; سعار بكل الأسلحة ضد الإصلاح | مجلة المجتمع

العنوان سعار بكل الأسلحة ضد الإصلاح

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012

مشاهدات 64

نشر في العدد 2031

نشر في الصفحة 41

السبت 15-ديسمبر-2012

عجيب أمر أمتنا، ما إن يظهر فصيل إصلاحي إلا وتنبري الأقلام لكبته، وتسل السيوف لحربه، وهذا هو منطق الباطل دائمًا مع الحق، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ (الرعد: 17)، وكلما كثر الفساد وعم وانتشر الباطل وطم اشتد أوار المعركة، وحمي وطيسها، وكلما قوي الحق واشتد عوده، وظهر وانبلج نوره، فإن الباطل ينكشف ويدمغه الحق ويصرعه، ويبيده ويزهقه ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).

إذن فالمعركة مع الباطل حتمية واللقاء به في ساحة الأمم لا شك فيه، يستعمل الباطل فيها كل ما يملك من كذب وتضليل وقذارة فعل، ونذالة موقف، والأمثلة على ذلك اليوم وفي واقعنا المعاصر كثيرة ومتنوعة تكشف عن الخبث والنفاق والانحدار، وتعري أشخاصًا ظنهم الناس في يوم من الأيام أطهارًا فيهم مسحة من رجولة أو أيمان، فإذا بهم يتمرغون في الحضيض ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ (آل عمران: 179)، وبهذا تظهر المعادن وينكشف الغطاء ولقد لمست هذا الواقع وقت اختيار الشعب لممثليه، ورأيت السباق بين المرشحين، وكيف يستعمل الباطل كل أسلحة الافتراء في مقارعة الحق وكبته، وهذا شيء متوقع، ولكنه اليوم جاء بضراوة منقطعة النظير، استعمل فيها كل الأسلحة الإعلامية والنفسية والأمنية والمالية، مستغلًا الموتورين والبلطجية من بعض العاطلين وجهل الجاهلين المغيبين.

والله در القائل: «ما يفعل الأعداء من جاهل ما يفعل الجاهل من نفسه».. إن أساس بلاء الشعوب يأتي في بعض الأحيان من أنفسها، ولن تستطيع أن تغير الأمم شيئًا إلا إذا غيرت نفسها حتى ترى الصواب صوابًا والخطأ خطأ، والنهار نهارًا والليل ليلًا؛ فقد يعاب القول الصحيح إذا كان الجهل هو سيد الموقف:

وكم من عائب قولًا صحيحًا *** وآفته من الفهم السقيم

 وكم من محب لليل الطويل والظلام الدامس إذا كان النظر عليلًا والطبيعة فاسدة والفطرة عفنة:

خفافيش أعشاها النهار بضوئه *** ولاءمها قطع من الليل مظلم

والجهل مرض عضال يستغله في الأمة كل مشعوذ أو دجال ويوظفه توظيفًا شيطانيًا لمصلحته، ويستعين به كل داهية وصاحب هوى لتنفيذ مآربه وبسط سلطانه وترسيخ فشله، والغوغائية بلاء يقصم الظهور، ويكرس الخداع، ويعود الثرثرة، ويشغل عن الحقوق ويعلم التشرذم، وتبتلى الشعوب بهذا الصنف بعد ليل طويل وقهر عظيم ودكتاتوريات جثمت على نفسه آمادًا طويلة، استطاع شياطينها تهمیشه وتدجينه وتخديره وتبديل سحنته:

انظر الشعب ديون *** كيف يوحون إليه

ملأ الجو صياحًا *** بحياتي قاتليه

ياله من ببغاء *** عقله في أذنيه

قل لي بربك ما الذي يسير شعوبًا إلى أكثر من ثلاثين عامًا بغير قانون أو حريات أو مؤسسات حقيقية أو اقتصاد فاعل، ما الذي يجعلها تنعم بالفقر، وترضى بالجوع وتفرح بالبطالة، وتهلل للدكتاتوريات، وتعيش بلهاء بغير حضارة أو تقدم، وتتعشق ازدراء العالم، ما الذي يجعلها تهتف بالروح بالدم حتى تتفطر حناجرها، وعندها فقر دم، وهي فاقدة للروح والإحساس، قد حناها الدهر، ونالت منها الأيام وطحنتها المآسي والدواهي:

