; سرقة العقل العربي | مجلة المجتمع

العنوان سرقة العقل العربي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

مشاهدات 67

نشر في العدد 888

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

العقل العربي يسرق على مرأى ومسمع من الحكومات العربية التي لا تحرك ساكنًا. بل إن الجرائد العربية القومية وغيرها تنشر الإعلانات المدفوعة الأجر لهذه السرقات المنظمة.

إعلانات الهجرة إلى العالم الغربي، توحي وكأن موسم الهجرة إلى الشمال قد بدأ. فالكثير من هذه الإعلانات يظهر في جرائدنا العربية وفي دول مختلفة تقوم فيها المكاتب الاستشارية القانونية بتشجيع من الحكومات بتقديم الخدمات الاستشارية حول إتمام عمليات الهجرة المشروعة إلى الغرب، وبالتحديد كندا وأستراليا، بل إن إحدى الصحف القومية لم تتوان عن إجراء مقابلة مع أحد السفراء الذي لم يخف أو ينكر هذا الأمر بل اعترف به صراحة. الإحصائيات تقول بأن عملية إعداد المواطن العربي تكلف حوالي ١٠٠٠ دينار كويتي في أول خمس سنوات من عمره ثم حوالي ٢٠٠٠ د. ك.. في الخمس سنوات التالية، وما أن يبلغ العشرين حتى تكون الدولة قد أنفقت في المعدل بحدود ١٣٠٠ د. ك. أمّا لو تعلّم في إحدى الدول الغربية فإنه سيدفع مثل هذا المبلغ خلال سنوات تعليمه الأربع.. أي أن العربي الذي تعلم في الغرب يكلف بلده بحدود ٢٦٠٠٠ د. ك حين التخرج. 

إنهم يشترون البشر:

العالم الغربي الذي يعاني من مشاكل عديدة في النماء السكاني وهو بالسالب في معظم بلدانه، وتتكلف عملية إعداد المواطن الصالح فيه أضعاف ما تتكلفه في البلاد العربية يشترون البشر الجاهز من مستودعات التخلف في دول العالم الثالث. يشترونهم مثقفون بعد أن تم إعدادهم علميًا وتم صقلهم بالخبرة العملية وبعد أن ادخروا مبالغ من المال لا تقل عن عشرة آلاف دينار كويتي.

العالم الغربي يشتري المواطن العربي بعلمه وخبرته وتحويشة عمره بورقة اسمها (الجنسية)!

لماذا هاجروا؟

ما الذي يبحث عنه المهاجر في بلاد الغربية، وهو يترك مسقط رأسه وبلاده التي عاش فيها طويلاً.. ما الذي يدفعه إلى تحمل الأم الغربة وتحمل المغامرة وما قد يأتي به المجهول؟

غالبية المهاجرين فلسطينيون ولبنانيون ومصريون ثم من المغرب العربي، ثم تأتي الجنسيات الأخرى.

انهم يبحثون عن الانتماء والأمان والاحترام وحرية الاعتقاد، وهي أمور لم يجدوها في بلادهم. كثير من هؤلاء المهاجرين لم يكن بحاجة إلى المال أو العمل، بل هجر بلاد العرب ومعه من المال الشيء الكثير لأنه لم يجد دولة تمنحه الجنسية، أو لأن النظام الإداري العفن المعشش في أروقة مؤسساتنا وشركاتنا العربية يقوم على مبدأ وصول صاحب الواسطة والمقرب من أولي الأمر لا حسب الكفاءة. والخبرة.. فخرج ليحقق ذاته المفقودة في بلاد الغرب.

لماذا هاجر فاروق الباز مثلا وهو عالم الجيولوجيا الفضائية المشهور... وهو من أصل مصري. لعله لو بقي في مصر عبد الناصر لبقي موظفًا يقتات على الفتات وظل كذلك حتى يحال على المعاش. كفاءة فاروق الباز كيف استغلها العرب ثم كيف استغلها الغرب؟ هل تريدون أسماء أخرى؟ مجدي يعقوب جراح القلب البريطاني الشهير، وكثيرون غيرهم من الناجحين هناك ما رأيكم بالدكتور حسان حتحوت؟

هل ضاقت بلادنا العربية التي تزيد على العشرين بأبنائها، وخيرة أهلها من أصحاب الكفاءة العلمية والخبرة الفنية والخلق؟

هجرة عائلات لا أفراد:

إن نمط الهجرة السائد الآن في البلاد العربية هو هجرة عائلات بأكملها وليس مجرد أفراد... الإحصائيات غير الرسمية تقول بأن إعلانات الهجرة قد استطاعت أن تجتذب من منطقة الخليج لوحدها أكثر من ٧٠٠ عائلة عربية خلال عام، يبلغ متوسط عدد أفرادها خمسة أفراد، ويبلغ ما لديها من رؤوس أموال حوالي ٣٥ ألف دينار كويتي للعائلة الواحدة.. ومنهم عدد كبير من القطاع النفطي والتجاري. هذا ببساطة يعني أن الخسارة المادية المباشرة لهجرة هؤلاء الأفراد تتمثل في الإحصائية التالية، وفي خلال عام واحد فقط:

۱ - انخفاض مباشر في عدد السكان بمقدار ٣٥٠٠٠ عربي مسلم.

۲ - خسارة مباشرة لمبلغ 24.5 مليون دينار كويتي من رؤوس الأموال لا تشمل تكلفة إعداد هؤلاء الناس حتى يصبحوا منتجين.

٣- خسارة ما معدله ١٥٠٠٠ سنة من الخبرات العلمية والفنية.

هذا الفراغ الكبير الذي يتركه العرب المسلمون في بلادنا يتصارع على ملكه أصحاب العقائد والجنسيات المخالفة والذين يشكل مجرد وجودهم تهديدًا خطيرًا لعقيدتنا بل ووجودنا من أساسه!

الإنسان هو ثروة الحضارة:

كما أن هذا يعني أن الخبرات والأموال المهاجرة ستترك بلادنا وهي في أشد الحاجة إليها لتحقيق التنمية والتقدم الذي تعد بلادنا له وتتغنى به دومًا دون أن نفطن بأن العنصر الأول الذي تقوم به وعليه التنمية وهو مصدرها، بل وكذلك هدفها هو العنصر البشري... وأن المسلم العربي أولًا ثم العنصر المسلم غير العربي ثانيًا هو ثروة أصيلة أينما حل في بلادنا، وأن كسبه بالتجنيس والتوطين ومنحه الأمان والاستقرار الوظيفي والنفسي هو مكسب لنا جميعًا. 

إن الإنسان هو ثروة الحضارة به تقوم الأمم وهو الذي يصنع أحداث التاريخ ويدفع عجلة التقدم الحضاري والعلمي للأمام.. والمشكلة العظمى أن الغرب يدرك هذه الحقيقة ويعرف كيف يحسن استغلالها وتطبيقها في حين تفشل حكوماتنا في كسب ثقة شعوبها وتأمين مستقبلهم. ترى ما قيمة الولايات المتحدة اليوم بدون أينشتاين» أو بدون فرنر براون؟ ليس هؤلاء وحدهم الذين يستحقون التكريم بل الشخص الذي اتخذ قرارًا بمنحهم الجنسية الأمريكية كذلك، فقد كانوا سببًا في دخول أمريكا عصر الذرة وسبر أغوار الفضاء الخارجي.

الإجراء المعاكس:

ما هو الرد العكسي الذي ستتخذه الحكومات العربية في مواجهة سرقة عناصرها البشرية علنا؟

هل يكفي منع الإعلانات المبوبة في الجرائد لوقف الهجرة؟ وهل يكفي عرض الجنسية والإقامة الدائمة على البعض ولو من باب رفع (العتب والملام)؟ إنه لا بُدَّ من إعادة النظر في سياسة التجنيس التي قفزت فوق المخلصين لتمنح ميزات الجنسية لمن لا يستحقها لأنه بغير ولاء. ولا بد من تحسين الأوضاع الوظيفية والمعيشية لكل مواطن وخاصة أصحاب الكفاءات والخبرات والمبدعين.. والحكمة تقول: من عاشر قومًا أربعين يومًا صار منهم، فكيف بمن قضى عشرات السنين بين أظهرنا وعلى تراب أرضنا. لا بد من تشجيع نماء الأفكار وإفساح المجال للطاقات للإبداع من خلال الشركات والمؤسسات ومعاهد العلم، إن بلادنا العربية تعاني من فراغ سكاني، وإذا لم نملأها بأبنائنا المسلمين العرب ملأها غيرنا، وهم كثير قد ضاقت بهم أرضهم كما في الهند وشرق أسيا. إن إعلانات الهجرة بحد ذاتها ليست هي الخطر، بل هي الأسباب التي تشجع على الهجرة وما أكثرها في بلاد المسلمين!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 87

105

الثلاثاء 15-فبراير-1972

لا تطفئوا مصابيحنا

نشر في العدد 109

145

الثلاثاء 18-يوليو-1972

بريد القراء (109)