; سنة أولى.. حركة سياسية شعبية في مصر | مجلة المجتمع

العنوان سنة أولى.. حركة سياسية شعبية في مصر

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 07-مايو-2005

مشاهدات 53

نشر في العدد 1650

نشر في الصفحة 27

السبت 07-مايو-2005

يقر المتابعون للشأن المصري بأن البلاد تمر هذه الأيام بمرحلة مهمة ومفصلية من تاريخها؛ لا نقول ذلك تقليدًا لمن اعتاد طوال سنوات على ترديد القول بأننا نمر بمنعطف مهم وحرج، وبمرحلة حاسمة من تاريخنا، حتى خيل لنا أننا لن نرى أبدًا الصراط المستقيم الذي نسير عليه بسلام.

بإمكاننا تصديق ذلك القول هذه الأيام: فلأول مرة منذ سنوات طويلة تشهد مصر تحركًا سياسيًّا شعبيًّا من أطراف مختلفة، وتململاً من استمرار حال السكون والركود الذي طال أمده ورغبة في إحداث تغيير حقيقي، وغضبًا -تجاوز حدود الاكتفاء بعدم الرضا- من الوعود التي لا تتحقق، ومن السراب الذي لا يروي العطاش ولا يطفئ الظمأ. لقد بدأت في مصر حركة سياسية شعبية -لا تزال في سنتها الأولى- نرجو أن تستمر وأن تتصاعد في مسار صحیح سليم حتى تؤدي دورها وتبلغ غايتها وتصل لمرحلة الرشد بأمان.

وقد اتسعت حالة الوعي بالوضع القائم لتشمل قطاعات واسعة من الشعب، ولم تعد مجرد حديث خاص بالنخب المعزولة كما يقال، وهذا مؤشر إيجابي بكل تأكيد معناه أن الدعوة للإصلاح أصبحت مطلبًا شعبيًّا لا يمكن تجاهله. ولكن - في المقابل - نجد أن اتساع الرغبة في التغيير - في مراحلها المبكرة - يمكن أن يحمل في طياته أخطارًا جمة إذا ما حدث تجاوز في تقدير الأهداف، وفي اتباع الوسائل:

 فالهدف الأساسي هو إحداث التغيير الذي يقود إلى الإصلاح المنشود، وليس الهدف هو التغيير لمجرد التغيير، أو التخلص من الوضع القائم الذي يبعث على الكابة والاشمئزاز ولو بالسقوط في بحور الفوضى أو إتاحة الفرصة للبعض لامتطاء ظهور الجماهير وتحويل مسار الحركة الشعبية فإنه:

رب عهد مضى بكيت منه فلما     صرت في غيره بكيت عليه

والمحك الأساسي هنا يتعلق بالتوازن الدقيق بين رفض استمرار حالة الركود السائدة، وبين عدم الدفع بالأوضاع إلى حال من الفوضى والاضطراب يمكن أن تؤدي إلى خسارة أكبر ونتائج أوخم.

ونلاحظ هنا أن الكثيرين ممن كتبوا أو تكلموا في هذه النقطة يعيبون على الإخوان المسلمين -على وجه الخصوص- ما يعتبرونه تقاعسًا عن اغتنام الفرصة، بل إن البعض يتهم الإخوان بأنهم عملاء للسلطة يقدمون لها الحماية في وقت ينبغي أن ينهالوا عليها بالضرب، ويتناسى هؤلاء أن الإخوان من أكثر من أضير من بطش السلطة في أكثر من عهد ولو كان الثأر - ممن ظلمهم وسجنهم وحرمهم حقوقهم الأساسية - هو الذي يحركهم لكان لهم موقف آخر، ولكن الإخوان يرون أن الحفاظ على أمن الوطن هدف من أهدافهم المعتبرة، وهم يفضلون حالاً يكون فيه ظلم يقاومونه ويعانون في سبيل ذلك ويدفعون الثمن سجنًا واعتقالاً، على حال تسوده الفوضى والغوغائية التي لا تحقق عدلاً ولا إصلاحًا.