حنتني حانيات الدهر حتى *** كأني راقب يدنو لصيد

قريب  الخطو يحسب من رآني *** ولست مقيدًا أني بقيد

 كنا نتحدث من زمان قبل الثورة المباركة ونقول، أما آن للسادة الذين يملكون الشعوب أن يرحموها، ويرحموا ذلها، وانكسارها وفقرها وجهلها وسذاجتها؛ لأنها البقرة الحلوب، والعبد المخلص، والجمال الدؤوب بغير ثمن أو كلل، ولولاهم ما زادت الأرصدة، ولا بنيت القصور ولا عاش مصاصو الدماء بغير دماء أو أبهات ومناسب لا يستحقونها، وهم أصفار متجمعة لا تستحيي ولا تتزحزح فتفسح الطريق؟!

أما آن للسيرك القذر أن يتوارى ويقلع عن المسرحيات الهزلية التي يتوارى خلفها، ويتستر بها من انتخابات شكلية، ومؤسسات وهمية وقوانين سرابية وزفة سلطانية؟ أما آن لشيءاسمه العدالة، ولأمر اسمه الدستور، ولمصطلح اسمه القانون؛ أن يرى النور، وأن يكون له وجود في منطقتنا العربية المباركة، وأن تسمع الشعوب -ولو مرة واحدة - عن سارق يحاسب، أو هناك كشوف حساب تقدمها السلطات إلى الأمة حتى ترى الإنجازات أو الإخفاقات التي يكون عليها المدح أو الذم، والتنحية أو التجديد؟!

أما آن للشعوب أن ترى سلطة ولو واحدة تتنحى أو تتبدل بغير الموت أو القتل؟! إن مدارس النبوغ في الحكم لا تكون دائما إلا عربية تنجح بـ 99%، ولهذا تراها دائمًا أبدية لا نهائية.

كما أن جموع المداحين والنفعيين وفقراء الكفاءات وتعساء العقول والأفكار والانتهازيين لا تنبت إلا في تربتنا وتحت سمائنا العظيمة، ولقد روى لي صديق قال: جاءني يومًا بعض زملائي وعليهم علامات الجد والاهتمام، فقلت: لهم خيرًا، فقالوا: لقد عزم كل منا على فتح مدرسة، فقلت الحمد لله هذا توفيق جيد وخطة حميدة ما أحوجنا إليها، فقال أحدهما في جد: لقد عزمت على فتح مدرسة لتخريج البلطجية، فقلت له: لا، رعاك الله يا رجل، كف عن هذا المزاح الخبيث، فقال: إنني لا أمزح، هذه مدرسة رائجة سيتسابق الناس للدخول فيها؛ لأن الخريجين فيها سيعينون فور تخرجهم، أما رأيت فلانًا وفلانًا قد بلغا أعلى المناصب، وهذه هي مؤهلاتهم، وفلان وفلان اليوم في رغد من العيش ويجري المال تحت أرجلهما، وإنني والحمد لله أحب البلطجة من قديم، وعندي من الخبرة ما أستطيع تلقينه لتلامذة هذه المدرسة، وسأغالي في مصاريف الدراسة، وسترى كم عدد الطالبين للالتحاق في المدرسة وسيتزاحمون على الفصول الدراسية، وسأجعل هناك تخصصات وشهادات عليا، وجامعات.. هذا يا أخي ما تحتاجه أمتنا، أمتنا لا تحتاج إلى علم، ولا تكنولوجيا، فكم من متعلم في أرقى الجامعات لا يجد قوت يومه، وكم من بلطجي لا يملك علمًا ولا موهبة تلقاه مرزوقًا.

فهذا مثلا «صبري نخنوخ» بلطجي ووكيل بلطجية له من الأرصدة المالية الملايين، وله من الممتلكات الشيء الكثير، فيلات وأراض ومنتجعات، وهو الجاهل الذي لا يفقه شيئًا، ولكني رجعت إلى نفسي وقلت لها ما الذي أوصلنا إلى هذا الحضيض؟ أليس هو الجهل والنفاق والقهر إنها كارثة.. إنها كارثة.. نسأل الله السلامة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

152

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة

نشر في العدد 330

108

الثلاثاء 28-ديسمبر-1976

من شذرات القلم (عدد 330)

نشر في العدد 397

81

الثلاثاء 30-مايو-1978

أعداء المسلم (الجزء الثاني)