العنوان سقط سوهارتو.. وجاء حبيبي حكومة العقبات الصعبة في إندونيسيا
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يونيو-1998
مشاهدات 51
نشر في العدد 1302
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 02-يونيو-1998
جاكرتا: بديع الزمان
حصاد 32 عاما: سوهارتو رابع أغنياء العالم.. أسرة الرئيس والصينيون يسيطرون على 85% من الاقتصاد.. الديون 130 مليار دولار.. و95% من الشعب فقراء
مخطط علمنة التعليم قطع شوطا واسعا.. لكن المدارس والجامعات تحولت فجأة إلى صحوة إسلامية جارفة لم تتوقف حتى أسقطت النظام
العسكريون ما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على إدارة البلاد وأن غيرهم عاجز عنها.. فهل "يبلعوا" حبيبي؟ ،،
أضاف سقوط حكومة سوهارتو بهذه الصورة التي عايناها حكومة جديدة إلى إقامة الحكومات المستبدة التي سقطت عن طريق قوة الشعب في هذا العصر، والعجيب أنه ما كان أحد يتخيل أن حكومة سوهارتو- التي تحصنت بالأسوار المتينة العسكرية، والاقتصادية والقوانين السياسية، والمدنية، ونظام مجلسي النواب والشعب، وغيرها من الأسوار المحيطة- يتم إسقاطها خلال شهرين فقط "من منتصف مارس إلى 21 مايو 1998م"، رغم أن هذه الأسوار قد بنيت بتخطيط قوي ومبرمج منذ اثنين وثلاثين عاما، ولم يترك خلالها أي مصدر للقوة الشعبية إلا إذا وضعت عليها القيود، إنها آية من آيات الله في استبدال السلطة، والجيل، والنظام.
والآن بعد 53 عاما من الاستقلال تدخل إندونيسيا في مرحلة ثالثة وهي نظام جديد يسميه المجتمع الأندونيسي مرحلة أو عهد الإصلاح، بعد أن سبقتها مرحلة أن: الأولى هي مرحلة ما يسمى بالنظام القديم(1945- 1996م) تحت رئاسة المهندس سوكارنو، وكان هذا قد ارتكب أخطاء مبدئية فادحة منها محو خمس كلمات من القانون الأساسي للدولة رقم 45: تقول: إنه يسمح للمسلمين بتطبيق شريعتهم، وقد اعتبر المسلمون هذه الحادثة كبرى المصائب التي حدثت بعد الاستقلال، وفي مقابل ذلك فتح سوكارنو الباب على مصراعيه لحركة الشيوعيين للتسلل في المجتمع حتى انفجرت الثورة الشيوعية في 30 سبتمبر عام 1965م، وقد أعطى الله المسلمين، وبالخصوص الطلبة في ذلك الحين القدرة على القضاء على الشيوعيين بالتعاون مع القوات المسلحة، وإجبار سوكارنو على تسليم السلطة إلى سوهارتو في 11 مارس 1966م، وكان سوهارتو في ذلك الحين من أبرز القادة العسكريين، وقد كسرت هذه الثورة القيود التي فرضها سلفه على المسلمين بغية التضييق عليهم وحرمانهم من الرجوع إلى الإسلام كمنهج لحياتهم، وكان سوكارنو قد قام قبل ذلك بتوجيه ضربة لحركة دار الإسلام التي عارضت الحكومة العلمانية، ثم حل حزب مجلس شورى المسلمين الإندونيسيين، أكبر الأحزاب على الساحة في عهده، وأدخل قائده المعروف محمد ناصر- رحمه الله- السجن، فأصبح المسلمون مشتتين مطاردين رغم أن الاستقلال تم بعون الله ثم بأيديهم.
