العنوان سرقة ثورات الشعوب حقيقة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 17-سبتمبر-2011
مشاهدات 55
نشر في العدد 1969
نشر في الصفحة 41
السبت 17-سبتمبر-2011
علمتني الحياة أن الثورات يقوم بها المجاهدون المخلصون والأبطال المضحون، ويقطف ثمارها الانتهازيون والوصوليون والمنافقون.. وعلمتني الحياة أن الشعب الذي يضحي بحريته من أجل أمنه لا يستحق الأمن ولا الحرية، وتيقنت بعد طول التجارب أن دول الاستعمار الغربي تجيد اختيار عملائها، وتمتاز في تغيير عقولهم.
وتأكدت من كثرة الحوادث وتعدد الأزمات أن شعوبنا العربية أذكى من حكامها وأطهر من ساستها كثيرون يعرفون الحقائق ويسقطون في الشراك، وليس العار أن تسقط ولكن العار ألا تستطيع النهوض.. وكثيرون يعيشون الحياة بغير أمل، والأمل هو القارب الذي نخوض به الحياة لنصل إلى شاطئ الأمان، ومن عاش على الأمل لا يعرف المستحيل، فالحياة مليئة بالأحجار، فلا تعثروا بها، ولكن ابنوا بها سلما تصعدون عليه إلى أمالكم ومن المخجل أن تعثر مرتين بالحجر نفسه.
ويجب أن تعرف أن الحياة مليئة بالمظالم، فلا تطاطئ لها رأسا ولا تستعين بظالم على ظالم حتى لا تكون فريسة للاثنين، واعلم أن أعظم السراق وأكثرهم جرما من يسرق الحق ويختلس الجهود العظيمة، ليضيع مقدرات الشعوب.
كثر الكلام وكثرت المقالات التي تتحدث عن الخشية من سرقة الجهود العظيمة التي قام بها الشباب في مصر، وإذا لم تكن سرقة فإنها التفاف ومحاولات للاحتواء والرجوع من النافذة وبأقنعة مغايرة.
إن هذه الجهود وهذه الثورات لها الحق الكامل فيما قامت به، لأن هذه الأنظمة جثمت على صدور الشعوب عشرات السنين، وهي غارقة في الفساد وغارقة في الاعتماد على رجال الأمن وقهر الناس.. إن هذا التخوف ليس من باب التشاؤم، ولا من باب عرقلة الجهود التي يجب أن تبذل بشكل مستمر حتى يتم الإصلاح المنشود، والسبب في ذلك هو أن هناك تجارب كثيرة سابقة سرقت فيها جهود المجاهدين الذين حرروا الأوطان من المحتلين وأضرب مثالًا على ذلك من مصر.. فقد كان الأزهر قويًّا قبل أن تتدخل الدولة في شؤونه، وقبل أن يهمشه محمد علي باشا، ففي عام ١٧٩٥م قاد نقيب الأشراف عمر مكرم حملة لمواجهة طغيان مراد من أمراء المماليك وأجبر السلطة المملوكية على التوقيع على حجة شرعية، ومن موادها:
1- لا تفرض ضريبة إلا إذا أقرها مندوبو الشعب.
٢- لا تمتد يد ذي سلطان إلى فرد من أفراد الأمة إلا بالحق والشرع.
هذا الزعيم الشعبي عمر مكرم كانت له اليد الطولى في تمكين محمد علي من حكم مصر، ولكن الذي جرى بعدئذ هو تنكر الباشا للذي رفعه ونفاه من القاهرة، الخطأ الذي وقع فيه عمر مكرم هو ثقته بهذا الجندي القادم إلى مصر بتكليف من الدولة العثمانية وتسليمه مصر على طبق من ذهب، ولماذا لا يتسلم هو القيادة وكان أهلا لها؟ وفي الخمسينيات من القرن الماضي، خُدع الإخوان المسلمون بـ"عبد الناصر"، ولم يتنبهوا إلى طموحات هذا الضابط، رغم تحذير المرشد الهضيبي -يرحمه الله- وعدم ثقته بعسكرة الدولة، وأدى ذلك إلى كارثة لهذه الحركة الإسلامية.
إن أحابيل السياسيين طويلة وعريضة، ولا يدرك مرماها إلا من اكتوى بها، ودرس التاريخ الحديث وعلم ما جرى في الجزائر والمغرب وغيرهما من سرقة للجهود، فالذين سكتوا عن تحويل مسار الثورة الجزائرية من عربية إسلامية إلى جزائرية علمانية هم الذين تحملوا بعدئذ ما آلت إليه أمور هذا البلد الطيب.
