; سليمان خاطر: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم:42) | مجلة المجتمع

العنوان سليمان خاطر: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم:42)

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1986

مشاهدات 53

نشر في العدد 750

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 14-يناير-1986

·    البطل الشهيد: إنني قتلت الإسرائيليين دفاعًا عن شرفي وعرضي... هل نترك حدودنا بلا دفاع؟

·    الإخراج المسرحي الذي أعلنته السلطات المصرية عن مصير سليمان خاطر لم ينطل على شعب مصر فثار على القتلة... ولسوف ينتقم من القاتل جزاء عمله

«الصبر يا مؤمنون... فبعد السنوات العجاف تأتي سنوات الرخاء»

 بهذه العبارة هتف أحد الطلبة المتظاهرين في مصر احتجاجًا على استشهاد «عازف الرصاص» سليمان خاطر الذي رد على الغارة الإسرائيلية على تونس بإفراغ ٢٥١ طلقة من مدفعه الرشاش على مجموعة من الصهاينة العراة السكارى الذين تسلقوا إلى موقعه العسكري في توزيع بصحراء سيناء وبصقوا على العلم المصري واستهزأوا بالجندي وبسلاحه وبوجوده في سيناء «حيث لا تسمح اتفاقيات كامب ديفيد!!» ومعنى ذلك. أنهم ليسوا سياحًا أبرياء «يلعبون ويلهون، غير مؤهلين للدفاع عن أنفسهم ضد هذه المفاجأة!!» كما قالت المحكمة في حيثيات حكمها الجائر بالسجن المؤيد مع الأشغال الشاقة.

وقد استقبل «الرقيب» سليمان خاطر الذي كان طالبًا بكلية الحقوق بجامعة الزقازيق، والذي شهد وهو طالب في مدرسة بحر البقر الابتدائية كيف ألقت الطائرات الإسرائيلية حممها على الطلاب الأطفال فقتلت المئات منهم، استقبل البطل سليمان خاطر الحكم الجائر عليه بثبات المؤمن، بينما أصيب الحاضرون بالدهشة، كما قال مراسلنا في القاهرة: وصرخ سليمان في وجوه القضاة الممثلين للصهاينة: لقد خدعتموني، طلبتم ألا أبوح بالأسرار من أجل مصر، وإنكم مني ستحكمون ببراءتي... لكم الله!!

وكان البطل الشهيد قد رد على استجواب المحكمة بقوله: إنني قتلت الإسرائيليين دفاعًا عن شرفي وعرضي... إن الأوامر الصادرة إلى هي أن أطلق النار على من يقترب من موقعي سواء كان عربيًا أو غير عربي. هل نترك الحدود بلا دفاع؟ وهل إطلاق النار على العدو من المحظورات؟ إنني قتلت شذاذًا إسرائيليين تعدوا على أرض مصر وهم عراة. وفي حديث خاص مع جريدة «الشعب» المصرية قال الجندي البطل: أديت واجبي، وأشعر بالرضا الكامل.

وكان اليهود أول من أذاع الخبر على لسان مصدر في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وعلى الفور قدم القائم بالأعمال المصري في تل أبيب تعازيه باسم الرئيس مبارك لأسر القتلى والجرحى. وفي القاهرة اعتذر الرئيس مبارك وكبار المسئولين المصريين عن الحادث ووصف مبارك الجندي البطل بأنه «مجنون» وأخذ الناس يتندرون على وصف البطولة بالجنون وتمنى الكثيرون أن يصابوا بجنون سليمان خاطر. وظن بعض من يحملون الظن أن وصف البطل بالجنون سيعفيه من المحاكمة باعتبار أن كافة القوانين السماوية والوضعية لا تبيح محاكمة «من فقد عقله» ولكن رد المشير أبو غزالة وزير الدفاع المصري كان مخيبًا للآمال ومتناقضًا في الوقت نفسه حين صرح: «إن الجندي المختل عقليًا سيحاكم».

أما على الجانب الإسرائيلي فقد حمل إسحق رابين الحكومة المصرية المسئولية وطالب شمعون بيريز الحكومة المصرية بتقديم تفسير رسمي مقبول لما حدث. وهدد مدير وزارة الخارجية الإسرائيلية بطرد القائم بالأعمال المصري في تل أبيب إذا لم تنقل كافة نتائج التحقيق إلى «إسرائيل». وازداد الضغط الإسرائيلي وأعلن اليهود أنهم أوقفوا مباحثات «طابا» لحين انتهاء قضية سليمان خاطر، وأسرعت مصر في التحقيق وأعلن مبارك أنه وعد بيريز بمعاقبة سليمان. وصرخ سليمان في وجه المحكمة: أعدموني إرضاء لأمريكا وإسرائيل!!

وأصبح الشارع المصري يغلي بالغضب وتحركت لجنة الدفاع عن الحريات في مصر، وكلفت عددًا من المحامين بالدفاع عن الجندي البطل، وانتفضت الجامعات المصرية بالمظاهرات وعقدت المؤتمرات الشعبية مطالبة بإطلاق سراحه ومهددة بالثأر إذا أعدم بطل سيناء. ثم صدر الحكم يوم 28\12\85 بالأشغال الشاقة المؤبدة.

وتصور الذين أحسنوا الظن أن سليمان خاطر سيخرج من السجن بعد أن تهدأ العاصفة الصهيونية، وأن الحكومة المصرية ستنتهج نهج الحكومة الإسرائيلية إزاء الجندي الإسرائيلي «غودمان» الذي اقتحم المسجد الأقصى عام ۱۹۸۲ وأخذ يطلق النار على المصلين المسلمين فقتل اثنين منهم وأصاب حوالي مائة شخص حيث أفرغ فيهم حوالي ١٨٠ طلقة، عندئذ أعلن المسئولون الصهاينة أن الجندي النظامي الإسرائيلي: «إنسان مختل العقل، وان مثل هؤلاء المعتوهين موجودون في كل مكان، ولا يجوز أن نعطي أعمالهم مثل هذه الأهمية». وأدخل «غودمان» السجن للتمويه، ثم أفرج عنه فيما بعد.

ونسي محسنو الظن هؤلاء أن الجندي الإسرائيلي حوكم محاكمة مدنية وليست عسكرية، بينما رفضت الحكومة المصرية رغم إلحاح محامي الدفاع عن سليمان خاطر محاكمته محاكمة مدنية وأصرت على المحاكمة العسكرية. ثم هناك فرق جوهري بين حكومة تعتبر نفسها مسئولة عن أمن مواطنيها وحكومة أخرى تعتبر مواطنيها مسئولين عن أمنها واستقرارها.

وبعد بضعة أيام من صدور الحكم الذي لم يرض عنه اليهود، وتحديدًا في 31\12\85 نشرت جريدة «الأنباء» الكويتية أن أحد المصورين الصحفيين الإسرائيليين ضرب سليمان خاطر على رأسه بالكاميرا داخل السجن ففقد وعيه وأصيب بغيبوبة ونقل إلى المستشفى العسكري»، ولزمت الحكومة المصرية الصمت ثلاثة أيام ثم أعلنت نفي الخبر، وسمحت السلطات المصرية لاثني عشر شخصًا من أفراد أسرته بزيارته في حديقة السجن، ومن ضمن الذين زاروه أمه وإخوته وذلك يوم الأحد 5\1\1986 وكان يتمتع بصحة جيدة، ومعنويات عالية، ورضا نفسه، وتفاؤل بالمستقبل، كما روی زواره .كما سمح لرئيس تحرير مجلة «المصور» المصرية مكرم محمد أحمد بزيارته بإذن خاص من المشير أبو غزالة، وقال الصحفي المذكور إن سليمان طلب في حضوره مجموعة كتب قانون من مدير السجن لكي يستعد لامتحاناته في كلية الحقوق.

ويبدو أن السلطات المصرية سمحت لأهله بزيارته بعد أن أفاق من غيبوبته ولعل حادثة المصور الإسرائيلي كانت توطئة لنقله إلى المستشفى العسكري لاستكمال المؤامرة على سليمان خاطر، بعد أن عجزت الحكومة المصرية عن إعدامه علنًا خوفًا من غضبة الشعب المصري، وبعد أن عجزت عن إرضاء اليهود وأسيادهم الأمريكان الذين لا يرضيهم أقل من إعدام سليمان خاطر، ومثلما أعدم قبله البطل خالد الإسلامبولي بإشراف وزير الدفاع الاسرائيل «شارون» آنذاك، فقد أعدم سلیمان خاطر بإشراف وزير الدفاع المصري أبو غزالة هذه المرة. ففي الوقت الذي قتل فيه سليمان كان أبو غزالة في السجن، وتصادف حضور شقيق سليمان إلى السجن لتوقيع بعض الأوراق الخاصة بشقيقه فقيل له: تعال بعد غد، ولم يكن يعلم أن شقيقه يجري إعدامه في هذا الوقت.

وظهر ذلك اليوم الثلاثاء 7\1\1986 أذيع بيان صادر عن مستشفى السجن العسكري يعلن أنه في حوالي الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم، وأثناء المرور اليومي للحراس على الرقيب المسجون سليمان خاطر والمحجوز في مستشفى السجن للعلاج من مرض البلهارسيا!! وجد الرقيب المذكور معلقًا بمشمع الفرش الخاص به بالقضبان الحديدية بشباك غرفته بالمستشفى!!

وكان هذا «الإخراج» لعملية قتل سليمان خاطر مكشوفًا ومفضوحًا، فقد أعلن أهله أنه لم يكن مصابًا بمرض البلهارسيا، ثم إن هذا المرض إن وجد لا يستدعي نقله إلى  المستشفى في هذا الوقت بالذات، ثم إن الشباك المرتفع لا يستطيع سليمان الوصول إليه بمفرده، ثم إن «المشمع» ليس من العادة ولا من الملزوم وجوده في غرفته، ولم يكن سليمان مصابًا بمرض نفسي أو عقلي وإلا لما جازت حاكمته، ومقابلته لأهله ولرئيس تحرير مجلة «المصور» ليس فيها ما يوحي باكتئابه أو نيته الانتحار، وما هو أهم من ذلك أنه شاب جامعي مسلم يعلم حق العلم أن الانتحار حرام في الإسلام وأن مصير المنتحر النار، وما أقدم سليمان على قتل أعداء الله اليهود إلا مرضاة لوجه الله سبحانه وتعالى وجهادًا في سبيل الله، وأملًا في تحرير فلسطين وحتى مصر من دنسهم. ثم لماذا ينتحر؟ وكل جماهير الشعب المصري بل المسلمين كافة معه، ولا يريد الخلاص منه إلا اليهود ومن والاهم.

أعلن بعد ذلك المحامي عبد الحليم رمضان الذي تولى الدفاع عنه أنه من المستحيل أن ينتحر بينما ۱۱ شخصا يتولون حراسته، وأضاف قائلًا: إنه اغتيل من أشخاص داخل السجن. وأعلن محاميه الآخر عماد السبكي قائلًا: إنه يحمل السلطات المصرية المسئولية. وهتف شقيقه قائلًا عندما رأى جثمانه بالمشرحة: «قتله أبو غزالة عميل الصهيونية» وهتف المتظاهرون في الجامعات المصرية، القاهرة وعين شمس والأزهر والزقازيق:

.قتلوه قتلوه

. لا إله إلا الله... سليمان حبيب الله

. حذار أيها اليهود... جنود محمد قادمون

. جمهورية إسلامية.

ورفض أهله تقبل العزاء، وتوعدوا بالثأر، واجتاحت قريته «أكياد» أحد مراكز الشرطة فدمرته وحرقته، وطافت بجثمانه الطاهر ملفوفًا بعلم مصر أرجاء القرية، رغم أنف السلطات وذلك قبل أن يتوارى جثمانه في التراب. وثارت الجماهير المصرية لليوم الثاني على التوالي وأحرقت العلمين الإسرائيلي والأمريكي وأعلن أفراد أسرة سليمان أن ابنهم لم يكن مصابًا بمرض نفسي أو جسمي وإنما كان مصابًا بارتجاج في المخ نتيجة ضربه على رأسه بآلة التصوير الإسرائيلية، وأعلن رئيس محكمة القاهرة للأمور المستعجلة قرارًا بتشكيل لجنة من عمداء كليات الطب وأساتذة الطب الشرعي في جامعات القاهرة وعين شمس والأزهر لاستخراج جثة سليمان خاطر وإعادة فحصها وإعداد تقرير عنها شاملًا جميع الأسباب المؤدية إلى الوفاة على أن يقدم التقرير إلى المحكمة في جلستها المقررة يوم ٣٠ يناير الجاري.

ومعنى ذلك أن قضية سليمان خاطر تتفاعل جماهيريًا في مصر وما يقوله أبو غزالة من أنه يستغرب هذه الضجة المثارة حول وفاة سليمان خاطر الذي قتل سبعة «أبرياء!!» من السياح الإسرائيليين ثم انتحر.. إن هذا القول لا يمكن أن يحجب الحقيقة عن عيون الجماهير الغاضبة الثائرة ولا يمكن أن يوقف التفاعل الذي أحدثه قتل الرمز والبطولة سليمان خاطر.

إن هذه الأمة الإسلامية تعيش مرحلة المخاض العسير، وإن ما فعله سليمان خاطر وما فعله من قبل خالد الإسلامبولي إنما هو إرهاصات على طريق النهوض من هذه الكبوة الذليلة وإن سلوك الأنظمة إزاء هؤلاء الأبطال إنما يعكس طبيعة الصراع بين الواقع المتردي لهذه الأمة مجسدًا في أنظمة أفرزها واقع الهيمنة الاستعمارية على هذه الأمة فحكمت بغير ما أنزل الله وابتعدت عن منهج رب العزة فذلت... وأما الطرف الآخر في هذا الصراع فهي الجماهير التي تريد أن تنهض من كبوتها فعرفت طريق الخلاص ولكن الأنظمة الفاسدة تتشبث بالبقاء ويدفعها حمقها إلى تصرفات رعناء إرضاء لأسيادها أعداء الإسلام والمسلمين.

وما زالت عملية المخاض على أشدها ومن تصور أن دم سليمان خاطر سيذهب هدرًا فقد جانبه الصواب. إن سليمان خاطر لم يعد ذلك الجندي المغمور أو الطالب المشغول بدروسه، إنه الصدمة الثانية هذه الأمة بعد صدمة الإسلامبولي وستعقبها صدمات تعيد هذه الأمة إلى الحياة وقد أريد لها الموت، ولن تتوقف حركة الجماهير حتى تحقق أهدافها بإذن الله.

الرابط المختصر :