العنوان سقوط الدولار أو حرب النجوم الاقتصادية
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1987
مشاهدات 62
نشر في العدد 804
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 10-فبراير-1987
• تمكنت أميركا فيما مضى أن تجعل
من دولارها وسيلة دفع دولية تقاس بها القيم التبادلية.
• انخفاض الدولار يؤثر مباشرة
على عائدات الدول النفطية.
شهدت الأيام القليلة الماضية هبوطًا قياسيًّا
في أسعار صرف الدولار الأميركي في مقابل العملات الرئيسية العالمية، وبصفة أخص تجاه
الين الياباني والمارك الألماني الذي وصل إلى 177 ماركًا، وهو أدنى سعر للدولار في نطاق السنوات
6 الماضية. وبالرغم من تصريحات وزير الخزانة الأميركي جيمس بيكر «بأن ترك الدولار يهبط
بحرية من شأنه تهديد سلامة الاقتصاد الأميركي»، فقد استمرت الأسواق الدولية تتلقى مزيدًا
من الانخفاض مع تزايد الاعتقاد بأن الإدارة الأميركية تؤيد استمرار انخفاض الدولار،
رغم التصريحات الصادرة عنها والتي تحمل في طياتها التحذير من أزمة ثقة عالمية تجاه
الدولار ومن ثم عودة وتزايد معدلات الكساد.
والدولار بجانب أنه العملة الدولية الأولى،
المعيار الذي تقاس به القيم التبادلية للسلع بما فيها قيم النقود في بقية العالم، فهو
أيضًا أداة توازن اقتصادي ذات أهمية خاصة لدى الولايات المتحدة الأميركية، مما يجعل
انخفاضه وارتفاعه أمرًا من صميم السياسة الاقتصادية للإدارة الأميركية، دون أدنی اعتبار
للوضعية الدولية التي يمثلها الدولار إذا ما تعارضت تلك الوضعية مع أهداف ومرامي الإدارة
الأميركية. ونظرًا لما يمتاز به الاقتصاديون الأميركيون عن غيرهم، إذ إنهم براغماتيون
(عمليون) حتى النخاع، فهم ليسوا على استعداد للدفاع إلى ما لا نهاية عن أية نظرية،
بل تكفيهم قناعاتهم حسب ما تقتضيه مصالحهم الوقتية. ولذا نجد أن جدلية الميزان التجاري
تعد معيارًا لوضعية الدولار، فليس من المعقول أن يصبح ميزان كبرى الدول الصناعية مختلًّا
أيًا كان هذا الاختلال فائضًا أم عجزًا، ووفقًا لنوعية الاختلال تعاد أوضاع السياسة
النقدية مما يتشكل في انخفاض وارتفاع الدولار. ولهذا نجد أن دورة الدولار في أسعار
صرفه وثيقة الصلة بالميزان التجاري الأميركي. وهنا مكمن الداء في الاقتصاد العالمي،
فالولايات المتحدة لا تلقي اهتمامًا لما يمثله الدولار وإنما تتصرف به كأنه عملة داخلية
فحسب.
السقوط وتجارة النفط
ذكرت التقارير الاقتصادية لعام ٨٦ أن انخفاض
الدولار بنسبة تقارب ربع قیمته شکَّل ضربة قاسية لعائدات الدول النفطية. وبحلول العام
الحالي تزامنت بدايات ارتفاع أسعار النفط مع تزاید انهيار أسعار الدولار، وبذلك أضحت
جهود أوبك في تعديل أسعار النفط نهبًا للتآكل النقدي من جراء الهبوط المتنامي للدولار.
وانخفاض الدولار في نطاق التجارة النفطية يحمل انعكاسات واسعة، إذ إنه العملة الرئيسية
الأولى إن لم تكن الوحيدة في تحديد قيمة النفط.
