العنوان سنة الله في أخذ الظالمين
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2003
مشاهدات 117
نشر في العدد 1546
نشر في الصفحة 32
السبت 12-أبريل-2003
لله سبحانه وتعالى سنن عجيبة في أخذ الظالمين، سنن لا تتبدل ولا تتحول ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾(فاطر:43)
يقول الإمام القرطبي: أي أجرى الله العذاب على الكفار ويجعل ذلك سنة فيهم، فهو يعذب بمثله من استحقه، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، ولا أن يحول العذاب عن نفسه إلى غيره، والسنة الطريقة)[1](.
وسنة الله تعالى في الظالم أنه يملي له ويبقيه على ظلمه لحكمة هو يراها سبحانه إما لتسليطه على من خالف هديه، أو عقوبة لظالم آخر، أو تمحيصًا للمؤمنين، أو لإرجاعهم إليه بعد أن فترت النفوس وتعلقت بغيره، أو غيرها من الحكم، ولكن من سننه سبحانه أنه لا بد من أخذه عندما يستشري شره ويتجاوز كل الحدود. فيسلط عليه عبدًا من عبيده مسلمًا أو كافرًا ليزيل ملكه وسطوته، وليعيد للمظلومين حقوقهم بعد أن يرجعوا إليه ولا بد من الالتفات إلى أن هذه السنة الإلهية في الظالمين وهذا الانتقام الرباني قد يكون على يد بشر أو ريح، أو حجارة من السماء، أو مرض أو أي جند من جنود الله تعالى، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ﴾ (المدثر: ۳۱) كما أن هذه السنة الإلهية والانتقام الرباني من الظالم لا تتعامل مع المسلم الظالم معاملة خاصة ولا يكون الانتقام منه على يد مسلم مثله بل إن من سنته أن يبعث عليه من يزيل ظلمه وينتقم منه كافرًا أو مسلمًا.
أنواع الظلم
الظلم ثلاثة أنواع:
الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال تعالى :﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:13).
الثاني: ظلم بينه وبين الناس، وذلك لقول الله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى:40).
الثالث: ظلم بينه وبين نفسه، قال تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ (فاطر:32).
وقول امرأة العزيز: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ (القصص:16).
وسنركز في هذه المقالة على النوع الثاني، وهو ظلم الناس أي تجاوز الحد معهم والتعدي على حقوقهم خاصة من الحكام الذين يلون أمور المسلمين أو غيرهم من غير المسلمين فالله ينتقم للمظلوم حتى وإن كان كافرًا.
فقد جاء عند الإمام أحمد بإسناد حسن عن انس رضي الله عنه قول النبي اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب فكيف عندما يكون المظلوم مسلمًا؟؟
بعض ما ذكر في القرآن الكريم والسنة:
ولشدة بغض الله تعالى للظالم فقد جاء ذكره في القرآن الكريم في أكثر من مائتين وخمسين آية بجميع أنواعه التي ذكرت أنفًا، حيث ذكر سبحانه وتعالى غضبه على الظالمين والجزاء الدنيوي والأخروي لهم، ونماذج من سنته فيهم من الإهلاك الدنيوي مع ما ينتظرهم من الجزاء في الآخرة.
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ (إبراهيم:13).
- ومنها قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (الكهف:59).
- ومنها قوله تعالى ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ (الأنبياء ١١).
- وجاء الترهيب الشديد من الظلم في السنة المطهرة.
- من ذلك ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن خزيمة بن ثابت عن النبي الله اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
- وجاء عند الحاكم في مستدركه بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.
نماذج من التاريخ
1- ملوك بابل يحرقون بيت المقدس:
من الصور التي ينقلها لنا التاريخ - على اختلاف رواياته - أن بني إسرائيل لما اعتدوا في السبت وعلوا وقتلوا الأنبياء عليهم السلام بعث الله عليهم ملك فارس «بختنصر» فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس فحاصرها وفتحها، وقتل على دم زكريا عليه السلام سبعين ألفًا، ثم سجن أهلها، وسلب حلي بيت المقدس وأقام بنو إسرائيل مائة عام يعذبهم المجوس وأبناء المجوس فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثم رد لهم حقوقهم ملك مؤمن من ملوك فارس يقال له «کورس»، فتاب بنو إسرائيل إلى الله وأقاموا على الطاعة مائة عام، ثم إنهم عادوا للمعاصي فسلط الله عليهم ملكًا آخر من بابل يسمى «إيطنا نحوس» فغزاهم، وأحرق بيت المقدس وسجن أهلها، وقال لهم: يا بني إسرائيل: إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم في السباء فعادوا في المعاصي، فسير الله عليهم السباء الثالث على يد ملك رومية يقال له «فاقس بن إسبايوس» وأحرق بيت المقدس ثانية )[2](.
وبالرغم من اختلاف الروايات التي ساقها المفسرون إلا أن أحداثها لا تخرج عن انتقام الله تعالى من بني إسرائيل بالرغم من كونهم أمة مؤمنة، وقد تنزلت عليهم الرسل، ولكنهم ظلموا وتجاوزوا الحد، واحتكموا لأهوائهم، فسلط الله عليهم الوثنيين الكفار ليسوموهم سوء العذاب وهذه سنة الله لا تتبدل ولا تتحول ولا بد من الانتقام الرباني من الظالم حتى وإن كان مسلمًا وتابعًا لرسول، على يد كافر لا يؤمن بالله تعالى.
إن حرق بيت المقدس أمر عظيم، وإن الاعتداء على أهل الكتاب من قبل الكفار عباد الأوثان مصيبة كبرى، ولكن ما فعله أهل الكتاب كان ظلمًا أعظم استحقوا عليه انتقام الجبار منهم وإن كان على يد من لا يؤمن به.
۲ - بنو إسرائيل والتيه:
يقول تعالى في كتابه الكريم على لسان موسى عليه السلام مخاطبًا بني إسرائيل ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ (المائدة21:22).
ثم يقول الله تعالى على السنة بني إسرائيل يردون على أمر رسولهم عليه السلام ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (المائدة26:24).
إن رسولهم يأمرهم بدخول بيت المقدس فلا د الأمر بل يزيدون إمعانًا بمعصيتهم لأدب الخطاب ويقولون: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة:24) فكانت العقوبة التيه أربعين سنة في صحراء سيناء، یکا بدون حرارة الشمس الحارقة والغبار والعراء حتى ذهب ذلك الجيل تربي في الصحراء جيل جديد عميق الإيمان ولا يخشى أحدًا سوى الله، فكان النصر على أيديهم.
3 - القرية الآمنة:
يقول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل:112).
ذكر المفسرون أن هذه القرية هي مكة وذكر آخرون أنها المدينة شرفها الله، ولكن ابن عطية الأندلسي يقول في تفسيره: يتوجه عندي في الآية أنها قصد بها قرية غير معينة جعلت مثلًا لكنه على معنى التحذير لأهلها ولغيرها من القرى إلى يوم القيامة )[3](
هكذا يفعل بكل قرية تخالف أمر الله وتجحد نعمه، ولا تمتثل لأوامره ويقوم ولاتها بظلم العباد وتجاوز الحدود التي أمر الله بها.
٤ - معركة أحد:
لقد كان توجيه الرسول r واضحًا لا لبس فيه للرماة، وخاطب أميرهم عبد الله بن جبير انفح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا.
مخالفة من بعض الصحابة يوم أحد عاقبهم الله عليها بالهزيمة.. أين هذه الصغيرة من الاحتكام لغير منهج الله؟
إذا لم يشكر الناس الله على نعمه فإنه يزيلها عنهم
ولكن ما إن بدت ملامح النصر، ورأى الرماة الخمسون المقاتلين من الصحابة يجمعون الغنائم نزلوا إلى أرض المعركة وأميرهم يناديهم، ويذكرهم بأمر الرسول r، ولكنهم لم يلتفتوا إليه، فانتبه خالد بن الوليد لهذه الثغرة وكان الالتفاف ورجوع من هرب من الكفار فكانت المذبحة والهزيمة.
ثم تساءل الصحابة الكرام بعد انجلاء المعركة ﴿أَنَّىٰ هَٰذَا﴾ أي كيف نهزم وفينا رسول الله r؟!