ثم جاءت المرحلة الثانية التي تسمى بنظام التنمية من (1966م إلى 1998م) تحت رئاسة الجنرال سوهارتو، هذا النظام أعلنه سوهارتو بعد تسلمه السلطة، أما مظاهره فهي التركيز على تنمية وبناء وتطوير الاقتصاد بكل الوسائل، مستندا إلى الديون الخارجية حتى وصلت تلك الديون الآن إلى 130 بليون دولار، ثم التركيز على الصناعة أكثر من الزراعة، وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة، وتركيز دوران عجلات الاقتصاد في أياد محدودة وهي الصينيين، وأسرة الرئيس، وبعض رجال الحكومة وأبنائهم عن طريق الاحتكار والرشاوي، والتكتلات الصينية الحكومية حتى تتركز القوة المالية في أيادي فئة صغيرة محدودة، إذ سيطر الصينيون وأسرة الرئيس على 85% من اقتصاد البلاد المشهورة بثرواتها، فأصبح المجتمع البالغ عدد أفراده أكثر من مائتي مليون نسمة فقراء مساكين" ووفق المصادر الموثوقة أصبح الرئيس سوهارتو رابع الأغنياء في العالم، وأصبح 5% فقط من الشعب ينتمون لطبقة الأغنياء، وفيهم أبناء الرئيس وأقاربه، هذا من ناحية الاقتصاد.
ومن الناحية السياسية قامت حكومة سوهارتو ببناء علاقة سياسية مع الغرب العلماني الرأسمالي بديلا عن الشرق الشيوعي، وفي الداخل قامت الحكومة بتنحية المسلمين عن حياتهم السياسية والاقتصادية، فألغت الأحزاب الإسلامية، وجمعتها في حزب واحد يسمى بحزب "التنمية" وسنت قانون الانتخابات العام وفق مصلحة الحاكم، وأجبرت المسلمين بالقوة على قبول مبادئ خمسة "البانجسيلا" كأساس وحيد في تسيير كل مجالات حياتهم كبديل للإسلام، وسجن آلاف الشباب، ومئات العلماء والدعاة الصالحين، وحدثت عدة مذابح للمسلمين، وكانت حكومة سوهارتو تنظر إلى المسلمين بعين الريبة والشك، في الوقت الذي احتضنت فيه النصارى والصينيين بكل محبة وإخاء، إلا أن في السنوات الأخيرة بدأت تغير تلك السياسة، حيث بدأت تقترب من المسلمين لأهداف معينة وهي حمايتها من تمرد النصارى والصينيين عليها.
ومن ناحية التعليم قامت حكومة سوهارتو بعلمنة مناهج التعليم من الابتدائية إلى الدراسات العليا وفصلت بين الدين والدنيا، وخصصت لمادة التربية الدينية حصتين فقط في الأسبوع، وتم حذف الحروف العربية من المناهج الدراسية في المدارس، واستعمال الحروف اللاتينية فقط، وحرمان الطلبة من المشاركة في أنشطة سياسية، فنشأ في المدارس جيل علماني، ومن العجيب أن الوضع الطلابي تغير خلال العشر سنوات الأخيرة، حيث أصبحت المدارس والجامعات الحكومية منابر توعية إسلامية في دنيا الطلبة، ومراكز حركة طلابية لكل الفئات والمذاهب الفكرية المختلفة، حيث توحدت حركاتهم على أهداف مشتركة هي: محاربة انحرافات ارتكبتها حكومة عهد التنمية التي سقطت في 21 مايو على أيادي الطلبة بالتعاون مع الدعاة والمفكرين وغيرهم من الحركات والمذاهب الفكرية المختلفة، وذلك بعد تكثيف حركة المظاهرات لمدة شهرين متتاليين ، فسقط نظام التنمية وولد نظام جديد أو ما يسمى بعهد الإصلاح.
القوى المؤثرة في الساحة
قبل أن نتطرق إلى الحديث عن ميلاد النظام الجديد، أو ما يسمى بعهد الإصلاح، والعقبات التي تقف في طريقها لا بد من قراءة خريطة القوى المؤثرة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي برزت في إندونيسيا خلال السنوات العشر الخيرة، حتى تتضح أمامنا ملامح ومسيرة إندونيسيا في المستقبل.
