العنوان سراييفو تدعوكم للاستثمار
الكاتب خالد بن عبدالرحمن درويش
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998
مشاهدات 63
نشر في العدد 1300
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 19-مايو-1998
بعد توقف القتال في البوسنة شهد العمل الإسلامي انحسارًا ملموسًا في عدد الهيئات العاملة وإمكاناتها على عكس الهيئات والجمعيات التنصيرية التي تضاعف عددها 3 مرات بعد الحرب!
الحديث عن البوسنة ذو شجون.. والناظر إلى الأمر بعين فاحصة يرى أن العمل والتحرك الإسلامي لنصرة المسلمين في البوسنة ما هو في الحقيقة إلا استجابة لعاطفة الأخوة الإسلامية التي أبت أن ترى ما يقاسيه الشعب البوسني من حرب إبادة من قبل الصرب دون أن تمد لهم يد الغوث والمساعدة والتي كانت تمدها على استحياء بادئ الأمر.
وإلا فأين كان المسلمون حينما تعرض إخوانهم في البوسنة والهرسك للتهجير وطمس الهوية في ظل الكيان اليوغسلافي؟ ولماذا لم نسمع عن ذلك القطر المسلم حينئذ؟
بل أين المسلمون عند تفكك يوغسلافيا، بعد السقوط المروع للشيوعية في أصقاع العالم وقيام الجمهوريات المؤلفة للاتحاد اليوغسلافي بالاستقلال، فصربيا، وكرواتيا، والجبل الأسود لماذا لم يمدوا يد العون لإخوانهم في البوسنة الهرسك، إذ كانت دولتهم الإسلامية الوليدة قلب أوروبا تحتاج إلى النصرة والتأييد في كافة المحافل الدولية وعلى مختلف الأصعدة؟
وبعد إعلان قيام الدولة، لماذا لم يبادر المسلمون إلى مد جسور التواصل مع إخوانهم؟
لماذا لم يتخذوا خطوات عملية لنشر الثقافة إسلامية في هذا القطر العائد من رحلة التغريب والتشريد التي استمرت أكثر من أربعين عامًا؟
للأسف الشديد لم نسمع عن البوسنة الهرسك شيئًا ولو يسيرًا إلا بعد وقوع الكارثة عندها أخذ المسلمون في التحرك، وتعالت أصوات، ودبجت الخطب، ونمقت الأشعار، وكلها يدعو إلى النصرة، وأخذت وسائل الإعلام المختلفة تُذكر بالمسلمين في البوسنة!
لو علم الصرب أن هناك مجتمعًا إسلاميًا غيورًا يقف خلف شعب البوسنة لترددوا كثيرًا قبل أن يفعلوا فعلتهم.. ولكنهم رأوا تشرذم المسلمين وانشغالهم عن إخوانهم، بل جهلهم بوجودهم أصلًا، فأسقطوهم من حساباتهم.
وقعت الكارثة وخيم ليل الحرب الأسود على سماء البوسنة، وهب المسلمون لنصرة إخوانهم عندما رأوا من تكاتف الصرب وشيعتهم من الأرثوذكس وسائر المجتمع الغربي، وتألبهم للقضاء على الإسلام في ذلك القطر الإسلامي الوليد.
تحرك متأخر: تحرك المسلمون أخيرًا فانتشرت الهيئات الإغاثية الإسلامية في البوسنة جنبًا إلى جنب مع الهيئات الغربية التنصيرية فكانت النسبة الأولى إلى الثانية ضئيلة جدًا.
وقد كان من أهم أهداف الجمعيات والهيئات الغربية تنصير المسلمين في البوسنة، وإن لبست أقنعة مختلفة، طبية غذائية، وغير ذلك، مستغلين الوضع المأساوي للمسلمين في البوسنة، فضلًا عن قيام الكثير من الهيئات بتهجير نساء وأطفال المسلمين إلى مختلف الدول الأوروبية ووضعهم في الأديرة والكنائس تمهيدًا لتعميدهم، كل ذلك تحت مرأى ومسمع من العالم أجمع.
وبعد أربع سنوات من الإبادة المنظمة ضد المسلمين توقفت الحرب وتم التوقيع على معاهدة السلام، فهل جنى المسلمون في البوسنة ثمار الحرب بالحفاظ على هويتهم الإسلامية؟
هل سعى المسلمون في أنحاء العالم الإسلامي لتكثيف جهودهم، وتضميد جراح إخوانهم، وإزالة الآثار النفسية المدمرة التي خلفتها الحرب؟
هل عملوا على مساندة الحكومة البوسنية الجريحة وشعبها والشد من أزرها؟
وهل هناك تعاون ثقافي وتعليمي واقتصادي بين الحكومة البوسنية والعالم الإسلامي؟
إن الواقع في البوسنة بعد الحرب يشهد بأن الحاجة ماسة لمضاعفة الجهد لتلافي آثار الحرب ومنح البوسنيين هوية إسلامية من خلال توضيح معالم الدين الحنيف لهم، ولن يتم ذلك إلا بمؤازرتهم وتضميد جراحهم، ونشر الثقافة الإسلامية بينهم بالمساهمة في فتح المعاهد والمراكز الدعوية المؤهلة.
الواقع بعد الحرب
ولكن ما حدث عكس ذلك، فالواقع هناك يشهد انحسارًا ملموسًا في العمل الإسلامي، فبعد وجود ما يقارب ثلاث وعشرين هيئة إغاثية إسلامية أثناء الحرب تقلص العدد إلى اثنتي عشرة هيئة وجمعية تقريبًا بعد أن سكتت مدافع الحرب، بل إن الموجود منها تقلصت إمكاناته إلى 10% فقط من الإمكانات السابقة، والسبب في ذلك أن الكثير من المسلمين الباذلين للمال توقفوا عن البذل ظنًا منهم أنهم قاموا بالواجب أثناء الحرب، أما وقد انتهت فمسلمو البوسنة ليسوا بحاجة إليهم، وفات هؤلاء أن ما تبرعوا به أثناء الحرب كان للحفاظ على حياة - مسلمي البوسنة، أما الآن فالحاجة ماسة لتكثيف الجهود للحفاظ على هويتهم الإسلامية.
ومما يدعو للقلق ما نلاحظه على الصعيد الآخر من اقتناص الغرب للفرصة التي منحها لهم المسلمون بانشغالهم بقضايا أخرى وانسحابهم فشغل الغرب المكان الشاغر، وتضاعفت أعداد الجمعيات والهيئات التنصيرية من 100 هيئة وجمعية تقريبًا حال الحرب إلى ما يقارب 300 هيئة وجمعية بعد الحرب، ووسعت من نشاطاتها لتشمل جميع النواحي الصحية، والتعليمية، والاقتصادية والثقافية، وكذلك الإعلام الذي لعب دورًا بارزًا في تشويه صورة المسلمين والعرب لتنفير مسلمي البوسنة منهم بغية عزلهم وتذويبهم في المجتمع الغربي، إلى جانب توفير الغذاء والكساء للمحتاجين في المخيمات المختلفة واستمالتهم للدين النصراني بذلك العمل.
لو بذل أهل الحق لنصرته مقدار ما يبذله أهل الباطل لنصرة باطلهم، أما كان يمكن أن يتغير وجه العالم؟
إن الغرب لا يلام على الدعوة لمعتقده فهو يقوم بواجبه تجاه ما يدين به ويعتقد، لكن العتب كل العتب على الجم الغفير من المسلمين الذين تقهقروا وأحجموا عن نصرة إخوانهم، وهم في مسيس الحاجة إليهم، صحيح أن الحرب في البوسنة قد توقفت ولكن هذا في الظاهر فقط وإلا فهناك حرب أخرى تدور رحاها، إنها الحرب الباردة التي تستهدف تقويض الكيان الإسلامي بالبوسنة بغزوهم فكريًا وثقافيًا والهيمنة على الاقتصاد البوسني، ليتسنى لهم من خلاله تشديد القبضة على خناق الشعب المسلم وتوجيهه أني شاؤوا.
ولنا أن نتساءل: ما مدى مساهمة المسلمين في إعمار البوسنة والهرسك؟ وهل دخل المسلمون مع الغرب في سباق التجارة والاستثمار في البوسنة؟ وهل استجابوا للنداءات المتكررة من مسلمي البوسنة بهذا الخصوص؟ وما الدور الذي قام به المستثمرون من العالم الإسلامي لاستغلال الفرص الاستثمارية المتاحة هناك؟ فالبوسنة أرض خصبة للاستثمار السياحي والصناعي والتجاري نظرًا لموقعها الاستراتيجي وطبيعتها الخلابة، فلماذا لا تهب الشركات الإسلامية لتحظى بنصيب من السوق البوسنية والمساهمة في بناء اقتصاد الدولة؟ وخصوصًا أن البوسنيين يفتحون المجال أمام رأس المال الإسلامي ويذللون له الصعاب، أليس ذلك أفضل من تركهم فريسة في أيدي مستثمري الغرب يملون عليهم الشروط تلو الشروط بما يخدم مصالحهم ومصالح بلدانهم؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل