العنوان سمر ليلة شتاء طويلة حول القسم الرابع والأخير
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1980
مشاهدات 70
نشر في العدد 469
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 12-فبراير-1980
إعادة كتابة التاريخ الإسلامي
•نهضة لا تعضدها الموسوعات الحية
وعلى أي حال فإن المراقب يشهد اليوم معالم نهضة جديدة في الدراسات التاريخية الإسلامية تساهم فيها جامعة المدينة المنورة وجامعة محمد بن سعود بالرياض، ودار الحديث الحسنية بالمغرب، إذ أصبح لهذه الجامعات الثلاث دور في توجيه رسائل الماجستير والدكتوراه نحو الدراسات التاريخية، إلى جانب الدراسات الشرعية، ومازال هذا الدور يتعاظم ليشابه دور الجامعات المصرية قبل تقلصه الحاضر، كما ويتولى بعض الدور في هذه النهضة ناشئون صاعدون من حملة الفكر الإسلامي مبثوثون في مختلف أقسام التاريخ في جامعات البلاد العربية كلها. وفي جامعات أوروبا وأميركا إذ كانت لهم اختيارات موفقة المواضيع رسائلهم يرجى أنها ستسد ثغرات، وستكون في بحوثهم عناصر تكامل تيسر اختيار فصول الموسوعة التاريخية الإسلامية منها، وتشهد جامعات الهند وباكستان بداية سير على هذا الدرب يرجى أنها ستؤدي دورًا نافعًا.
غير أن هذه النهضة تفتقد اليوم بعض مظاهرة فقهاء الشرع لها، فإن الوعي التاريخي لدى الجيل الكبير من دعاة الإسلام المعاصرين، قد تلقوا قسمًا عظيمًا منه من شيوخ الفقه ومجالسهم في المساجد، وهو نمط التعليم القديم المبارك الذي انقرض الآن ولحقنا بآخره، بل وانقرض أهله من المشايخ أصحاب الاهتمامات الموسوعية الثقافية العامة ، وإن أجلسهم صلاحهم وعلمهم الشرعي في المساجد وقصر دورهم ما بين حدودها -رحمهم الله من أطهار أصحاب همم وتجرد وتواضع.
وكانت لي في بداية شبابي سنوات لذيذة من صحبتهم قبل وخلال دراستي الجامعية، وإن منعتني ظروفي من طول التتلمذ لهم، حتى ليكاد أن يكون قولي إذا قلت بأنهم مشائخي أقرب للمجاز.
•منهم رأس علماء العراق الشيخ أمجد الزهاوي، فقد كنت أحضر مجلسه وأسمع كلامه القليل وأستفتيه وأسأله قليلًا/ ومع أن معظم كلامه في الفقه غير أنه مستوعب لحركة التغيير في التاريخ الإسلامي، كيف كانت ولماذا ولتاريخ المسلمين الحديث على وجه الخصوص، وكان- رحمه الله- عالي المنزلة فريد السمت، لكنه لم يكتب شيئًا، بل ولا كانت له دروس عامة غير مجالس يسيرة في جامع أبي حنيفة ببغداد، شرح فيها بعض الأحاديث مازالت هي أحلى ساعات جلوسي تحت منابر العلماء.
•ومنهم الشيخ عبد الكريم الشيخلي الشهير بصاعقة نسبة إلى صحيفة أصدرها في شبابه، وكان- رحمه الله سلفيًا- من وعاة الحديث، ومن تلامذة محمود شكري الألوسي، وجامعًا للكتب النوادر في علوم الحديث خاصة، وكان قد اتصل بعبد العزيز آل سعود وقاتل معه في معاركه القديمة في الصحراء، ثم في احتلال الحجاز وله قصص رواها لنا، وقد قرأت عليه أول شبابي شيئًا من صحيح البخاري في نفر من أترابي بمسجده بمحلة المهدية من بغداد، وكان منقطعا إلى العلم يحيا حياة متواضعة، ويسكن مسجده لعدم زواجه، وقد أوقف مكتبته القيمة وهي اليوم بمسجد الدهان في الأعظمية.
•ومنهم محمد القزلجي -رحمه الله- وهو كردي من أفاضل العلماء وأهل الإحاطة بأغلب العلوم الإسلامية، وقد قرأت عليه أبوابا من كتاب الهداية في الفقه الحنفي وغيره، ولازمت مجلسه طويلًا بالأعظمية من بغداد، بالمسجد ذي القبر المنسوب إلى بشر الحافي وإاستفدت منه بفوائد كثيرة.