يحق لهذه الشعوب المقهورة منذ أربعين عامًا وأكثر أن ترفض الطغيان، وأن تطلب الإصلاح فالخوف من التحريف ومن سرقة الثورات شرعي. فقد خابت كثير من الآمال ومن الوعود.
الخشية في تونس أن يأتي شخص يعيد إنتاج النظام السابق، مع بعض التفضيلات الصغيرة التي تأخذ بعين الاعتبار تطور الميديا و الانترنت. وحتى في مصر وعلى افتراض مجيء فلان مثلا فهل هو الشخص الذي تستحقه مصر؟ وحتى في اليمن، هل يستطيع شخص في كل الفسيفساء اليمنية أن يخرج ويعيد إلى اليمن سعادته التي تغنت بها الركبان يوما؟
فكيف تسرق الثورات؟ وكيف يتم تحويل أحلام الشعوب إلى كوابيس؟
تتم سرقة الثورات عبر الخطوات التالية:
1- تخدير الثورة عبر إنامة الثائرين وإيهامهم بأن الهدف قد تحقق بوصول هذا الشخص أو هذا التيار إلى الحكم والعمل - عبر الأيديولوجيا - على إشاعة الاعتقاد بأن الثورة قد حققت أهدافها بمجرد التخلص من الدكتاتور الذي يصبح رمزًا للشر المطلق، حيث تبدأ حركة تحريض كبيرة ضد العهد البائد.. وتصويره في شكل المرحلة المظلمة بشكل مطلق.
2- وضع مرجعية وحيدة شمولية جامعة مائعة واعتبار ما سواها محظورًا ومضادا لـ روح الثورة مما يؤدي بالدولة إلى العزلة عن العالم وتحولاته، هذا ما حدث مع الحزب الوحيد في الاتحاد السوفييتي.
3- إنهاء الحريات بزعم حماية الثورة، من المؤامرات التي تتجسد في تهديد الرأسمالية في الاتحاد، وتهديد الإلحاد، و الكفر، وقيم الغرب.
4- تنميط المجتمع في نماذج شكلية موحدة بشكل قسري في اللباس والسلوكيات والقيم والفكر الأوحد.
5- صناعة رموز لـ الثورة، وتحويلها بالتدريج إلى مقدسات عقدية مثل صور وتماثيل الذين قاموا بالثورة.
6- جعل وظيفة الإعلام الوحيدة هي الدعاية لنظام الثورة وللحكام باعتبارهم منقذين للشعب وللأمة، واعتبار الأمة بدونهم مهددة بأن تتعرض لضياع خطير وتيهان وانزلاق عن درب الثورة.
7- التطلع إلى التحول إلى قوة إقليمية كبرى. واعتبار البلد منطلقًا لإشاعة، الثورة، وتصديرها إلى البلدان المجاورة لصرف النظر عن السياسة الداخلية التي تتميز بالقبضة الحديدية، مما يؤدي إلى تبذير كل أموال الشعب في صنع القلاقل وإثارة الفتن في الدول المجاورة (مثال ذلك حروب السوفييت في بلدان المعسكر الشرقي، وفي افغانستان عبد الناصر في اليمن، وزرع المؤامرات والانفاق عليها هنا وهناك).
8- تحويل المدرسة والنظام التربوي إلى فضاء عسكري لغسل الأدمغة، وتكوين الأجيال على فكر الثورة، عبر تعليبهم وتنميط شخصياتهم وجعلهم يشعرون بأنهم أبناء الثورة وصنائعها، وأنهم بدونها ضائعون بلا مستقبل، لأنهم لا يستطيعون لوحدهم الاستمرار بدون هديها وترشيدها ومبادئها الخالدة.
٩- صنع الأعداء الخارجيين وتهويلهم وتبرير كل أشكال الظلم والغطرسة بحجة التصدي لهم. وتحويل المواطنين إلى قطعان مهيجة ضد خطر أجنبي، وتشجيعهم على الوشاية والإشاعة والكيد لبعضهم بعضًا، ومن هنا شعار مواجهة الرأسمالية الغربية.. أو إعلان الحرب صباح مساء على الشيطان الأكبر.
١٠- جعل الإبداع الأدبي والفني في خدمة الثورة عبر وضع خطوط حمراء له وتسخيره بوقا للسلطة وللنظام، وجعله يقتصر على موضوع الثورة ومنبرًا لشعاراتها، والحجر على ملكات الإبداع والخيال والتفكير والبحث والسؤال، واعتبار هذه العسكرة أمرًا ضروريًا لحماية الثورة، والحفاظ على مكاسبها، هذا مع استعمال أساليب كثيرة ستعرض إليها فيما بعد إن شاء الله..