العنوان سفن البلاء.. الحلقة «٢»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-1991
مشاهدات 55
نشر في العدد 978
نشر في الصفحة 46
الأحد 01-ديسمبر-1991
ومضات من الإعصار
كان صوت صفير الإعصار عندما اقترب من السفينة واضحًا.
والانقلاب الذي يحدث لكثير من الناس في طبائعهم وعاداتهم ومؤلفاتهم
إنما تتناسب شدته مع شدة البلاء الذي يصيبهم، وخاصة إذا عاينوا الهلاك بأعينهم،
وأحسوا به بكل جوارحهم، وهو ما يذكره الإمام الرازي في تفسيره معقبًا لما
جاء في سورة يونس بقوله: "واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة، ووجد الريح
الطيبة الموافقة للمقصود، حصل له الفرح التام والمسرة القوية، ثم قد تظهر علامات
الهلاك دفعة واحدة، فأولها: أن تأتيهم الرياح العاصفة الشديدة، وثانيها: أن تأتيهم
الأمواج العظيمة من كل جانب، وثالثها أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع، وأن
النجاة ليست متوقعة، ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه
الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم، والرعب الشديد، وأيضًا مشاهدة هذه
الأحوال والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد الرعب والخوف، ثم إن الإنسان في هذه
الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق، ويصير
بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعًا إلى الله تعالى" (1).
سفينة الكويت
والآيات التي جاءت في سورة يونس من أقرب الصور لما حدث في الكويت،
فالبحر أو اليابسة كلاهما يسوقه الله- تعالى- نموذجًا- كما قال سيد- للحظات الشدة
العظيمة التي تصيب الإنسان؛ لتكشف ما فيه من ضعف شديد، وإن كان ما يحدث في الفلك
من الشدائد أعظم وأفظع.
فالكويت كانت بمثابة السفينة التي تمخر عباب البحر آمنة مستقرة بتلك
الرياح الطيبة ما يقارب 3 قرون هي كل فترة نشوئها، لم يزعج تلك السفينة إلا بعض
هبات الرياح العابرة بين فترة وأخرى، تهيج الأمواج فترات قليلة من الزمن ما تلبث
أن تنجلي، لتعود السفينة تشق هذا البحر العميق بالرياح الطيبة.
وجاءت العاصفة ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ
عَاصِفٌ﴾ [يونس:22]، عاصفة كنا
نسمع بها في الروايات الخيالية وروايات الأفلام الحربية، وندرسها في تاريخ الأمم
الغابرة، ولكننا لم نرها بأعيننا. كنا نسلي بها أطفالنا قبل النوم، ولكننا حُرمنا
النوم عند رؤيتها.
عصفت بكل شيء على أرض الكويت بشكل خاص، وعصفت بالعالم كله بشكل عام.
لم يبق شيء على الكويت لم يتزعزع، أو ينخلع بسبب هبوب العاصفة.
فهم يرون وحوشًا تغزو سفينتهم، لا يملكون من صفات البشر شيئًا.
وهم يرون جرادًا لا بشرًا، مغولًا لا عربًا ولا مسلمين.
وهم يرون أنفسهم قد انعزلوا عن العالم، بل وصم العالم أذنه عن سماع
صيحاتهم واستغاثتهم لمدة 4 أيام.
وهم يرون الدماء تسيل رخيصة لأتفه الأسباب.
وهم يرون أعراض الحرائر تُنتهك.
وهم يرون المال يُنهب، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
وهم يرون بأعينهم التي في رؤوسهم- لا التي في رؤوس غيرهم- يرون من هم
من جلدتهم، ويتكلمون بألسنتهم، يدعمون ويباركون ما قام به الطاغية، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ [يونس:22]، لا يشكون بهذه الحقيقة قيد أنملة.
الاتجاه إلى رب السماء
فما كان بعد ذلك إلا الاتجاه إلى من بيده ملكوت السموات والأرض،
والقاهر فوق عباده، ومن بيده نواصي العباد، ومن يقول للشيء كن فيكون، ومن لا يرد
دعاء العبد إذا دعاه ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ
لَكُمْ﴾ [غافر:60]، ﴿وَظَنُّوا
أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾
[يونس:22].
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي
الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ ﴾
[الإسراء:67].
يقول الشوكاني: "وإذا مسكم الضر، يعني خوف الغرق ﴿فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ [الإسراء:67] من الآلهة، وذهب عن خواطركم، ولم يوجد
لإغاثتكم ما كنتم تدعون من دونه من صنم أو جن، أو ملك أو بشر، "إلا
إياه" وحده، فإنكم تعقدون رجاءكم برحمته وإغاثته" (2). ويقول الإمام الرازي:
"وبيان ذلك هو أنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة
بالتوحيد، ووحدوا وأخلصوا" (3).