ومن هنا فإن الدول الصناعية الغربية الكبرى
تحرص وبصفة دائمة على استخدام الدولار وأسعار لصرفه كأداة امتصاص للقيمة الفعلية لسعر
برميل النفط، وكثيرًا ما يكون ذلك سياسة مرسومة مخططة التنفيذ. ففي سبتمبر 1985 إبان ارتفاع أسعار الدولار قياسًا لأسعار
1986 اجتمع وزراء مالية الدول الصناعية الخمس (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا،
ألمانيا الغربية، اليابان) وأصدروا قرارًا يقضي بضرورة العمل على خفض قيمة الدولار؛
معللين ذلك بما يجتاح العالم من مشكلات اقتصادية، بدءًا بتباطؤ النمو الاقتصادي وانتهاءً
بعجز دول العالم الثالث المزمن في التخفيف من أعباء ديونها الخارجية. واللافت للنظر
أن الولايات المتحدة أقدمت على تحفيز عملية انخفاض أسعار الدولار على الرغم من الزعم
النظري الذي تردده دائمًا بأخذها بمبدأ «عدم التدخل في السوق المالية»، ولم ينقضِ أسبوعان
على قرار «مجموعة دول الخمس» حتى انخفضت قيمة الدولار بنسبة تتراوح بين 5٪ و7٪، وارتفع
سعر المارك الألماني 2.67 والين الياباني قرابة 215، والتطور الأخير في هبوط قيمة
الدولار ينعكس على الدول العربية المنتجة للنفط بصورة مزدوجة وعلى نطاقي القيمة الشرائية
للعوائد النفطية المسعرة بالدولار ومعدلات الفوائد والقيمة الفعلية للموجودات الاستثمارية
في البنوك الغربية، فانخفاض قيمة الدولار يؤثر في الاستثمارات السابقة وملاحقة العوائد
اللاحقة؛ بحيث يصبح كل انخفاض بنسبة 1% في قيمة الدولار يتبعه خسارة 1/2 مليار في العوائد
العربية من النفط. ومما يزيد في تعقيد آثار انخفاض قيمة الدولار ارتباط كثير من العملات
المحلية به، وتبعًا لذلك تشهد العملات المحلية للدول العربية انخفاضًا في قوتها الشرائية،
وهذا يعني ترشيح تلك العملات للتآكل ومن ثم تخفيض قيمة تلك العملات للتعويض عن الهبوط
في مستوى مدخولها، وقد يؤدي إلى ضغوط تضخمية خاصة بالنسبة لأسعار السلع.. و...
السقوط والتبادل الدولي
إبان الحملة الانتخابية للرئيس ريغان، حدد
أهدافه الاقتصادية بضرورة التوصل إلى معدلات ناجعة تجاه التضخم والبطالة ومعدل النمو
الاقتصادي، ومن ثم توازن العجز والنفقات من إجمالي التدخل القومي. وقد ارتكز في تحقيق
تلك الأهداف على خمس نقاط: اثنتان منها تتصل بالسياسة النقدية وأوضاع الدولار، وهي:
تخفيض سرعة نمو الكتلة النقدية، ورفع أسعار الفائدة لتخفيض معدل التضخم. وبغض النظر
عن النتائج المترتبة على مرتكزات السياسة الاقتصادية لبرنامج ريغان، إلا أن تلك الخطوات
جاءت بآثار بالغة القسوة تجاه دول العالم الثالث على وجه الخصوص، وزادت من حدة أزمة
الديون العالمية. وبذات الآلية التي تحققت بها تحسن المعدلات الاقتصادية اتجهت الإدارة
الأميركية عكس مسارها السابق وتخلت عن إلجام تدفق الكتلة النقدية وعملت حقًّا وصدقًا
على خفض أسعار الفائدة على الرغم من الزعم بخلاف ذلك.
وهنا تبدأ أزمة حادة في التبادل التجاري
العالمي؛ فانخفاض قيمة الدولار سيكون له ضرر بالغ على الصناعات التصديرية للدول الصناعية،
كما أن المواد الأولية ينطبق عليها ذات الوضع، ويعني ذلك مزيدًا من التضخم الركودي
في الاقتصاد العالمي. وقد تكون صورة الأزمة أكثر حدة في نطاق الدول التي تمارس تجارة
تبادلية مع الولايات المتحدة مثل ألمانيا الاتحادية واليابان، واللتان كانت لهما أعلى
صادرات للولايات المتحدة، حيث بلغ عجز الميزان الأميركي تجاه اليابان 60 مليار دولار
عام 1986 وقد يتبين أن الأوضاع الاقتصادية في إطار أزمة الديون قد تكون أحسن مما عليه
في ظل ارتفاع الدولار، إلا أن هذه الحقيقة تتبعها نتيجة مسبقة هي أن الولايات المتحدة
والغرب الرأسمالي عمومًا لا يريد أن تتسبب أزمة الديون في الإفلاس الكامل، مما يتولد
عنها أزمة في الدورة الاقتصادية الكلية للنظام الرأسمالي.
الحلقة المفرغة والخروج
لقد استطاعت الولايات المتحدة وعبر تاريخ
حافل بالإنجازات الاقتصادية لدول أوروبا الغربية وغيرها أن تجعل من دولارها وسيلة دفع
دولية تقاس بها القيم التبادلية، ويحتل بذلك عرش الذهب، وهذا يعني تحول بقية الدول
المصنعة والنامية إلى دافعي ضرائب للخزانة الأميركية. فالدولار عملة يتم من خلالها
دفع 2/3 المبادلات الدولية، وهي تخضع لسياسة الإدارة الأميركية قبل كل شيء، ولا تستطيع
الدول الصناعية التحكم في مسار الدولار إلا بقدر هامشي، لاسيما أن الولايات المتحدة
لها المقدرة على ممارسة ضغوط واسعة ومختلفة على جمهرة تلك الدول. ومهما كانت آثار تقلبات
الدولار قاسية على الدول الصناعية إلا أنها تبقى الأخف إذا ما قيست بالدول النامية
والدول الإسلامية بصفة أساسية، فالدول الإسلامية هي التي تدفع الآن فاتورة الانخفاض
في قيمة الدولار في مجالات النفط، وتقلصًا في القوة الشرائية لعملاتها وهبوطًا في القيمة
الفعلية لاستثماراتها وموجودات في الدول الغربية وانتهاء بالانخفاض في قيمة عملاتها
المحلية المرتبطة بالدولار، وهنا تبدأ نهاية رحلة التبعية للدولار ومعالجة تلك الأوضاع
غير المنطقية التي ظلت تساير اقتصاديات العالم الإسلامي. فالحل الشامل الكلي قد يتأخر
بعض الوقت وفقًا لمكانة عالمنا الدولية، إلا أن بعض الحلول على طريق الحل الشامل تبدأ
بالانفصال الجزئي عن الدولار، ففي نطاق أسعار النفط فلابد من اتخاذ عملة وطنية دولية
كأن يتخذ «الدينار الإسلامي» أداة لتسعير للنفط ضمن «سلة عملات» رئيسية منها الدولار
بالطبع، وسياسة «سلة العملات» متبعة وهي أخف ضررًا من الاعتماد على عملة واحدة لا تسلم
من التقلبات وفقًا لأوضاع دولتها الاقتصادية. وذات الشيء ينطبق على الموجودات الاستثمارية
في الخارج مع عدم التوسع في الاستثمار في الدول الغربية والاتجاه نحو الدول الإسلامية
لتوطين الفوائض المالية، على أن المستقبل لن يرحم المجموعة الإسلامية والعربية ما لم
تتخذ عملة موحدة ذات صفة دولية في إطار النظم النقدية لحقوق السحب الخاصة المتبعة من
قبل صندوق النقد الدولي، ويومها لن تؤثر في عالمنا آثار تصدير الأزمات الناتجة عن الدولار
ولن تنطبق علينا مقولة «عطاس الدولار يسبب الرشح للاقتصاد العالمي».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل