; سنة الاختلاف ووحدة الكلمة | مجلة المجتمع

العنوان سنة الاختلاف ووحدة الكلمة

الكاتب محمد يوسف الشطي

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2012

مشاهدات 50

نشر في العدد 2021

نشر في الصفحة 56

السبت 29-سبتمبر-2012

  • الخلاف الممدوح: مخالفة المشركين وأهل الكتاب وأهل الفسوق والمجون في هيئاتهم وأحوالهم وأعيادهم ومناسباتهم
  • الاختلاف السائغ: اختلاف المجتهدين
  • أصحاب الأغراض والأهواء الشخصية لا يجدون متنفسًا في صدورهم إلا بتتبع الهفوات واستغلال الزلات وتلفيق الاتهامات
  • إذا ساد الهوى واختلفت النيات تولدت الجرأة على الله تعالى وعلى الناس وفشت المكائد ونصبت حبائل المكر والخديعة
  •  بالهوى يخرج «العالم» من السنة إلى البدعة ويقع «الزاهد» في الرياء والسمعة ويتفنن «المسؤول» في الظلم ويبتعد عن الحق والحكمة 

 وقوع الخلاف أمر مسلم به في دنيا البشر، وهو سنة الله عز وجل في خلقه، فهم مختلفون في ألوانهم وألسنتهم وطباعهم ومدركاتهم ومعارفهم وعقولهم وأشكالهم، قال الله تعالى ﴿ولوْ شَاءَ رَبِّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أَمَةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلفِينَ(هود:118). 

يقول الإمام الرازي: والمراد اختلاف الناس في الأديان والأخلاق والأفعال، لكن على الرغم من وجود هذا التباين والقابلية للاختلاف، فإن الله وضع على الصراط المستقيم منائر ولذا قال سبحانه في آية أخرى: ﴿فهدى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لَمَا اخْتَلَفُوا فيه من الحق بإذنه (البقرة: ۲۱۳).. ويدلك على هذا أن القرآن الذي هو حق من عند الله تعالى لا ريب فيه يكون هدى للذين آمنوا وشفاء، ﴿والذين لا يُؤْمِنُون في آذانهم وقرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَى (فصلت: ٤٤).

  آفة المجتمعات

 إن أصحاب الأغراض والأهواء الشخصية لا يجدون متنفسًا في صدورهم إلا بتتبع الهفوات واستغلال الزلات وتلفيق الاتهامات.

 إن الهوى ما خالط شيئًا إلا أفسده، بالهوى يخرج العالم من السنة إلى البدعة، وبالهوى يقع الزاهد المتزهد في الرياء والسمعة، وبالهوى يقع المسؤول في الظلم ويبتعد عن الحق والحكمة، وإذا ساد الهوى واختلفت النيات تولدت الجرأة على الله وعلى الناس وفشت الطعون والمكائد، ونصبت حبائل المكر وشباك الخديعة ومن ثم تحصل الفرقة والشحناء ويتمكن الأعداء ويذل أهل الإسلام.

 أنواع الاختلاف

 يقسم الاختلاف إلى ثلاثة أنواع: الاختلاف المذموم، وله صور كثيرة: منه اختلاف البشر إلى مؤمن وكافر قال الله تعالى: ﴿هُوَ الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مُؤْمِنٌ وَاللهُ بمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (التغابن:2).

 ومنها خلاف أهل الأهواء والبدع، كخلاف الخوارج وأشباههم مما دعاهم إلىالخروج على جماعة المسلمين واستحلال دمائهم، حتى أن ابن عباس رضي الله عنهما، لما ذكر له اجتهاد أمثال هؤلاء، قال: ليسوا هم بأشد اجتهادًا من اليهود والنصارى وهم على ضلالة.

 الاختلاف الممدوح: هو مخالفة المشركين وأهل الكتاب وأهل الفسوق والمجون في هيئاتهم وأحوالهم وأعيادهم ومناسباتهم، فالمخالفة في هذا وأمثاله ممدوحة ومحمودة في الشرع، بل هي مقصد شرعي، مثل صيام عاشوراء وصبغ اللحية بغير السواد، والصلاة في النعلين.

 الاختلاف السائغ:

 فهو اختلاف المجتهدين، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر» (متفق عليه)، وهو دليل واضح على إمكانية خطأ المجتهد، وخبر بني قريضة معروف، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ يوم «الأحزاب»:«مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم. (متفق عليه).

 قبول الآخر

 البعد عن اللوم والعتاب وقبول الطرف الآخر: فإن الاختلاف في وجهات النظر بذاته لا يثير نزاعًا، ولا يولد نافرًا، فعن أنس رضي الله عنه قال:«إنا معشر أصحاب رسول ﷺ كنا نسافر، فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم ومنا المقصر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر الصائم، ولا المقصر على المتم ولا المتم على المقصر» (أخرجه البيهقي في الكبرى).

 ونموذج آخر في احترام الرأي الآخر وعدم تحقيره أو انتقاصه، عندما حج عثمان رضى الله عنه سنة تسع وعشرين فأتم الصلاة في منى وعرفة أربع ركعات، فتكلم الناس في ذلك، وعاب عليه جمع من الصحابة، حتى قال له علي رضى الله عنه: لقد أحدثت أمرًا والعهد برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال قريبًا، وإنك قد عهدت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يصلون ركعتين، وأنت صليت ركعتين صدرًا من خلافتك، فقال عثمان: هذا رأي رأيته، وفي بعض الروايات: إن عبد الرحمن بن عوف ناقشه بنحو ما قال علي رضى الله عنه فقال عثمان: إني أخبرت أن بعض من حج من اليمن وجفاة الناس قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان، واحتجوا بصلاتي وقد اتخذت بمكة أهلًا، فقال عبد الرحمن: ما في هذا عذر، فخرج عبد الرحمن فلقي ابن مسعود، فقال: يا أبا محمد، لقد غيّر ما نعلم، قال ابن مسعود: فماذا أصنع؟ قال: اعمل بما ترى وتعلم، قال ابن مسعود: الخلاف شر كله، وقد صليت بأصحابي أربـعـًا، فقال عبدالرحمن: قد صليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف أصلي أربعًا.

 قلت: هذا خلاف في الرأي ما كان صادرًا عن هوى في النفس، ولكنه رأي غلب عنده رجحانه، ومخالفوه من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود لم يكن عندهم تحزب ولا تعصب، بل تركوا ما كان عندهم أرجح وأقوى، وعدلوا إلى المرجوح الضعيف لما يرونه ويدركونه من أن الخلاف شر فأتموا الصلاة ولم يقصروا توحيدًا للكلمة، وجمعًا لصف الجماعة.

 الحرص على جمع الكلمة ووحدة الصف: لما بعث عثمان إلى ابن مسعود رسالة وعزله عن الكوفة وأمره بالرجوع إلى المدينة، اجتمع الناس حول ابن مسعود فقالوا: أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: إن له علي حق الطاعة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتنة. 

قلت: هذا هو حرص الصحابة على جمع كلمة المسلمين وترك المخالفة لولاة الأمر صيانة لدماء المسلمين، وسد الباب على الخصوم والأعداء ومن يتربص بالمسلمين الدوائر وتقوية للصف الإسلامي، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأَوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (آل عمران:105).

 أدب الاختلاف

 إن الاختلاف في الرأي لا يمكن أن يكون مؤديًا إلى فتنة أو مورثًا فرقة إلا إذا صاحبه بغي أو هوى قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بينهم (آل عمران: ۱۹).

 وينبغي أن نعلم أن كل ما أوجب فتنة أو مورثًا فرقة فليس من الدين في شيء وليس من نهج محمد ﷺ في شيء ﴿إن الذين فَرَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (الأنعام: ١٥٩).

 ومن أدب الاختلاف أنك حين تخالف أمرًا في تفكيره أو تعارضه في وجهة نظره لا ينطوي فؤادك على كرهه، أو يمتلئ صدرك بالغيظ منه، وينطلق لسانك بتجريحه واتهامه.

 وأيضًا من الأدب أن نذكر الرجال بحسناتهم ونغض الطرف عن أخطائهم وزلاتهم ونتناصح معهم سرًا لمعالجة عثراتهم، لأن من المآسي أن تري كاتبًا مغرضًا أو قارئًا مسيئًا أو مستمعًا متجنيًا يطالع في سيرة الرجال ويقرأ في كتبهم ويسمع إلى تسجيلاتهم فلا يستوقفه إلا ما ينسب إليهم من زلات وأخطاء، وأما ما أفاء الله عليهم من محامد وحسنات وخيرات على مجتمعاتهم فإنهم يدفنونها ولا يذكرونها كجيران السوء إذا رأوا خيرا أغمضوا عنه، وإذا رأوا شرا أذاعوا به.

 وأيضًا من الأدب أن نعرف أقدار الرجال، وسوابق فضلهم، والاعتراف بجهودهم، وجميل أفعالهم، يقول سعيد بن المسيب يرحمه الله تعالى: ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله، كما أن من غلب عليه نقصانه ذهب فضله.

 نسأل الله تعالى أن يوفقنا لكلمة الحق في الغضب والرضا، وأن يجنبنا الخطأ والزلل، وأن يصلح شأننا كله، وأن يجمع كلمتنا على الخير والرضا إنه سميع مجيب.

الرابط المختصر :