•ومنهم الشيخ الدكتور تقي الدين الهلالي أحد أمهر دعاة الاتجاه السلفي في هذا العصر، وهو مغربي كانت له سياحة ومكث بالهند أعوامًا أخذًا من محدثيها، وهو الذي علم مسعودًا الندوي وأقرانه بالهند الإنشاء العربي، وكان قد حاز على الدكتوراه من ألمانيا، وأقام بالعراق سنين طويلة بالزبير قرب البصرة أولًا، ثم بالأعظمية من بغداد أستاذًا جامعيًا وخطيبًا للجمعة بمسجد الدهان، وواعظًا محتسبا وربت خطبه ومجالسة رهطًا واسعًا- أنا منهم بحمد الله- ثم أقام بالمدينة أستاذًا في جامعتها، ورجع الآن إلى المغرب شيخًا معمرًا قارب التسعين أو جاوزها مد الله في عمره وقواه.
والمقصود أن هؤلاء وأمثالهم ممن أدركناهم وآخرين يحدثك عنهم الثقات من مشائخ الأقطار الأخرى كانوا جزءًا من أجزاء الحياة.
العلمية بما فيها التاريخية فقد كانت توضيحاتهم لأسرار التاريخ وأخباره مختلطة مع إدلائهم الفقهي، ووعظهم الأخلاقي، سمعناها منهم وألقوها في قلوبنا، وإن لم يؤلفوا كتبًا في التاريخ، مما يدل على أن الثقافة التاريخية لا تنفصل عن الثقافة الشرعية أبدًا، لأن التاريخ الذي ندرسه هو حركات أناس قامت علاقاتهم على أساس هذه الثقافة الشرعية نفسها.
إن هذه الظاهرة تعطينا تقويمًا نتبين -تبعًا له- الأهمية الكبيرة للاستثمار التربوي للحقائق التاريخية، ذلك أن المجتمع لا تؤثر فيه أو تحركه الكتابات فقط بل الشخصيات العلمية المتواجدة أيضًا، بل لها دور أهم أحيانًا وإن لم تكتب، فإن حلقات التلامذة الذين يحيطون بهذه الشخصيات ومجالس العلم والندوات الحية تؤثر في إشاعة الوعي الصحيح، وتبني جيلًا خليفة له كفاية قد تتاح له فرص الكتابة أكثر مما أتيح لأساتذته، والذي ننعاه هنا هو انقراض هذه الشخصيات العلمية بمثل مجالسها تلك، مما يعتبر ثغرة في النهضة المعاصرة للدراسات التاريخية الإسلامية، ولم يبق هذا النمط من الحياة العلمية حيا اليوم، إلا في ديار قليلة كاليمن والسودان من بلاد العرب، وكالهند خارج بلاد العرب، وربما بقيت بعض آثاره بمصر والحجاز والمغرب، وكأنها على وشك الزوال فإن استطاع مستطيع أن يغتنم الفرصة في هذه البلاد المذكورة، ويصاحب الموسوعات الحية فليفعل قبل أن يحرم من حديث يلتذ به من بعد كمثل حديثي هذا.
ثغرات
وتتعرض النهضة المعاصرة في الدراسات التاريخية إلى جانبين من النقصين عدا هذا الافتقاد للعلماء الشرعيين.
«النقص الأول»: إهمالها نقد التاريخ السياسي الحديث للعالم الإسلامي من وجهة نظر إسلامية، إذ أن هذا النقد مقصور اليوم على اليساريين وعلى آخرين ليسوا من أهل القياس وفق الموازين الإسلامية، وربما يكون كتاب الدكتور محمد محمد حسين عن «الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي المعاصر» هو الدراسة الكاملة الوحيدة التي لها هذه الهوية.
ولعل فقد العلماء الشرعيين الكبار قد زاد الحاجة إلى تدوين رأي إسلامي في التطور السياسي الحديث، والمستصوب أن يشار في معرض النفي إلى نشوء جيل جديد من دعاة الإسلام أوسع وعيًا لهذا التاريخ من المشائخ أولئك، فإن المشائخ كانوا شهود عيان وقراء أخبار في ساعتها، وكانوا يحدثوننا عنها كما أن نقطة الضعف في وعي الجيل الجديد تكمن في عدم استناده إلى تمييز شرعي يماثل علم أولئك- رحمهم الله- وهذا ما يجعل الرؤية التاريخية للأحداث المعاصرة أشبه برؤية صحيفة يومية سريعة منها بتحليل عميق راصد لعوامل دائمة.
إن إعادة كتابة التاريخ الإسلامي يجب ألا تشغل المهتمين عن جهد آخر واجب عليهم، يكشف أسرار هذا القرن، وما بعد الدولة العثمانية، وأخبار نشوء الحكومات والأحزاب المختلفة، وظهور الشخصيات السياسية ومواقفها من قضايا الأمة، وقد يصح أن يقال إن البعض قد كتب مقالات نافعة في بعض ذلك، ولكننا نحب أن نرى بحوثًا تتوسع في مصادرها العربية والأجنبية، وترجع إلى الوثائق، وتعتمد الصور وتأخذ من أفواه من لازال حيًا.
وإذا كان ذلك واجبًا فمن المنطق أن يكون تدوين تاريخ الدعوة الإسلامية الحديثة أوجب، وإن كنت أستبعد أن يكون هناك تدوین شامل خلال فترة ليست بعيدة لحاجة هذا التدوين إلى تحليل ناقد، قد يتعرض لتخطنة وتصويب أفعال الرجال، وهو أمر صعب لا يجرؤ عليه المعاصرون، ويفضل الكاتبون تجاوز كثير من الأحداث سدًا لذريعة يرون أنها تقضي إلى اعتراض وخلاف.
«النقص الثاني»: تخلف الناشرين عن ترجمة الدراسات التاريخية الجيدة، وكتب التراث إلى الإنكليزية والتركية والأردية والفارسية، حتى لكأن المؤلفين أرادوا مخاطبة العرب فقط، وليس ذلك بصواب، والمفروض أن ينسق المؤلف أمر الترجمة مع ثقة من معارفه وتتعاون مع الناشر، ولعل النشر باللغات الأخرى يكون من المهام الرئيسية لأي لجنة تنبثق عن جهة رسمية أو أهلية، لإعادة كتابة التاريخ ونشر الدراسات السابقة المجودة، وخاصة: الترجمة إلى الإنكليزية، لكثرة من يفهمها من أبناء كل الشعوب.
قد يظن العربي أن الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام تقتصر على محيطه العربي، وذلك تقدير خاطئ، فإن مساعيهم تمتد لتشوشر مفاهيم أبناء كل الأمة الإسلامية، وقد طلب مني صديقي الأستاذ صالح أوزجان- النائب بالبرلمان التركي- أن يشرف على ترجمة كتابي في الدفاع عن أبي هريرة، وأن يصدره عن دار الهلال للنشر التي يملكها، فاعترضت عليه بأن بدعة النيل من أبي هريرة غير موجودة في تركيا، وليس من الحكمة تنبيه الناس إلى شبهات قد تعلق بقلب الضعيف، وأن رددنا عليها، فقال: كلا، بل كل الشبهات حول دين الإسلام ورجال الإسلام وتاريخ الإسلام يروج لها الأعداء في تركيا كما في بلاد العرب، وترجموا كتبًا استشراقية إلى التركية تطعن بأبي هريرة وابن عباس وغيرهما.
•الأوهام الشيوعية والشعوبية
•ومن المؤسف بمقابل هذا النقص أن أصحاب الفكر الشيوعي كانوا أنشط في إنتاجهم من الثلة الإسلامية.
وبحوثهم التي تعتمد التحليل وفق الموازين المادية الاقتصادية والاجتماعية الطبقية منتشرة، كما أنهم أسبق إلى نيل شهادات الدكتوراه التي اجتازوا بها إلى الجامعات واحتكروا بعض كراسيها بسبب الأنظمة المنكوسة لجامعات بلادنا، والتي تقدم صاحب الشهادة على الأعلم الأوعى الأفصح منه.
ومن أوائل هؤلاء: عبد الفتاح إبراهيم وفيصل السامر، وهما من قدماء الشيوعيين العراقيين، فقد كتبا عن ثورة الزنج والقرامطة، وترعى المراكز الاستشراقية في الاتحاد السوفييتي في السنوات الأخيرة حملة واسعة لدراسات تلتزم المنطق الشيوعي في تحليل التاريخ الإسلامي، وخرجت عددًا قذفت بهم إلى جامعاتنا، يجعلون من هدم القرامطة بناء وانتفاضة ثورية، ومن تخريفات الحلاج وأمثاله تحررًا فكريًا، ومن المؤسف أن صحف بعض الأحزاب العربية القومية أتاحت لهم وتتيح مجال نشر شبهاتهم، غير ملتفتة إلى الضرر الذي سيلحق بفكرها ذاته تبعا لذلك،على الذي بيناه من توقف مصالح الأمة على عزة الإسلام نفسها.
•وكذلك أحرزت الدراسات الشعوبية الطائفية تقدما مماثلًا في هذا المجال، يتمثل على الأخص بكتاب مرتضى العسكري «مائة وخمسون صحابي مختلق».
حشر فيه من التدليس والمغالطة ما يوهم بكذب بطولات الفتوح، وجعل وجود قادة الفتوح خيالًا كعاصم بن عمرو التميمي، وأخيه القعقاع بن عمرو، وغيرهما.
وادعى أن الله تعالى لم يخلق بشرًا عرفوا بهذه الأسماء، فضلًا عن أن تكون لهم بطولة، وركز على نفي قادة فتوح بلاد فارس، تثيره عصبية فارسية شعوبية واضحة بين أسطره، وكل حجته أن هؤلاء ذكرهم المؤرخ سيف بن عمر التميمي فقط، وهو متهم بالكذب.
مع أن هناك روايات أخرى عن غير سيف تذكرهم تجاهلها هذا الشعوبي الموتور، كما تجاهل روايات المؤلفين القدماء حول عبد الله بن سبأ، وما اقترفه وادعى، في كتاب آخر عدم وجوده، وأنه شخصية تاريخية مخترعة. وقد صدرت دراسات أخرى لغيره حول حروب الردة تضرب على هذا الوتر الشعوبي أو الطائفي، وقد حققت هذه الدراسات الشعوبية تأثيرها على بعض المتسرعين، وعلى من صادفت فيهم هوى من أساتذة الجامعات، وراحوا يروجون لها، ولا تزال منتصرة على دراساتهم لحد الآن، لخلو الميدان من ردود وافية تبين عوارها و انحراف مؤلفيها عن أمانة البحث وأصوله الأخلاقية، وسيبقى صدور هذه الردود أمانة في أعناق هؤلاء النفر الذين سميتهم من ثقات الباحثين الملتزمين بالموازين الإسلامية، وهي ديون عليهم لا بد أن يؤدوها بإحسان، ولعل الله تعالى يوفقني للمساهمة في بعض هذا الجهد الواجب.
•نحو موسوعة مستقلة
أما بعد:
فهذا بعض خبر إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، والتعويل فيه إنما يكون، كما رأيت، على ثلة من ثقات الباحثين الذين يحوزون صفات معينة، ويلتزمون منهجا إسلاميًا خالصًا، ومن هنا فإني أرى صوابًا في كلام غيري إذا تحفظ وبادر إلى توهيمنا فيما رجوناه أولًا من إمكانية توجيه الجهود المبذولة لإخراج الموسوعة التاريخية الإسلامية عن جهات رسمية، ثم إذا دعانا إلى اليأس من إمكانية إحداث تأثير كاف فيها، لقصور الخطط الرسمية في هذا الصدد. إذ ما زال الناس في اختلاف وأفكار متعارضة، وكذلك سيبقون، والمتأثرون بالشبهات الاستشراقية والمفاهيم المادية والمشاعر الطبقية والغلواء القومية هم المسيطرون. وفي مركز القوة، وكأنه لا بد من قيام جهد إسلامي مستقل يقابل جهودهم لإخراج موسوعة تارخية أمينة، ولسنا نطالب الحكومات والجامعات بمال أو شيء آخر يدفع عملنا في هذه الخطة قدمًا، فقد وعظتنا التجارب بوجوب الزهد في ذلك، والاعتماد على النفس إذ أننا في آخر الزمان. حيث يؤتمن الشعوبي والزنديق والماسوني والمصلحي، وتحكر لهم المناصب، وتوطأ لهم المنابر. وتوسع لهم الكراسي، بينما يتهم الأمين بالخيانة، ويوصف الكاذب بالصدق، ويشاع عن الصادق أنه كاذب، إننا إنما نطالب بالحرية فحسب، حرية القول والنشر والبحث، وحرية شغل المناصب التي نستوفي شروطها المعلنة.
وقد امتد بنا السمر، وقرب الفجر، وأدركنا الصباح، ويكفينا هذا القدر من الكلام المباح، وإلى عدد قادم أنقد فيه كتاب «التاريخ الأندلسي» للدكتور عبد الرحمن الحجي إن شاء الله