ليس المطلوب ولا المقصود - لا الآن ولا في أي وقت - التحرك لمجرد إثبات المواقف ولا إظهار العضلات بل المطلوب حركة فاعلة ومؤثرة لإحداث الإصلاح: حركة تلتزم بضوابط الإسلام وتصطبغ بالصبغة الإسلامية عند ممارسة العمل السياسي قولاً وفعلاً، وتعطي نموذجًا لممارسة أخلاقية، في عالم لا يربط بين السياسة والأخلاق.

لقد طالت فترة السكون والركود ونشأت أجيال جديدة لا تعرف كيف تمارس حقوقها الأساسية، بل لا تعرفها أصلاً، ولا تعرف كيف تعبر عن رأيها إذ لم تتح لها من قبل الفرصة للتعبير عن الرأي، كما تولى مسؤولون مختلف مراتب السلطة وترقوا لأعلى المناصب دون أن يعلموا أن للشعب حقوقًا سوى قول نعم، وإرسال التعامل والمبايعات المكتوبة بالدم، ولم يتدربوا على كيفية مع الشعب إذا طالب بحقوقه، فإذا انفتح المجال للجانب الأول للحركة والتعبير عن رأيه فإنه قد يجنح نحو المبالغة (راجع ما حدث في بداية عهد السادات من فلتان لفظي بعد إطلاق حرية الكلام عن عبد الناصر)، وإذا أحس الجانب الثاني بتحرك غير معهود فقد يلجأ إلى سطوة القوة والسلطة التي تحت يده ويحدث الاحتكاك الذي لا تحمد عقباه.

لذا كان من المهم ضبط الحركة الشعبية بالوعي الذي يؤدي إلى إيجاد رأي عام فاعل ومؤثر، وفي الوقت نفسه منضبط، ومن المهم أيضًا ضبط القوة الغاشمة، بالوعي بأن للشعب حقوقًا لا يجوز لأحد أن يسلبه إياها، وأن أجهزة الدولة إنما هي حارس للشعب خادم له، وأنه لا ينبغي مصادمة رغبة الشعب وحركة التاريخ، وأن مصلحة الشعوب فوق مطامح الأفراد.

هذا الوعي هو الذي دفع الجيش في عدد من بلاد العالم للوقوف على الحياد حين خرجت الشعوب للتعبير عن رأيها في نظمها القائمة، وهو الذي دفع الشرطة في: تلك البلاد وغيرها إلى حراسة مظاهر التعبير الشعبي لا التدخل لقمعها، فتلقت في مقابل ذلك باقات الورد من الجماهير.

 لقد مضى إلى غير رجعة عهد شاه إيران الذي كان يأمر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين واستخدام كل أساليب القمع والتشكيل بالناس. لقد أدى استخدام القوة الغاشمة انذاك إلى سقوط مئات القتلى لكنه لم يمنع تجدد المظاهرات وسقوط شاه ایران: سقوط حكمه وسقوطه في مزبلة التاريخ.

 كما نأمل أن تنتهي إلى غير رجعة مظاهر التخريب والتدمير التي لازمت بعض أشكال التذمر الشعبي في الماضي كما حدث في أحداث 18 و19 يناير وفي تمرد الأمن المركزي؛ فالمطلوب أن تتعلم الجماهير كيف تعبر عن نفسها وكيف تملي إرادتها دون إضرار بالممتلكات العامة التي هي ملك للشعب كله أو تعطيل المصالح الناس وألا يتضمن التعبير عن الرأي أي تجريح أو سباب.

الواجب أن يكون الأداء حضاريًّا منضبطًا، وفي الوقت نفسه فعالاً ومؤثرًا ومستمرًا لا يعود بالضرر على المجتمع ولا يعطي تكأة لأحد أن يتذرع بحادثة هنا أو هناك، أو بقول خارج صدر من شخص لم يملك قدرات التحكم في أعصابه للإضرار بالقضية العامة. 

ولا ننسى أننا لا نزال في سنة أولى حركة سياسية شعبية نحتاج إلى التعلم واكتساب الخبرات.. والصبر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية