والمشهد مؤثر فعلًا, يُوحي بالخشوع والإجلال والتأثر العميق، ويزداد الخشوع والتأثر حين تسمع خطاب جمال عبد الناصر على قبر البنا وكلمته الرائعة التي يقول فيها: «إنني أذكر هذه السنين والآمال التي كنا نعمل من أجل تحقيقها، أذكرها وأرى بينكم من يستطيع أن يذكر معي هذا التاريخ وهذه الأيام، ويذكر في نفس الوقت الآمال العظام التي كنا نتوخاها ونعتبرها أحلامًا بعيدة».

نعم أذكر في هذا الوقت، وفي مثل هذا المكان كيف كان حسن البنا يلتقي مع الجميع ليعمل الجميع في سبيل المبادئ العالية والأهداف السامية، لا في سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنيا, ثم قال: «وأشهد الله أني أعمل إن كنت أعمل لتنفيذ هذه المبادئ، وأفني فيها وأجاهد في سبيلها».

وقام صلاح سالم من بعده فقال: «إن هذه الأخلاق العالية والصفات الحميدة قد اجتمعت وتمثلت في شخص أستاذ كبير ورجل أجله، وأحترمه واعترف بفضله العالم الإسلامي كله، وقد أحبه الجميع من أجل المثل العليا التي عمل لها، والتي سنسير عليها إلى أن يتحقق لنا ما نريده من مجد وكرامة في أخوة حقيقية وإيمان أكيد، رعاكم الله ووحد بين قلوبكم وجمع بينكم على الخير».

فلما تولى الضباط الأحرار كادوا للإخوان ولفقوا لهم التهم وقتلوهم على أعواد المشانق وأدخلوا الألوف منهم السجون بأحكام قاسية بلغت ٢٥ عامًا مع الشغل.

وفي اليمن قام العلماء والقضاة والأدباء كالزبيري وابن النعمان والكبسي وغيرهم بثورة على الإمامة فقفز «عبد الله السلال» الطالب النجيب «لعبد الناصر» فخطف هو والعسكريون ثورة اليمن.

وقام الجزائريون بثورتهم المجيدة ضد الاستعمار الفرنسي يقودها علماء كبار كعبد الحميد بن باديس والإبراهيمي وغيرهما ممن يحمل روح الإسلام، فلما استقلت الجزائر حکمت بحكم اشتراكي وتغريبي حرم الشعب الجزائري المسلم من طموحاته وتطلعاته إلى حكم الإسلام كما قال عبد الحميد بن باديس «شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب». 

وفي السودان قامت ثورة مهدية إصلاحية تحمل مشروع النهضة الإسلامية، فلما طرد المستعمر الإنجليزي تولى عسكر لا يفقهون في الإسلام شيئًا، فرفضوا الشريعة وجاؤوا بدستور أجنبي تغريبي وكانوا لعنة على شعوبهم. 

وفي ليبيا كان أحفاد وطلاب المجاهد الشهيد «عمر المختار» يتوقون إلى رفع راية الإسلام، ففوجئ الشعب الليبي بخطف ثورته بحكم نحى الشريعة وصادر الحريات، وفعل بها ويفعل اليوم ما تقشعر منه الأبدان. 

وفي العراق وسوريا كان الشعب مسلمًا 100% تحت راية الإسلام، فلما تولى حزب البعث في البلدين كانت أول فتوحاته أن تنكر للشريعة ونحى الإسلام جانبًا، وكان طلابه من الرفاق يهتفون كل صباح: «آمنت بالبعث ربا لا شريك له وبالعروبة دينا ما له ثان»، سبحانك ربي، هذا بهتان عظيم وسرقت هذه الثورات وكم من ثورات مرشحة للسرقة فهل نعي ذلك ونفهمه؟ والأمثلة على ذلك كثيرة، نسأل الله السلامة.

الرابط المختصر :