كيف نهزم ونحن المسلمون وأولئك الكفار؟؟
كيف نهزم ونحن الموحدون، وأولئك المشركون؟؟... أني هذا ... أني هذا؟! ولكنهم نسوا أن هذه هي سنة الله تعالى فيمن يخالف أمره، ويتجاوز الحد... فجاءت الدروس القرآنية تعلم الصحابة الكرام هذه السنة الإلهية ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:165)
يقول سيد قطب - رحمة الله عليه:
«والمسلمون الذين أصيبوا في أحد بما أصيبوا - والذين فقدوا سبعين من شهدائهم»
عالمنا العربي الإسلامي يعيش في معظم أرجائه الظلم وتسلط الظالمين والابتعاد عن تحكيم كتاب الله والحرب المعلنة على الدعاة.. فكان أن سلط الله علينا اليهود ومن ساندهم للتحكم بنا وبمقدراتنا وسلب قرارنا
غير الجراح والآلام التي عانوها في هذا اليوم المرير والذين عز عليهم أن يصيبهم ما أصابهم. وهم المسلمون وهم يجاهدون في سبيل الله- وأعداؤهم هم المشركون أعداء الله - والمسلمون الذين أصيبوا بهذه المصيبة، كان قد سبق لهم أن أصابوا مثليها أصابوا مثلها يوم بدر فقتلوا سبعين من صناديد قريش. وأصابوا مثلها يوم أحد في مطلع المعركة، حينما كانوا مستقيمين على أمر الله وأمر رسوله – r- وقبل أن يضعفوا أمام إغراء الغنائم، وقبل أن تهجس في أنفسهم الخواطر التي لا ينبغي أن تهجس في ضمائر المؤمنين!
ويذكرهم الله هذا كله، وهو يرد على دهشتهم المتسائلة فيرجع ما حدث لهم إلى سببه المباشر القريب: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ﴾ (آل عمران:165)
أنفسكم هي التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر وأنفسكم هي التي أخلت بشرط الله وشرط رسوله r، وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول الله وخطته للمعركة. فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم، وتقولون: كيف هذا؟ هو من عند أنفسكم بانطباق سنة الله عليكم حين عرضتم أنفسكم لها. فالإنسان حين يعرض نفسه لسنة الله لا بد أن تنطبق عليه مسلمًا كان أو مشركًا، ولا تنخرق محاباة له، فمن كمال إسلامه أن يوافق نفسه على مقتضى سنة الله ابتداء ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:20)
ومن مقتضى قدرته أن تنفذ سنته، وأن يحكم ناموسه، وأن تمضي الأمور وفق حكمه وإرادته. والا تتعطل سننه التي أقام عليها الكون والحياة والأحداث.
ومع هذا فقد كان قدر الله من وراء الأمر كله الحكمة يراها وقدر الله دائمًا من وراء كل أمر يحدث، ومن وراء كل حركة وكل نأمة وكل انبثاقة في هذا الكون كله )[4](.
الجرائم الكبرى
حاشا الصحابة الكرام أن نصفهم بالظلم فليت أحدنا يكون شعرة في صدر أحدهم - ونسأل الله تعالى أن نحشر معهم يوم القيامة - ولكنها مخالفة صغيرة عاقبهم الله تعالى عليها بهذه الهزيمة، وتلك المذبحة أين هذه الصغيرة إزاء تهجير وطرد أربعة ملايين مسلم بحجة أصولهم غير العربية وجعل بيوتهم نهبا لكل من هب ودب أين تلك المعصية من تشريد أربع ملايين من خيرة ذلك الشعب هروبًا من البطش وطلبًا للعزة والكرامة أين تلك المعصية من قتل الآلاف من الشعوب بالقنابل الكيماوية في مدينة حلبجة والملاهي الليلية.. أين تلك المعصية من فتح حانات الخمور في طول البلاد وعرضها؟
ابن تلك المعصية من الاحتكام لغير منهج الله بعلمانية سافرة، حيث يقول شاعرهم:
أمنت بالبعث ربًا لا شريك له *** وبالعروبة دينا ما له ثاني!
أين تلك المعصية الصغيرة من قتل آلاف الأبرياء من الدعاة إلى الله وتعذيبهم في السجون بأقسى أنواع التعذيب التي لا تخطر على بال بشر؟
أمن المعقول شرعًا أن يذبح آلاف بل مئات الآلاف من المظلومين على يد ذلك الظالم وزمرته ثم لا يستجيب الله تعالى لدعائهم، ويكفيهم شره بمن شاء وكيف شاء، وهو القائل:
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ﴾ (غافر: ٦٠) والذي أمر نبيه r «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام»، وقال تعالى: «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين»
5 - الأندلس المفقود:
بعد أربعة قرون من حكم الإسلام إسبانيا «الأندلس» زال ملك المسلمين وطردوا منها وقتلوا وعذبوا بأبشع الطرق وحدثت محاكم التفتيش للبحث عنهم وتصفيتهم، وعادت الهيمنة الكافرة بعد أن ملئت أرض الأندلس بالتوحيد والعلم.. وأخرجت آلاف العلماء وجامعات العلم......
كل ذلك كان نتيجة للانقسام والتخاذل واسترسالهم بالملذات والمحارم وانتشار الظلم وتجاوز الحدود، فسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب من الكفار.
ولولا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه من العثمانيين لأخذ الإسبان جميع دول المغرب والجزائر.
إنها سنة الله لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي أحدًا، وهي نعمة إذا لم تشكر فإن الله يزيلها من أصحابها ويمنحها آخرين.
6- سقوط الدولة العباسية:
بغداد أرض الخلافة، ومهد الحضارات، ومنبع الأبطال والعلماء والقادة الأفذاذ، وبعد الحقبة الذهبية التي برزت في الخلافة العباسية كأرقي حضارة وأقواهاآنذاك، بدأ الفساد يدب فيها، وبدأ الابتعاد عن هدي الله تعالى والولوج في الحرام يسري في أصولها، وعادت الخمور إلى المسلمين بعد انقطاعها منذ عهد الرسول r.
«وقد أدمن بعض الخلفاء شرب الخمر وحولوا قصور الخلافة في بعض الأوقات إلى مقاصف للشراب وسماع الأغاني، وكذلك كانت قصور الكثير من الأمراء والوزراء وكبار رجال الدولة وعلية القوم» )[5](:
ومما يرويه المسعودي في مروج الذهب «م٢ ج ص ٣٦١»: «أن الخليفة العباسي «الراضي» عاهد ربه ألا يشرب وظل على ذلك سنتين من خلافته مع إذنه لجلسائه وندمائه بالشرب، ثم وجدوا له رخصة من يمينه فكفر عنها، وعاد إلى الشراب، وكذلك الخليفة المستكفي» تركه وعاد إليه عندما ولى الخلافة.
وانتشر الزنى وملئت أرض الخلافة بالجواري الفاتنات وأصبح الهم الشاغل للشباب والرجال، وانتشرت الحانات في كل مكان وكانت تدار بيد النصارى واليهود، فكان ذلك مقدمة لانتقام الرب وعقوبته بإرسال المغول الذين حطموا بغداد وأباحوها وأحدثوا مقتلة لم ينسها التاريخ أبدًا، ولقد وصل الفساد إلى درجة أن جارية تسمى «عرفة» كانت ترقص بين يدي الخليفة وتغني في اللحظات التي كان العدو يطرق أبواب بغداد بالدبابات والمجانيق تدك أبواب حصونها، دون أي إحساس بالمسؤولية!
أبناء الحركة الإسلامية يجب أن يكونوا أكثر الناس جرأة في قول الحق وكراهية الظلم والظالمين نصرة المظلومين
يجب ألا ننخدع بالشعارات الإسلامية التي يرفعها بعض الطغاة حين يسحب البساط من تحت قدميه
وفي يوم الأحد ٤ صفر ٦٦٥ هـ ١٠ يناير ١٢٨٥ م خرج الخليفة من بغداد وسلم نفسه مع كبار قادة الجيش وكبار الموظفين وعاصمته للمغول.. إنها سنة الله التي لا تتبدل ولا تتحول يقول تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء:16).
ونحن نتساءل: أكان العهر والفساد والخمر والظلم وانتشار الزنى آنذاك عاصمة الخلافة في مثله في بغداد صدام؟
وهل يأخذ الله أولئك، وقد كانوا يحكمون بما أنزل الله، وبغداد تعج بالعلماء والجامعات والعلم والزهاد والأبطال ويترك من يحارب الله ورسوله ودعاته ويهلك الحرث والنسل ويقتل أبناء وطنه؟؟
إنه الظلم الذي نعيشه في أرجاء العالم الإسلامي العربي، وتسلط الظالمين، والابتعاد عن تحكيم كتاب الله تعالى والحرب المعلنة على الدعاة إلى الله، وفتح الزنازين لهم في معظم العالم الإسلامي لا لذنب سوى قولهم «ربنا الله» كل ذلك كان سببًا لعقوبة الله لنا وتسلط اليهود ومن ساندهم للتحكم بنا وبمقدراتنا، وسلب قرارنا.
فهل بعد هذا الذل من ذل: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:62).
إنها دعوة للتأمل في هذه السنة الإلهية وعدم نسيان الظلم الذي يبغضه الله تعالى ويعاقب عليه بإبادة الظالم على يد الكافر حتى وإن كان الظالم مسلمًا.
عتاب لعلمائنا الأفاضل: إننا وبالرغم من وقوفنا الكامل مع الشعب العراقي المظلوم في محنته وبالرغم من إيماننا المطلق ورغبتنا في عدم الحرب، إلا أن ذلك يجب الا يجعلنا نغض الطرف عن طاغية العراق وظلمه للشعب العراقي منذ خمس وثلاثين سنة، وحربة للدين والدعاة إلى الله، وتحويل العراق إلى سجن كبير، ودولة بوليسية تجاوزت بوليسية محاكم التفتيش والنازية والفاشية وضربه للشعب الكردي المسلم بالكيماوي، وقتل الآلاف منهم في محنة مدينة «حلبجة». وعلمانية النظام، وكراهيته للدين واعتدائه على جيرانه في الكويت واستباحته لها سبعة أشهر عاث فيها جنده فسادًا كبيرًا. لا يجوز غض الطرف عن كل هذا الكم من الظلم والطغيان والتجاوز بحجة كراهية أمريكا واعتدائهم على بلد مسلم بل تجاوز بعضهم ورفع صوره في المظاهرات ولقبوه بنعوت أبطال الإسلام كصلاح الدين وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص...
ومن يفعل ذلك فقد يعرض نفسه لأن يكون شيطانًا أخرس أو الوداع منه - كما جاء في رواية الإمام أحمد 2/163،۱۹۰ عن عبد الله ابن عمرو بن العاص رضى الله عنهما - سمعت رسول الله r«إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك أنت ظالم فقد تودع منهم»
إننا أبناء الحركة الإسلامية يجب أن نكون أكثر الناس جرأة في قول الحق لا نخاف في لومة لائم، يجب علينا أن نسير الجمهور ولا يسيرنا، وأن تكون أكثر الناس كراهية للظلم والظالمين ونصرة المظلومين حتى من عدوهم الداخلي الذي بالغ في الظلم، وأولغ في دماء الأبرياء وكتم أنفاسهم، ونهب ثرواتهم، وضحى بهم جميعًا من أجل شخصه...
يجب علينا أن نوقف الانخداع بالشعارات الإسلامية التي يرفعها هؤلاء الطغاة بين فينة وأخرى كلما أحسوا أن البساط بدأ يسحب من تحت أرجلهم....
علينا أن نكون أكثر الناس التصاقًا بالقرآن ومعرفة بسنن الله تعالى بإهلاك الظالمين...
وأن نقول للظالم إنك ظالم حتى وإن كان مسلمًا أو عربيًا.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه واجعل لنا فرقانًا واحقن دماء المسلمين المظلومين الأبرياء في كل مكان.
_______________________________
[1]( تفسير القرطبي 8/5443
[2] الدر المنثور 5/243
[3] تفسير ابن عطية 8/526
[4( في ظلال القرآن 1/513، 514
[5) البداية والنهاية 11/34