القوة الأولى المسلمون: يصل عدد المسلمين في إندونيسيا الآن حوالي 170 مليون نسمة، ومنذ بداية الثمانينات بدأت تدب غي حياتهم توعية إسلامية، فبدأ الشباب يقبل على الإسلام بشكل عجيب، وبدأت حركة الترجمة للكتب الفكرية الإسلامية المعاصرة التي قام بها أساتذة الجامعات والدعاة، وفي السنوات الأخيرة بدا بوضوح أن الإقبال على الإسلام يشمل كل طبقات المجتمع، حتى مجتمع المغنين ونجوم الأفلام، إلا أن المجتمع الطلابي والشبابي ظل يشكل التيار الرئيس، وانتصر الحجاب الإسلامي عام 1991م، حيث كان الحجاب والملابس الإسلامية للطالبات والموظفات والعاملات محرمة، وبالاختصار فإن المسلمين بدأوا يعرفون حقوقهم المسلوبة في المجالات السياسية والتعليمية والاقتصادية والقانونية، فأخذوا يطالبون بها حتى تعود إلى أصحابها الشرعيين، والجدير بالذكر هنا أن نقاط ضعف المسلمين الإندونيسيين اليوم تتمثل في انهم متوزعون في جمعيات مختلفة، ومذاهب فكرية متعددة، وهو ما يضطرهم إلى التنازع والاختلاف في بعض الأحيان، إضافة إلى أنه ليس لديهم حزب سياسي ولا بنية اقتصادية قوية.
القوة الثانية العسكر: إندونيسيا مثلها مثل البلدان الإسلامية الأخرى، يتحكم فيها العسكر، وإن كانت القوانين المكتوبة والمطبقة مدنية، والقوة العسكرية في إندونيسيا تعتبر من أقوى القوى المؤثرة في الساحة، لأن لها نظاما وإدارة، وأيدولوجية وأسلحة، إضافة إلى أنها تتولى مهمتي السياسة والحماية أو ما يسمى بـ "المهتمين" أو (DUAL FUNCTION) وحتى الآن، فإن العسكريين لا يزالون يعتقدون اعتقادا جازما- إلا أفرادا قليلين يغيرون رأيهم بعد التقاعد- أنهم فقط قادرون على إدارة البلاد وأن غيرهم (يعني المدنيون) عاجزون عنها.
هذه الفكرة هي التي دفعت حكومة سوهارتو العسكرية إلى التحكم في كثير من مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والثقافية ولم يعد هناك رطب ولا يابس إلا وتدخل فيه وفق عقيدتها وأفكارها معتزة بنفسها ناسية أن الشعب وبخاصة الطلاب، والدعاة، والمفكرون يزدادون ذكاء وجرأة لأنهم متعلمون ويعيشون في عصر الانفتاح وأن الدنيا أصبحت قرية صغيرة، وعلاوة على فشل الحكومة العسكرية في بناء حكومة نظيفة وعادلة، هناك قوى أخرى مثل العلمانية والليبرالية واليسارية والنصرانية والقومية نلمس تأثيراتها في المجتمع والطلبة لا بأس بها وبالخصوص في السنوات الأخيرة إلا أنها لن تؤثر كثيرا وبخاصة إذا كان المسلمون متحدين أو يتحدون مع العسكر.
عقبات في طريق الإصلاح
كلمة الإصلاح (REFORMATION) التي يرددها الشعب الإندونيسي اليوم تستوعب فيها كل معاني الإصلاحات في كل مجالات الحياة حكومة وشعبا، وقد قدر الله أن يكون الإصلاح هدفا مشتركا أو ملتقى شعب إندونيسيا بشكل واسع حيث يشمل المسلمين وغيرهم، فولد ما يسمى بعهد الإصلاح في وقتها بديلا عن عهد التنمية الفاشلة، وكلمة الإصلاح تفرض سؤالا مهما وهو لماذا الإصلاح؟ ولماذا لا يكون الانقلاب أو الثورة أو أخرى تستعمل عادة في تغيير نظام السلطة الحاكمة؟
إذا أمعنا النظر في مطالبات الطلبة والشعب ف السنوات الأخيرة وبخاصة في هذه الأيام الأخيرة ثم إلى الظروف المحيطة.. السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية وغيرها سنجد ان استعمال كلمة الإصلاح مناسب جدا.. لماذا؟ لأن الفساد الحكومي والسياسي والاقتصادي والثقافي والحضاري وصل إلى حد غير معقول، والأخلاق مبعدة عن الحياة، والرشوة والتكتلات ومحاباة الأقارب أصبحت هي سمة الحياة الحكومية، فهذا الفساد جاء نتيجة لفساد القوانين والأنظمة المطبقة في إندونيسيا حتى أصبحت إندونيسيا جنة لرجال حكومة سوهارتو وتكتلاتهم الصينية، ونارا وسجنا للشعب والدعاة والمفكرين والعلماء العاملين، إضافة إلى ذلك فإن رجال الحكومة من الوزراء وأعضاء البرلمان ومجلس النواب والعسكريين أصبحوا سادة للمجتمع بدلا من أن يكونوا في خدمته.
لهذه الأسباب قام الشعب الإندونيسي المسلم بالمطالبة بإزالة حكومة سوهارتو من كل مجالات الحياة عن طريق الإصلاح الذي يشتمل على المحاور الآتية:
- المحور السياسي ويتركز في إصلاح الأنظمة السياسية التي تتعلق بحرية الشعوب وممارستهم للحياة السياسية.
- المحور القانوني ويشمل قانون الانتخابات العامة الظالم وقانون مقاومة الاحتكار والتكتلات الفاسدة المفسدة ومحاباة الأقارب في الحياة السياسية والاقتصادية وقانون متعلق بالحكومات الإقليمية.
- المحور الاقتصادي ويشمل الاهتمام بالمواطنين والشعب دون الفئة الخاصة وهذا يتم بتخلص الحكومة من حماية مصالحها ومصالح فئة معينة، إضافة إلى أن الشعب يطالب كذلك بالإصلاح في الحياة الاجتماعية والتعليمية والفنية وغيرها.
ورغم أن الرئيس السابق تم إسقاطه عن طريق إدارة الشعب وتم تشكيل حكومة جديدة تحت رئاسة البروفيسور بحر الدين يوسف حبيبي تحت اسم حكومة الإصلاح التي تضم سبعة وثلاثين وزيرا إلا أن الإصلاح الحقيقي الشامل الذي يطالب به الشعب الإندونيسي لا يزال بعيدا بسبب العقبات التي تقف أمامها ومنها المجموعة العسكرية (مؤسسة الجيش) التي لم تتحمل قبول الإصلاح بكل معانيه لأنها إذا قبلت به فإننا ستفقد كثيرا من صلاحياتها مثل احتكار الحياة السياسية وتكتلاتها الاقتصادية الصينية والمميزات الأخرى التي لم تقم على الأسس العادلة، إضافة إلى أن كثيرا من الشعب فقد ثقته بالرئيس حبيبي باقترابه من الرئيس السابق وحصول ولديه وأقاربه على مميزات شاذة في مجال الاقتصاد وغيره، هناك أمر آخر هو أن الرئيس حبيبي لا يزال يحتفظ في حكومته الجديدة ببعض الوزراء المعروفين بفسادهم الأخلاقي وانتمائهم إلى الحكومة السابقة الفاسدة.