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ
الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾
[يونس:12]، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾
[النحل:53]، ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:32]. يقول سيد رحمه
الله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
[لقمان:32]، فأمام مثل هذا الخطر، والموج يغشاهم كالظلال، والفلك كالريشة
الحائرة في الخضم الهائل، تتعرى النفوس من القوة الخادعة، وتتجرد من القدرة
الموهومة، التي تحجب عنها في ساعات الرخاء حقيقة فطرتها، وتقطع ما بين هذه الفطرة
وخالقها، حتى إذا سقطت هذه الحوائل، وتعرت الفطرة من كل ستار استقامت إلى ربها،
واتجهت إلى بارئها، وأخلصت له الدين، ونفت كل شريك، ونبذت كل دخيل، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:65].
فاتجه أهل الكويت بشكل عام إلى بيوت الله تعالى، فكانت الملجأ بعد أن
تخلى عنهم الجميع، وحدث الانقلاب في النفوس، وعاد أهل الكويت إلى فطرتهم الناصعة،
وإن كان الخير في معظمهم متأصلًا. وصلى من كان لا يصلي، ودمعت العيون التي قحطت
وهي تناجي ربها في ساعات العسرة، وتحجبت من كانت متبرجة، وأصبحت بيوت الله تعالى
هي المنتديات، وهي المنطلقات إلى ميدان الشرف والذود عن الدين والأعراض، وغدا
الصيام سجية لهم كل اثنين وخميس، وأصبح القيام من عادتهم كل ليلة، وتعالى صوت
"الله أكبر" من على سطوح البيوت في صوت واحد يرتفع إلى السماء، ليقول
لله تعالى: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ [القمر:10]، وتحولت الكويت إلى محراب كبير يعبد فيه
الله وحده لا شريك له، وتذوق الناس طعم الإيمان بعد أن كانوا مشغولين بجمال البحر
قبل هبوب العاصفة، وتخفف الناس من ماديتهم، ليزيدوا من روحانيتهم.
عهد مع الله تعالى
وأمام هذا الضعف البشري، والعودة إلى الفطرة، وشدة الكرب الذي أصاب
أهل الكويت، عاهد أهل الكويت في الداخل والخارج الله تعالى ﴿لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:22]، وتعالت
أصواتهم في بيوت الله تعالى في القنوت وفي جوف الليل، وعيونهم غارقة في الدموع ﴿رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:12]. وكانت صورة العهد في الداخل تتمثل في
الدعاء المستمر في القنوت جماعات وأفرادًا، عهد على صورة النذر والوعد بأنهم
سيكونون من الشاكرين الأوفياء للعمل بما أمر- سبحانه وتعالى- إذا ما أوقف هبوب هذه
العاصفة على سفينتهم. وكانت صورة العهد في الخارج متمثلة في المؤتمر الشعبي الذي
ضم جميع فئات الشعب، وكان من أول قراراته أن تكون الشريعة الإسلامية هي الأساس في
كويت المستقبل.
وإذا كان العلماء يعرفون الشكر بظهور أثر النعمة على المنعم عليه،
فيقال "شكرت الدابة" أي ظهر أثر العلف عليها، كذلك الإنسان فإنه يكون
شاكرًا إذا ظهرت آثار نعمة الله عليه في سلوكه، وقراراته، ومعاملاته، وكلماته،
وقيمه، وكل شيء. فعهد أهل الكويت مع الله يقتضي عدة أمور منها:
1.
الاحتكام لكتاب
الله تعالى.
2.
اعتماد الإسلام
كأساس للجهاز التربوي والإعلامي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري.
3.
إعادة دور
المسجد كمركز إشعاع لنشر الحق وتوعية الناس.
4.
الولاء لله
وأوليائه والبراء من أعداء الله.
5.
تقريب الصالحين
المخلصين وإبعاد المفسدين.
6.
تنقية المجتمع
من كل مظاهر الفساد التي نهى الله عنها.
7.
إعادة النظر في
العلاقات الخارجية على أساس الولاء والبراء.
8.
نشر العدالة
الاجتماعية وإزالة التمييز والطبقية في جميع مناحي الحياة.
9.
الإقلاع فورًا
عن جميع المعاصي.
10.
معاقبة
المجاهرين بالمعاصي، والناشرين للفساد.
11.
تأكيد الهوية
الإسلامية في جميع مؤسسات الدولة.