; سمر ليلة شتاء طويلة حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان سمر ليلة شتاء طويلة حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980

مشاهدات 62

نشر في العدد 466

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 22-يناير-1980

القسم الأول:

  • يلمس المتتبع لتصاعد الصحوة الثقافية الإسلامية المعاصرة مظهرا من مظاهرها بالغ الأهمية ما زال يتكرر تجليه في صورة من الدعوة إلى إعادة تدوين التاريخ الإسلامي، وكان من آخر الصيحات التي رفعت صوتها: النداء الذي وجهه مؤتمر السيرة النبوية المطهر المنعقد بقطر في مستهل عام ١٤٠٠ هجرية، فقد أكد تأكيدًا واضحًا على ذلك بما ينبئ عن وعي المشاركين فيه، بل إن استمرار انعقاد المؤتمر في دورات متتالية خلال السنين الماضية إنما يراد له أن يأتي أصلا في إطار المساعي العملية التنفيذية لهذه الدعوة، وضمن الخطوات المفترضة لتحريك الطاقات العِلمية التي يبدد حيويتها ما يعوزها من التنسيق والترابط وتقاسم الأدوار.

لكن مثل هذه التنبيهات التي تؤكد عليها المؤتمرات لن تكون إلا بمنزلة التوجيه القيادي والاستكشاف الريادي، وتبقى الواجبات التدوينية التفصيلية وجهود النشر أمانة في أعناق الجامعات الإسلامية، ومراكز البحوث، والمجاميع العلمية، ووزارات الأوقاف والجمعيات الإسلامية العامة، إذ ليست الحاجة إلى موسوعة تاريخية إسلامية بأقل من الحاجة إلى موسوعة فقهية، وآية ذلك: أن معظم البدع العقائدية والفقهية التي ما زالت حية في الأمة إنما ترتكز على تزوير تاريخي وتدليس في رواية أحداث الصدر الإسلامي الأول خاصةً، مما يدع لدينا قناعة بأن التوعية التاريخية ضرورة لا بد منها لاكتمال التوعية الشرعية وإتيانها لثمراتها المرجوة، وليس من اليسير أن نفصل بين الناحيتين أبدا، وأظن أن جدوى مؤتمرات السيرة ستظل قاصرة ما لم ينبثق عنها مركز دائم للبحوث التاريخية يديره مجلس عام تمثل فيه أهم الجهات المذكورة آنفا، ويشرع هذا المركز بوضع خطة عامة لإعادة كتابة التاريخ، ويتفق مع عدد كبير من الباحثين المختصين على تدوين أجزاء تتكامل، وتوحد أسلوبها لجنة مصغرة مستفيدة من تجارب الموسوعات الفقهية وغيرها.

ولا يمكن أن تقوم المشاريع المطروحة خلال السنوات الأخيرة من قبل جامعة الكويت وغيرها مقام هذا المركز المقترح؛ لاختلاف معايير الانتقاء، إن لم يكن اختلاف الأهداف أصلًا فإن القائمين على المحاولات السابقة هم خليط غير متجانس من أصحاب الأفكار المتضادة، ولا تجمع بينهم غير صفتهم في التدريس الجامعي، وأكثرهم من العلمانيين الذين لا يؤمنون بأنظمة الإسلام وتشيع بينهم الآراء الاستشراقية، ولبعضهم تطرُّف في الميل إلى اليمين أو إلى اليسار، ولآخرين منهم انتماء طائفي ليست تخفيه ألسنتهم، ويندر فيهم العنصر الملتزم بالأفكار الإسلامية، بينما يكون من الواجب أن تقتصر المشاركة في أعمال المركز الذي نقترحه على المؤسسات الإسلامية، وأن يكون هناك نوع التزام بأعراف الجَرح والتعدِيل الإسلامية عند اختيار الباحثين، وعدم إناطة هذه المهمة إلا بثقة من أهل الصلاة والعقيدة الصحيحة والتمسك بالشرع، وهذا نمط من التنفيذ لا تخفى صعوبته، ولكنه ضروري جدا، وخير لنا أن نضاعف المدَّة إذا قل الثقات، من أن نتهاون في اختيار الرجال طلبًا للاستعجال.

ولست أدَّعي أن التزام هذه الأوصاف سيخرج للأمة موسوعة تاريخية معصومة بريئة من الأوهام والتأويل الضعيف، إذ إن في أنظمة المؤسسات ثغرات يلجُ فيها مَن ليس بأهل للمهمة، تساعدهم الهيمنة الحكومية على هذه المؤسسات ومقتضيات دعايتها السياسية والوساطات الشخصية النافذة فيها، ولكني أظن أن هذه الاحترازات التي نقترحها ستُخرج لنا موسوعة يقل فيها الخطأ، وتندر خلالها الفلتات، بحيث إن بضعة مقالات نقدية لها استدراكية عليها يكتبها دعاة الإسلام تكون كافية لانتباه القارئ، وبها تأخذ الموسوعة مكانها اللائق كمصدر تربوي رئيسي، ذلك أن الاستثمار التربوي هو المقصد الذي نبتغيه من وراء هذا العمل وأمثاله إذ التاريخ وسيلة تربوية لها دورها في انفتاح النفوس أو انغلاقها، وفي صفاء الأفكار أو امتزاجها، وفي تجريد الوجهة أو إلهائها، والعمران المدني لا تؤدي إليه العلوم الطبيعية الفنية وحدها ما لم تحفظ تربية الجيل الذي سيرهقه انغماسه في مصانعها ومختبراتها، وما زال من الناس من يرطن لسانه بذكر تأخرنا التكنولوجي ويجعله السبب في هزائمنا، ويتجاهل التكامل الضروري بين العلم والأدب، والشمول العاطفي والمعنوي والتاريخي الذي يأخذ به الأدب سعة معناه.

لكن المنهج الذي سَتُعَادُ وِفْقَهُ كتابة التاريخ يَعْدِلُ في أهميته هذا الذي نذكره من دقة اختيار الباحثين، وقد كتب في بيانه أخي الدكتور أكرم العمري وغيره، وأظن أن معالم المنهج الإسلامي الصحيح لكتابة التاريخ لن تكتمل إلا باجتماع عدد كبير من كتابات المجربين، وأهل المعاناة الفكرية والتربوية، ويصح أن يكون التنسيق بين مجموع ما يذكرونه مقدمة للموسوعة المنتظرة.

والذي أراه أن التحليل التاريخي الإسلامي الأمثل يستند على خمسة موازين مهمة، وليس تحديدي إضافة من يضيف، ولا تضيِيقا على التفاتات قد أراها أنا مِنْ بُعْد:

الميزان الأول: التزام الأحكام الإسلامية في تقويم الأحداث وأفعال الحاكمين وتصرفات الرجال التي يرويها التاريخ، فالصواب ما ذكرت الآيات والأحاديث الصحيحة أنه صواب أو امتدحته، والخطأ ما قال عنه الشرع إنه خطأ وورد فيه ذَمُّهُ، وهذا هو الميزان الأساس، ولو أردنا شرحه لأتينا على ذكر فهرست الإسلام كله، ولكنه يُشرح من خلال النقد التفصيلي للكتب وما يقع فيه كتابها من قياس عقلي وذَوْقِي مجرد أثناء تحليلهم يستحسنون خلالهما ما قد لا يرضَى عنه الله ورسوله أو العكس.

ويلحق بذلك: أن يقدم الباحث النصَّ الشرعيَّ على أي رواية تاريخية، ومثال تجاهل تلك ما كان من مسارعة باحث كبير قبل سنوات إلى نفي يتم النبي صلى الله عليه وسلم طلبا للإغراب، وتغليبًا لرواية ضعيفة واهية، مع أن القرآن ينطق صراحة بأن الله تعالى وجده (يتيما فأوى). وسمعت من أفواه باحثين آخرين وَصفهم لبعض جوانب العقيدة بأنها أساطير، ويبحثون الإسراء والمعراج مثلًا على أنها أساطير ملحقة بالسيرة.

ويلحق بذلك أيضًا أن يستثمر الباحث علم التاريخ استثمارًا تربويًا، بأن يجعل حوادثه شاهدة على صواب الآداب التي أرشد إليها الشرع، ليطمئن قلب المسلم المخاطب بها ويزداد إيمانًا، ففي أفعال أجيال المسلمين عدْل وشجاعة ومروءة وزهد وتجرد، ويجب أن تبرز هذه المفاخر، ولفّتهم هزائم واستولى عليهم ضياع، ويجب أن يُبرز المؤرخ ما كان وراء ذلك من ظلم وفسوق وطمع.

الميزان الثاني: العدل، وتحليل المواقف التي رواها التاريخ على ضوء القرائن، فالباحث مكلَّف بأن يدرس الظروف المحيطة بكل حادثة ليتمكن من العدل في الحكم على أهلها، إذ إن الكثير من تصرفات الخلفاء والولاة وقادة الحروب تعتمد المقابلة بين المصالح المتعارضة والمفاسد المجتمعة للخروج من الموقف بأقل ضرر وأوفر مصلحة، وليس لهم الخيار دومًا كما قد يظن المتحمس الذي يقرأ نصوص الحثِّ على الجهاد والعدل وهو جالس في مكانه بين كتبه، إن الممارسة العملية شيء آخر يختلف، ويحتاج السياسي أحيانًا أن يسل نفسه وأمته وجيشة من محيط مليء بالمشاكل والتنافس وترصُّد الأعداء، ليدَّخرها إلى حين آخر، وليس صحيحًا أن يصف الباحث كلَّ هدنة في تاريخنا إنها الخوف والجبن، فلربما اقتضتها الحكمة، ولا كل هزيمة أنها تقصير، إذ قد تكون قوة العدو كاسحة، ولا كل تولية لرجل سوء إنها ضعف، فقد يكون له حزب يظاهره أو طائفة تعينه أجبرت من ولَّاه.

ولكن هذا الميزان نفسه يتيح للباحث أيضًا أن يجزم بانتقاد رجال ومهادنات وهزائم أخرى وغير ذلك من تهوُّر فيه مغامرة أو تَرَف تحرِّكُهُ شهوة، وأن يشير مستيقنا إلى أسبابها، وليس بين السِّمتين في موقفيه تضاد، طالما أنه غير منقاد في أحكامه إلى أهواء، وطالما كان له من القواعد الشرعية ضابط.

ومما لا شك فيه أن هذه الطبيعة تقتضي أن يحوز الباحث مَلَكَةً اجتهادية جيدة يستطيع بها أن يميز بين حقائق المواقف وظواهرها، وتُمَكِّنه من رؤية العلاقة بين مقدماتها ونتائجها، وحيازة هذه المَلَكَة أمرٌ لا يصح التجاوز عنه، ونطلبه بإلحاحُ ومن عدمها فأوْلى له أن يكسر قلمه، أو يرضى بأن يفضحه المدققون.

الميزان الثالث: التثبت من الأخبار والنصوص، وذلك يقتضي نوعًا من الإلمام بعلم الرجال واتصال الأسانيد، هو في مجمله نفس العلم الذي يعتمده الحديث النبوي الشريف، ولكنه يتَّسع هنا ليشمل رُواة الأخبار التاريخية وآخرين من طبقات متأخرة عن العصر الذي تمَّ فيه تدوين مسانيد الحديث وسننه وصحاحه، وقد آل هذا العلم إلى الضمور اليوم وأصبح الباحثون ينظرون إلى كل الروايات نظرة متساوية أو تكاد، ولا بد من إحياء سَمْتِ الفحص الأول، وإخضاع السَّند لدراسة مستقلة تسبق دراسة المتن، إذ ليس بين علم الحديث وعلم تاريخ صدر الإسلام حاجز أو حد عريض، والباحث مُطالَب لا باكتشاف السند الضعيف فقط وإطراح المتن التاريخي الذي ينبني عليه بل هو مُطالَب أيضًا بتمييز درجات الصِّحة، وتفضيل السند الأصح على الصحيح، كما هو شأن المحدثين في القديم حين كانوا يقولون بأن سند فلان أصح أو هو أسند، كما في بعض تعابيرهم، ومن أمثلة ما له علاقة بهذه النظرة ما اشتُهر بين المؤرخين من نفي عثمان لأبي ذر رضي الله عنهما إلى الربذة، بينما يُفصح نصُّ صحيح البخاري عن أن فكرة الانتقال إليها هي مجرد اقتراح عرضه عثمان وترك لأبي ذر إزاءه الخيار، وقال له: إن شئت، ولم يزد.

ولكن هذا العلم المهم لا تبدو معطياته ما لم يحمل الباحث المؤرخ نظرة اجتهادية فيه، فكما أن في الفقه المقلِّد والمجتهِد، وكما أن في فهم النصوص التاريخية مجال اجتهاد فإن في وزن الرجال وجرحهم وتعديلهم اجتهاد آخر. أما المقلِّد فيه فَتَراهُ ينقل ما قاله القدماء من النقاد، ويجمع قول بعضهم إلى بعض، ويجمُد على ما قيل له، وقد يكون كثير الحفظ لنصوص أقوالهم، واسع الاطلاع على أسماء الرجال، لكن هذه السعة لا تسندها مرونة ذهنية، ولا يستثمرها استيعاب شامل رابط بين الأحوال المتماثلة، بينما تجد من شأن المجتهد في علم الرجال أن يقارن، ويقيس الأقوال بعضها على بعض، ويرى القرائن، ويتثبت من دعوى المدعِي، ويجعل متون الراوي شاهدة على صواب أو توهُّم الناقد، ليخرج من بعد كل ذلك بنتيجة لا يأبى أن يبوح بها إذا كانت تُخالف ما ذهب إليه الأئمة المشاهير.

ولا أعرف أحدًا في العصر الحديث كان أبرع اجتهادًا في نقد الرجال من العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله، فقد كان جهبذا، طويل الباع في المقارنة، جريئًا في النقد، وحواشيه على الأقسام التي حقّقها من مُسند أحمد وجامع الترمذي وتفسير الطبري هي في حقيقتها مدرسة كاملة في النقد المجتهد، ولا يصح للباحث في التاريخ الإسلامي الأول أن يتوغل فيه دون أن يتتلمذ لها ويتخرج بها.

أما أن المجتهد في هذا الباب قد يرتكب الخطأ فنعم، وهو فيه كمثل الفقيه مرة ومرة، يصيب من بعد الخطأ، ولأحمد محمد شاكر أو غيره تساهلات أو إفراط في التشدد، ليس يُعاب العلم من جرائها ولا هم يعابون، ما دام تبادل النقد الملتزم بقواعد الأخلاق والإنصاف جاريا بين الباحثين، كذلك يسوغ التساهل في أسانيد التاريخ قليلًا. بينما التشدد واجب تجاه أسانيد الحديث، وقد صرح ابن حجر بمثل تلك في معرض كلامه عن الواقدي، لكنه التساهل النسبي الذي لا يصح التمادي فيه.

وما زلت أمضي في إعداد دراسات تحلل أسانيد صحیح البخاري، وأنا أرجو أن أنجح إن شاء الله من خلالها في تقديم نماذج جديدة من هذا النوع من الاجتهاد الذي يحتاجه المحدث والمؤرخ معًا، لست أحدث نفسي بأني سأقارب أحمد شاكر فيها، ولكني أطمع أن آتي بقبس، وقد ابتدعت طريقة ذات أركان ثلاثة، تعتمد التجزئة في نقد الأسانيد، والإحصاء، واستعمال الخواطر أظنها ستسهل عليَّ بلوغ ما استعصى على بعض الباحثين.

أما الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله فله المكانة العالية، واجتهاداته وافرة، ولكني نشأت نشأتي الأولى تلميذًا لكتابات الشيخ أحمد شاكر، فما زلت من بعد متشيعًا له ومائلًا إليه، وما زالت النشوة التي تغمرني اليوم عند قراءة حواشيه في نفس قوتها عندما كنت شابًّا مبتدئًا.

والمقصود هنا أن الكثير من الروايات التاريخية الخاصة بصدر الإسلام رواتها هم نفس رواة الحديث النبوي الشريف، وهذا الاطلاع على أحوال رجال الحديث يساعد المؤرخ مساعدة مباشرة وهو من التاريخ بمنزلة النحو من الأدب.

الميزان الرابع: الرجوع إلى كتب الحديث النبوي الشريف كمصدر مهم وراجح لأخبار الصدر الأول.

لوجود روايات تاريخية كثيرة فيها ويمكن أن تتضاعف كمية هذه الأخبار بالرجوع إلى كتابات العلماء الذين كانت لهم عناية بشرح كتب الحديث وذلك أن ثقافتهم الحديثية واقتباساتهم من كتب التاريخ المفقودة التي دوَّنَها المحدثون الأولون جعلت شروحهم غنيَّة بنصوص لم يستثمرها الباحثون المعاصرون وأساتذة الجامعات الذين تكلف بعضهم صناعة حاجز بينه وبين الكتب الشرعية ويُعتبر كتاب (فتح الباري بشرح البخاري) ومؤلفه ابن حجر العسقلاني مثلًا واضحًا لهذه الكتب وهؤلاء العلماء إذ فيه من الفوائد التاريخية كميّة وافرة كما هو كتاب حديث.

ويلحق بذلك أن يتجاوز الباحث أيضًا قَصْر مصادرهِ على الكتب التي وصفها مؤلفوها بأنها تاريخية، بأن يتتبع الأخبار المبثوثة في كل الكتب الأخرى، إذ قد يجد من فلتات لسان فقيه أو أديب حلًّا لإشكال تاريخي أو قرينة تُعِينُه على هذا الحل، واستنطاق القرائن هو بلا شك من الفنون التي لابد منها لتمام صناعة التحليل التاريخي.

ولكن الاستطراد في ذلك قد يسبب انفلاتًا يقود إلى تعسُّف وإغراب، والعقل السليم ونيَّة الإنصاف والذوق العلمي حدود يتميز بها ما يجوز وما لا يجوز من هذا الاستطراد، وأذكر أن طالبًا كان يناقش رسالته للماجستير في بغداد قبل عشر سنوات قد بالغ في ذمِّ الحَجّاج ونَسَب إليه شنائع غريبة، فحاوره بعض المناقشين، وطالبوه بالمرجع، فقام يدافع عما كتب، ويظهر مهارته في الاعتماد على ألف ليلة وليلة في ذلك!!

الميزان الخامس: عدم التجاوز في المعاني القومية إلى حدود لا يُقِرُّها الإسلام، فإن القوميين من الباحثين في التاريخ الإسلامي قد تكلَّفوا تفسير الأحداث وفقًا لمقاييسهم القومية وجرد العرب منهم أفعال الصحابة والعرب من التابعين عن نواياهم الإيمانية، كما جرد غير العرب أفعال أسلافهم عن مثل تلك النوايا، حتى ظهر اليوم في المغرب من ينادي بالقومية البربرية ويُخرج مشاركات البربر في التاريخ الأندلسي والإسلامي عمومًا تخريجًا قوميًّا محضًا، فأما العروبة فإن في تفسيرها الحاضر حدًّا مستساغًا في المعايير الإسلامية، وفيها زيادة متجاوزة مرفوضة، والذي يمكن أن يقبله المسلم منها جوانب ثلاثة:

(الجانب الأول): الحِفاظ على اللغة العربية وتنمية دراستها، وتأكيد دورها، وإشاعتها بين الشعوب الإسلامية غير العربية والعناية بتطويرها وتمكينها من الاستجابة لحاجات التعبير التي تفرضها الثورة العلمية والفنية، وما زال كل مسلم يرى أن العربية عمود الإسلام وعلومه، وارتباط مكانتها بمكانة الإسلام لا ينكره إلا جاهل، وقد اعتني مركز التعريب بالمغرب خاصة ببيان هذا الارتباط ونَشَرَ حوله من البحوث ما فيه كفاية، وأتي بشواهد تؤكد هذا المعنى وافرة.

(الجانب الثاني): الاعتراف بمأثرة العرب الكبرى في أستاذية الشعوب الإسلامية الأخرى، وإشاعة حب العرب فإنهم معدن الإسلام، ولجمهورهم من المّقْدرة على فَهْمِ الإسلام ما ليس لجمهور الشعوب الأخرى، وإن كان للخاصة من رجال أي شعب مسلم مقدرة على الإحاطة بعلوم الإسلام توازي مقدرة الخاصة من العرب.

وهذا المعنى المقبول عند المؤمنين من معاني العروبة يؤدي ولا شك إلى وجوب محاربة المسلم للتيارات الشعوبية المعادية للعرب، سواء في أفكارها وآدابها، بما يقتضيه كبتها من ردود، أو في أعمالها وخططها تبغي إقصاء العرب عن مراكز القوة والنفوذ واستبداد غير العرب بها في بلاد العرب.

(الجانب الثالث): التناصر والحرص على مصالح العرب، وكفاح مَن يعاديهم من دول الاستعمار، وهذا من السلوك الفطري قبل أن يكون عروبة، لكن العروبة اكتسبته كمعنى من معانيها خلال أيام التحدي والتحرر من السيطرة الاستعمارية، والمسلم أسبق من غيره إلى العدل ونفع الناس ومحاربة الخيانة وجهاد الكفرة كما أنه أوسع في مشاعره، ويتجاوز حدودًا يقف عندها القومي، ليبذل نصرته إلى كل مسلم في الأرض بل وإلى كل مستضعف مظلوم وإن لم يكن مسلمًا، والذي نراه اليوم من القوميين من هذه النصرة الإنسانية ليست مردَّها إلى الروح القومية، بل إلى الفكر الاشتراكي الذي يختلط بها، فيحيد بها عن الإنصاف والمساواة بدليل أن القومي ينتصر الآن لشعوب أميركا اللاتينية وأمثالها إذا ظُلمت، ويخذل أفغانستان وأمثالها إذا سحقتها الجيوش السوفيتية وغيرها، لصدوره عن تقويم علماني في ذلك، ولسيطرة الدعاية الصحفية والعالمية عليه، كأن الشعوب المسلمة المظلومة ليس لها الحق الإنساني العام.

فهذه الجوانب الثلاث من معاني العروبة مقبولة عند المسلم، وأما ما عداها، وتفضيل العرب على الشعوب الأخرى، فجاهلية مردودة، وعلمانية العربي كفر مهما ملأ قلبه بحب العرب.

وتتقلص هذه الجوانب الثلاث إلى جانبين فقط في الدعوات القومية غير العربية، بإسقاط الجانب اللغوي، إذ العربية لغة الإسلام، وهي اللغة التي يفترض أن تحرص عليها كل شعوب الإسلام، ومن الخطأ إحياء لغات الشعوب الإسلامية غير العربية، وجعلها لغة علم وتدوين وفكر، إذ في ذلك قطع لِصِلَةِ أولئك المسلمين بالتراث الإسلامي المدون بالعربية أو باصطلاحات عربية؛ ولهذا فإن محاولة المجامع العلمية في البلاد الإسلامية تنقية لغاتها من التأثر العربي إنما هي محاولات هدَّامة مُنْكَرة تعدل مُنْكَر الدعوة إلى العامِّية في البلاد العربية، وَوُعَاةُ المسلمين يدركون ذلك، وقد أراد السلطان سليم الثالث رحمه الله جعل العربية لغة رسمية للدولة العثمانية، وكان أديبًا فيها رائق النَّظْمِ، فعارضه جهلةُ الأتراك ولم يستطع، كما كان الشيخ شامل الداغستاني رحمه الله بطل القوقاز ومُدوِّخ الجيوش القيصرية يشيع العربية ويعتمدها في بلاده، وذلك دأب واضح لكل مسلم وَعَى دروس التاريخ.

وأما جانب حب العرب والاعتراف بمأثرتهم فيقابله تجاه غير العرب حب الشعوب الإسلامية ذات المأثر في خدمة الإسلام، فالواجب على العربي مثلًا حب التركي لمأثرة أوائل الأتراك الآن في غزو أوروبا وقطع دابر الحروب الصليبية، ومأثرة متأخريهم في منع الهجرة اليهودية كما أن من واجب العربي حب البربري لمأثرة أوائل البربر في فتح الأندلس ومأثرة معاصريهم في المشاركة في ثورات التحرر من الاستعمار الفرنسي، أما أن تكون هناك طورانية وبربرية فلا، أو أن يكون هناك تستر على ظلم رافق حكم بعض العثمانيين فلا.

وشاهد القول إن الكثير من البحوث التاريخية المعاصرة قد نَحَتْ منحًى قوميًا في تحليل أحداث التاريخ الإسلامي، فما كان منها قد التزم بهذه الجوانب الثلاث فهو مقبول عندنا وممدوح منَّا، ويمكننا بقليل من سعة الصدر أن نتجاوز عمَّا فيها من اصطلاحات قومية لم تتطور إلى غلو في المعنى، وأما ما كان قد تعدَّى منها هذه الحدود، وجنح إلى تعصب وغمز فحري أن نرفضه ونصفه بالضعف والتخليط وأحسن من هذا وذاك أن يصيب المؤلِّفُ في عرضِهِ وتحليلِه، وأن يلتزم اللفظ والاصطلاح الإسلامي في بيانه وتعبيره.

هذه هي الموازين باختصار، ولست أريد الإحاطة بها ها هنا، ولكني ذكرت هذه الأطراف من دلالاتها وما يتعلق بها كمقدمة ضرورية للتعريف بالجهود المعاصرة لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وبمقدار ما تتوطَّأ به كلمتي النقدية المُقبلة التي سأحاول أن أبيِّن من خلالها مكانة كتاب أخي الدكتور عبد الرحمن الحجِّي عن التاريخ الأندلسي، وقد كتب الدكتور أكرم العمري شيئا عن هذه الموازين، وكتب غيره.

وذكر هذه القواعد تتمُّهُ ولا شك بديهيات رئيسة في أدب البحث، من صدق الرواية وأمانة النقل عن المصادر، وترك التدليس الذي يخفي بعض الحقائق المكمِّلة للصورة المعروضة، فإن أمثال هذه الآداب أساسيات أخلاقية قبل أن تكون موازين إسلامية.

ولكننا إذ عبنا الإدلاء التحليلي الذي أتى به القوميون من المؤرخين فإن ذلك لا يمنعنا من الاعتراف بأن النجاح الأكبر الذي حققته الجهود التاريخية الحديثة يكمن في إخراج مخطوطات التاريخ الإسلامي محقَّقَة مضبوطة، وهو عمل باهر تعاونت عليه ثُلة من أهل الهمَّة، وأظن أن تلك سيتيح مجالًا عريضًا لدراسات نقدية تحليلية جيدة، نظرًا لغناء المصادر اليوم إذا قارنَّاها بما كانت عليه قبل نصف قرن مثلًا، والملتزمون بالمنهج الإسلامي وبهذه الموازين هم أوْلى وأجدر مَن يبادر إلى هذه الدراسات، فإن ثُلَّة أهل الهمة أولئك الذين حقَّقُوا ونشروا لا تخلو من متطرفٍ وآخر علماني، يخلطون عملًا صالحًا بآخر سيئًا.

إنَّ من الضروري بمكان أن ننتبه هنا إلى أن هذه النظرة المُستلَّة من هذه الموازين التي ننقد بها الباحثين يجب ألَّا تكون مُسرفة في التشدُّد، فإن التشدُّد مطلوب إزاء من يمارس التحليل ويُزيد من عنده على السرد تعليلًا للأحداث فننقده وفقًا لموازين النقد الإسلامي، ونفحص كلامه فحصًا، ونمدح أو نقدح بمقدار ما نرى من فقهه ووعيه للقواعد الشرعية، ومن التزامه أعراف الإنصاف.

أما طائفة الذين يحققون مخطوطات التاريخ الإسلامي ويبعثونها إلى الحياة، أو الذين يجمعون النصوص عن أمر معين ويسردونها سردًا، فهؤلاء من أقرب الباحثين إلى أصحاب المنهج الإسلامي، ويجب أن يكون لهم التأييد والإسناد والقول الحسن مهما كان يعتريهم من تخليط فكري أو سلوك معيب أو موقف سياسي مصلحي، بل حتى أهل الاستشراق والنصارى منهم؛ لأن كل هؤلاء يمهدون الطريق للباحث الملتزم بالموازين الإسلامية، ولولا جهدهم الذي قدموه خلال هذا القرن في هذا المجال لما استطعنا أصلًا أن نفهم تاريخنا على وجهه الصحيح الكامل، وقد أتعبوا أنفسهم فعلًا في التفتيش عن المخطوطات الثمينة.. وأرهقهم تحقيقها ونشرها، ووجود أمثالهم لا بد منه للبلوغ بالشوط إلى مداه الأبعد الوافي وحسن صلة دعاة الإسلام بهؤلاء الجمهور من الباحثين وأساتذة الجامعات وأعضاء المجامع العلمية ضرورة لازمة للقيام بتحليل التاريخ الإسلامي وإعادة كتابته، واللسان الشاكر المؤدب نحوهم والذوق الرفيع: ضرورتان بدورهما لتأسيس هذه الصلة، ويكفي أن نمثل لذلك بالمستشرق الألماني هنري فستنفلد المتوفى سنة ١٨٩٩ ناشر سِیَر ابن هشام وتواريخ مكة وطبقات الحُفّاظ للذهبي ومعارف ابن قتيبة، في مائتين من أَنْفَس المخطوطات العربية في التاريخ واللغة، وتأمل ضخامة عدد ما نُشر، ومثله فنسنك ومنسنج الهولنديان، اللذان تعاقبا على إخراج (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي)، رفيق كل باحث جاد، ولو تابعنا التمثيل لامتد بنا القول، ولكن يكفينا أن نذكر المستشرقين قاموا بعملين: (العمل الأول): نشرهم المخطوطات العربية وتحقيقها، وهو عمل ضخم وجهد جيد، ولولاهم لتأخر نشر كثير منها، ومن الحق أن يشكروا على ذلك، وأن نسجل لهم إعجابنا الكبير بهم.

(والعمل الثاني): التأليف والتحليل، ومنهم محسن في ذلك ومسيء وقد يلتبس الأمر على المحسن منهم لجهله بالموازين الإسلامية، فيأتي بالغرائب والآراء الفجة، وما سَلِم منهم غير قليل.

ومن هؤلاء الذين سلموا منهم (ولتر باتون) مؤلف كتاب (الإمام أحمد بن حنبل والمحنة)، إذ إن مفتاح المسألة هو الالتزام بالمنهج الإسلامي أو عدمه، ولهذا فإن باتون لما تقمَّص الموازين الإسلامية، وهو مستشرق نصراني هولندي: أدَّاه أمره إلى حكم صحيح على محنة الإمام أحمد هو أصح من أحكام بعض حملة العلم الشرعي الذين تطرَّقوا لتحليل المحنة، حتى كأن أوضح من الشيخ محمد أبي زهرة رحمه الله في ذلك وأبعد نظرًا وأصح رأيًا مع ما للشيخ من فضل وعلم، وذبَّ عن الإسلام والمسلمين.

ولهذا فإن من الخطأ أن يفهم هذا الكلام على أنه يعطي براءة في القول التاريخي لكل رجل علم شرعي معهم، أو لكل متعبد من أهل الصلاة، بل الوعي مراتب ومنازل، وقد يلهمه شاب جامعي ويحرمه شيخ يفتي ويقضي، وكان الشيخ الخضري من أسبق المنتسبين إلى الفقه الذين جرَّبوا استعراض التاريخ الإسلامي، وفي استعراضه عِلَل.

وإلى العدد القادم إن شاء الله، حيث نتابع الحديث إذ أمرتْني المجلة بالوقوف ها هنا، وهذا من عيوب الكتابة الصحفية أن الصحيفة لا تمنح الكاتب حرية الاستطراد، وتدَّعي أن ذلك بالتالي هو عيب القارئ، ليس له صبر على طول المقال، ونعوذ بالله من هذا الهبوط في الهمم والجنوح إلى العجلة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

139

الثلاثاء 05-يناير-1971

الجامعة والأساتذة الزائرون[1]

نشر في العدد 5

139

الثلاثاء 14-أبريل-1970

هل نستجيب؟