وعلى كل حال وكما قال الدكتور محمد أمين رئيس- رئيس جمعية المحمدية ومستشار جمعية المثقفين المسلمين السابق- فإن عهد الإصلاح قد ولد هناك فرصة لحكومة حبيبي لتعمل من أجل تحقيق برنامجها ووعودها الإصلاحية وسنراقب أداءها ساعة بساعة لنرى هل الحكومة الجديدة تسير وفق مطالب شعبها أم أنها مجرد يد للحكومة السابقة؟ والأيام ستكشف حقيقتها وستنبئنا بما كنا نجهل، والدرب لا يزال طويلا ولا بد من إعداد الزاد الكافي.
خريطة القوى السياسية والإسلامية في إندونيسيا
وإذا اقتربنا من الخريطة السياسية والإسلامية فسنجدها في حاجة إلى مزيد من التدقيق والتحليل حتى تتبلور صورتها.. فبالنسبة للقوى الإسلامية نجد أنها تتركز في قسمين:
الأول: الجمعيات:
- جمعية المحمدية التي أنشئت في 1926م تحت يد الشيخ أحمد دحلان من أجل بناء الأمة بناء إسلاميا ومحاربة الاستعمار الهولندي، وأعضاؤها حوالي 20 مليون شخص منتشرون في كل مناطق إندونيسيا، وبالخصوص في جاوه وسومطره، ولها مئات المدارس وأكثر من عشرين جامعة في كل التخصصات، ولها مستشفيات في كثير من المدن الكبيرة في ربوع إندونيسيا، ورئيسها الحالي هو الدكتور محمد أمين رئيس، الحاصل على دكتوراه في علم السياسة من جامعة شيكاغو الأمريكية، وهو يعتبر المحرك الأساسي للتحولات السياسية الآن، حتى يلقبه المجتمع الإندونيسي بشكل واسع بقائد الإصلاح، وهذه الجمعية تتركز في التعليم والشؤون الدعوية والاجتماعية إلا ان كثيرا من رجالها لهم وزن سياسي لا بأس به في العالم السياسي الإندونيسي، وبالخصوص رئيسها الحالي، توجهها السياسي باعتبارها جمعية إسلامية ليس مركزا في أهداف معينة، أو منهج سياسي معين، لأنها تركز نشاطاتها في دنيا التعليم والاجتماع والنشاطات الخيرية والاقتصادية مع المحافظة على العقيدة الصحيحة والتمسك بالكتاب والسنة، أما في بداية الاستقلال فقد كانت تنضم مع حزب مجلس الشورى للمسلمين الإندونيسيين تحت رئاسة محمد ناصر رحمه الله.
- جمعية نهضة العلماء، أنشئت على يد الشيخ الجليل واحد هاشم عام 1928م وهو من العلماء الأفاضل التقليديين، وكانت له علاقة طيبة مع محمد ناصر رحمه الله، رئيسها الحالي هو عبدالرحمن واحد هاشم المشهور الذي درس في مصر، ثم العراق، وتأثر فيهما بالفكر اليساري، وأعضاء الجمعية يبلغ عددهم الآن حوالي عشرة ملايين، وتوجه الجمعية السياسية منذ عهد سوكارنو إلى الآن غير واضح، حيث يميل دائما إلى الأقوى، ففي عهد سوكارنو خرجت الحركة من حزب مشيومي الإسلامي، وأيدت الشيوعية، والجمعية تركز نشاطها في عالم التعليم عن طريق المعاهد الإسلامية المنتشرة في جاوه، ومناطق أخرى في إندونيسيا، الجمعية تعتبر نفسها الوحيدة التي تتبع نهج أهل السنة والجماعة، ولكن في السنوات الأخيرة نرى أن كثيرا من أتباعها وبخاصة بعض الشباب المتعلمين حدث عندهم نوع من التغير في التوجه السياسي والدعوي والفكري نحو المعاصرة، لأنهم رأوا أنهم إذا بقوا على ذلك الحال فلن يستطيعوا مواكبة التغيرات والتقدم بشكل سريع في إندونيسيا.
- المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية: أنشئ على يد الدكتور محمد ناصر في بداية حكومة سوهارتو "أواخر الستينيات" بعد أن قررت حكومة سوهارتو عدم إمكانية إعادة إحياء حزب "ميشومي" من جديد بعد أن حله سوهارتو، هذا المجلس الذي يترأسه الآن الدكتور أنوار هاريونو، والمجلس له أنصار كثيرون في ربوع إندونيسيا في الجمعيات المختلفة، ويتركز نشاطه على نشر مفاهيم الإسلام المعاصرة وغيرها.
وهناك جمعيات أخرى مثل جمعية الوصلية، وجمعية الإرشاد، وجمعية الاتحاد الإسلامي، كلها تعتبر صغيرة.
هناك القوى الإسلامية المنتشرة في كثير من الاتحادات مثل الاتحاد الإسلامي للطلبة الإندونيسيين (P.I.I) وتجمع الطلاب المسلمين، وهما يعتبران من أقدم التجمعات الشبابية الإسلامية، كان لهما دور بارز في نشر الدعوة الإسلامية في الجامعات، ولكن قبل نشاطها في السنوات العشر الأخيرة بعد أن استطاعت حكومة سوهارتو تشتيتهم، إضافة إلى عدم تجديد أفكارهم ومناهجهم الإدارية وفق متطلبات الزمن وتطور وتقدم أفكار الشباب المعاصرين.
أما بالنسبة للقوى غير الإسلامية أو ما يمكن تسميتها بالقوى العلمانية الليبرالية فهي ضئيلة ولم يعد حالها كما كان في الستينيات والسبعينيات، وقد قدر الله أن ينتهي العهد الذهبي للعلمانية والليبرالية في بداية التسعينيات، حيث استطاع الدعاة والأساتذة الإسلاميون دحض افتراءاتهم وأكاذيبهم، ففهم المجتمع وبالخصوص الطلبة حقيقتهم وتركوهم رغم أنهم تلقوا المساعدات من الحكومة القديمة ومن وسائل الإعلام والجهات الأمريكية والغربية، إن أفكارهم الغامضة وعدم قدرتهم على ممارسة الأمور الواقعية وحل مشاكل المجتمع الموجودة مثل مشكلة الاقتصاد كل هذا يجرهم إلى تخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، إلا أنه في السنوات الأخيرة قاموا بالتكتل مع اليسار ودعاة الإباحية وطلاب المساواة بين الرجل والمرأة والنصارى وطلاب حقوق الإنسان الذين تلقوا مساعدات من أمريكا والغرب، وهم الآن يرفضون رئاسة حبيبي لإندونيسيا وغيره من البرامج التي تخيفهم.
أما النصارى فعندهم حوالي عشرين مليونا ووزنهم السياسي بدأ يقل منذ عام 1988م، بعد ان دمروا الكثير من مصالح المسلمين بتعاونهم مع الرئيس السابق سوهارتو، وأخيرا عرف سوهارتو أن هؤلاء أسود وتماسيح تأكل سيدها في وقتها المناسب، وكذلك الصينيون كأنهم خشب مسندة كانوا يستولون على 80% من اقتصاد إندونيسيا بسبب إحسان وإكرام الرئيس السابق إليهم، والآن ذهب من كانوا يستندون إليه، ومن المتوقع أن ينتزعوا من مواقعهم الاقتصادية في المستقبل القريب، وعددهم حوالي 5 إلى 7 ملايين، وحادثة 19 مايو الماضي قد أرهبتهم بشكل لم يسبق له مثيل.
النفوذ الأمريكي والغربي وبخاصة في عهد سوهارتو قوي جدا، ولا سيما أن كثيرا من الناس يعتقدون أن نجاح سوهارتو للوصول إلى رئاسة الدولة عام 1966م كان بالتعاون مع المخابرات الأمريكية، ليس هناك مجال للحياة فغي إندونيسيا لم تمسه يد أمريكية غربية في السياسة والاقتصاد والتعليم والإعلام والثقافة وغيرها، بل اعتقد كثير من المحللين الاقتصاديين أن مأساة الاقتصاد اليوم نتيجة مؤامرات أمريكية غربية حتى تتاح لهم الفرص أكبر من أجل السيطرة على الاقتصاد الإندونيسي وتبقى إندونيسيا فقيرة متعلقة حياتها بالديون الخارجية التي تخنقها خطوة خطوة حتى تموت إلى الأبد، ولكن إرادة الله تفوق كل إرادة البشر مهما قويت، والتغيرات اليوم قد أذهلت أمريكا والغرب.
حبيبي لا ينتمي إلى التيار الإسلامي ولكنه منحاز للأغلبية المسلمة
لا يعتبر الرئيس حبيبي من الإسلاميين باعتبار عامل الانتماء إلى أي جمعية أو منهج واضح، إلا أنه معروف بحماسته من أجل رفع حياة مستوى المسلمين الإندونيسيين الاقتصادي والتعليمي، ولكن الحماسة فقط لا تكفي، بل تحتاج إلى منهج عمل يعتمد على أفكار وتعاليم إسلامية صحيحة، ولا شك أنه كانت له علاقة تاريخية قوية مع سوهارتو، مقابل ذلك فإن حبيبي كثيرا ما تأثر بمنهج حياة سوهارتو، وهو يعتبر الوزير الوحيد الذي يملك منهجا لبناء إندونيسيا الصناعية، لذلك وثق به سوهارتو، مقابل ذلك فإن حبيبي كثيرا ما تأثر بمنهج حياة سوهارتو الذي يهتم بأولاده وأسرته أكثر من اهتمامه بالمجتمع، أما علاقة حبيبي مع الغرب حسب ما نعرفه فهي علاقة عادية، إلا مع ألمانيا، لأنه كان رجلا مهما وقضى هناك عشرين سنة من عمره وهو معروف جيدا عند كبار رجال الحكومة في ألمانيا، وفق أحاديث حبيبي المنشورة وبخاصة في السنوات الأخيرة يتبين أنه يكره الغرب، باحتكارهم العلوم والتكنولوجيا، مع إجبار الشعوب الخرى وبخاصة البلدان الإسلامية على الخضوع لهم وشراء صناعاتهم، ومن أجل أن تكون الشعوب الخرى أسواقا رائجة لهم، ويمكن أن يحدث التعاون الاقتصادي بين حكومة حبيبي والغرب إلا أن حكومة حبيبي تقع تحت ضغوط قطاعات الشعب الإندونيسي لإجراء الانتخابات العامة خلال مدة من 6 أشهر إلى 12 شهرا من الآن لاختيار الرئيس ونائب الرئيس الجديدين، ولا ندري إن كان هذا السيناريو مؤيدا أيضا من قبل الغرب.
لا جزائر ولا تركيا
ردد بعض المراقبين أن الأوضاع في إندونيسيا يمكن أن تأخذ أحد سيناريوهين: الجزائر أو تركيا، والواقع أن ظروف إندونيسيا تختلف تماما عن الوضع في تركيا أو الجزائر، في الجزائر كانت توجد حركة إسلامية وهي الإنقاذ، وفي تركيا يوجد حزب إسلامي وهو حزب الرفاه، وكلاهما يتفقان على أن يكون الإسلام هو منهج الحياة، أما في إندونيسيا فلم يكن إلى الآن حزب او حركة مثل ما في تركيا والجزائر، لذا ليس هناك ما يدفع أمريكا والغرب لتطبيق نفس السيناريو مثلما طبقوه في الجزائر وتركيا، وليس من الحكمة بالنسبة للمسلمين الإندونيسيين اليوم تكرار ما حدث في الجزائر وتركيا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل