العنوان سنة الله في ابتلاء الأمم
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأحد 22-ديسمبر-1991
مشاهدات 84
نشر في العدد 981
نشر في الصفحة 40
الأحد 22-ديسمبر-1991
(الحلقة الخامسة
والأخيرة)
المرحلة الثالثة: فتح أبواب
الرزق
هذه هي المرحلة الثالثة في سنة الله تعالى في الأمم عند ابتلائها وهي
مرحلة تخص تلك الفئة التي لم تدرك أهداف البلاء ولم تستفد مما أصابها فلم تعمل
بمقتضى هذه السنة وبما يريده الله منها عند ابتلائها.
يقول تعالى في شأن هذه الفئة وعن هذه المرحلة:
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا
تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 43-44).
يقول ابن كثير: «أي: فهلا إذا ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا
لدينا ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي ما رقت ولا خشعت ﴿وَزَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الإصرار والمعاندة
والمعاصي ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه
وراء ظهورهم ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي فتحنا عليهم
أبواب الرزق من كل ما يختارون وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم»([1]).
فمما يريده الله تعالى عند ابتلاء الأمم التضرع إليه عند رؤية قدرته
عليهم واكتشاف ضعفهم أمامه وهذه هي النتيجة الطبيعية التي يقوم بها أصحاب النظرة
السليمة أما الذين فسدت فطرتهم فإن أهواءهم تغلب فطرتهم وذلك لأنهم لم يتخذوا الله
إلهًا لهم بل اتخذوا أهواءهم هي الآلهة لذلك يقول تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ
اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الفرقان: 43) ثم غطى الران قلوبهم حتى غدت كالحجارة
بل أشد قسوة قد انسدت جميع المسامات فيها فلم يعد هناك مدخل لدخول العبر والمواعظ
المسموعة أو المشاهدة وفسدت جميع أجهزة الاستقبال عندهم فأصبحوا كالأنعام بل هم
أضل ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى
أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ (البقرة: 7) فعندما وصلوا إلى هذه المرحلة فتح الله
عليهم أبواب الرزق من كل ما يحبون ويتمنون وهذا هو استدراج من عند الله تعالى وهو
في ذات الوقت فرصة للعودة إليه والتفكر بما أقدموا عليه، وهذه المرحلة من أخطر
المراحل التي تمر بها أمة من الأمم ذلك لأن إقناع الناس بها من أصعب الأمور
والشيطان يزداد اشتداده عليهم في هذه المرحلة ليجعلهم في قناعة تامة من أنهم غير
مخطئين وغير مقترفين ما يستحق العقوبة الإلهية ولو كانوا كذلك فلماذا يفتح الله
عليهم هذه الأبواب من الرزق أليس هذا علامة من علامات حب الله تعالى لنا؟
وهذا يجعلهم في إصرار مبالغ في رد نصح الدعاة والمخلصين بالإقلاع عن
المعاصي والقضاء على مظاهر الفساد ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا
ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾
(الفجر: 15) أي لولا أنني أستحق ذلك لما أكرمني الله تعالى.. هذا ما يقوله عقلهم
وتفكيرهم الباطني ولذلك يتصرفون هذا التصرف المعوج ويصرون عليه.
ويذكر الله تعالى هذا الصنف من الناس الذين يغترون بالفرص التي يعطيهم
الله تعالى وعدم معاقبتهم لمعاصيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ
النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ
يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا
اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ
الْمَصِيرُ﴾ (المجادلة: 8) فهم ها هنا يحتجون بصدق أعمالهم وصوابها لتأخير
عقوبة الله تعالى لهم وهو خداع نفسي يعرفون خلافه.
والله تعالى يهدد هذه الفئة التي لم تنتبه لهذه المرحلة بقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا
بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 55) يقول
الشوكاني «أي لكي يكفروا بما آتيناهم من نعمة كشف الضر حتى كأن هذا الكفر منهم
الواقع في موضع الشكر الواجب عليهم غرض لهم ومقصد من مقاصدهم وهذا غاية في العتو
والعناد ليس وراءها غاية»([2]).
المرحلة الرابعة: الإهلاك
ويلاحظ في هذه المرحلة الأمور التالية:
أ- الفرح بالمتع التي منحها الله عليهم كما بين ذلك في المرحلة
الثالثة.
ب- الأخذ بغتة وأن هذا الأخذ يأتي إذا زاد الخبث والإصرار عليه.
ج- نجاة الدعاة الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
د- تعداد أنواع العقاب إلى قسمين:
1- الاستئصال.
2- العذاب
الشديد.
هـ- وقد يكون أهل الإصلاح هم الأكثر فتكون المرحلة الرابعة هي دوام
الاستقرار والأمن والنعمة.
الفرح قبل العاصفة
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا
أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:44-45).
بعد أن نسوا أهداف البلاء الذي يريده سبحانه وتعالى عند ابتلائهم
ونسوا عهودهم ووعودهم الأوبة إليه والاحتكام لشريعته والثبات على نهجه نقلهم إلى
المرحلة الثالثة وهي فتح أبواب الرزق من كل مكان بل وزيادته عما كان قبل المصيبة
الأولى وعندما رأوا هذه النعم تنهال عليهم من كل مكان فرحوا بها فرحًا أطغاهم
فتجاوزوا الحدود التي حدها الله تعالى وأعماهم عن الصراط المستقيم حتى رأوا المنكر
معروفًا والمعروف منكرًا وحاربوا الدعاة وضيقوا على كل من يذكرهم بخطورة ما هم
عليه.
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ
رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق:6-7) طغيانًا أنساه ليالي المحنة وأيامها.. أنساه
معاناة الجوع والخوف وسجون الطغاة.. أنساه الرعب والدماء مع البكاء والمناجاة
لخالق السموات والأرض بأن يزيل الغمة، طغيانًا أنساه كل شيء بسبب هذا النعم
المتوالية عليه من كل مكان حتى ظن أنه لن يقدر عليه أحد وأنه قد سيطر على كل شيء
في هذه الدنيا بسبب زخرفتها وتزينها له اختبارًا من الله تعالى: ﴿إِنَّمَا
مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ
بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا
أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ
قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا
حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس:24).
يقول ابن كثير رحمه الله: «ضرب تبارك وتعالى مثلًا لزهرة الحياة
الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بماء
أنزل من السماء مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما
تأكل الأنعام من أب وقضب وغير ذلك ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ
زُخْرُفَهَا﴾ أي زينتها الغنية ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ أي حسنت بما خرج من رباها من
زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ الذين زرعوها
وغرسوها ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ أي على جذاذها وحصادها.. فبينما هم
كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها ولهذا قال
تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾
أي يابسًا بعد الخضرة والنضارة ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي كأنها ما
كانت حسناء قبل ذلك»([3]).
وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر منه أصحابه لأنه يعلم ما
بعد مرحلة انفتاح الدنيا من المصير المرعب لمن لم يعتبر وهو يبين خوفه بوضوح من
مرحلة ما قبل الإهلاك والتي يطلق عليها «بسطة الدنيا» فيقول في الحديث الصحيح:
«أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا
عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم»
(متفق عليه).
لأن انفتاح الدنيا فتنة عظيمة يسقط بها معظم الناس لوصولهم للطغيان
الناتج من الفرح بما آتاهم الله من النعم وظنهم أنهم قد تمكنوا من الدنيا تمكنًا
لن يستطيع أحد أن يأخذها منهم وأنهم قد تمكنوا منها تمكن المتحكم ببقاء هذه النعم
وإدامتها ونسوا قدرة القادر العظيم الذي وهبهم هذه الدنيا لينظر ما يعملون فيها
ونسوا أن هذه النعم ما هي إلا لون من الاختبار والبلاء.
يقول سيد رحمه الله:
«هذا هو الماء ينزل من السماء، وهذا هو
النبات يمتصه ويختلط به فيمرع ويزدهر.. وها هي ذي الأرض كأنها عروس مجلوة تتزين
لعرس وتتبرج.. وأهلها مزهوون بها يظنون أنها بجهدهم ازدهرت، وبإرادتهم تزينت وأنهم
أصحاب الأمر فيها لا يغيرها عليهم مغير ولا ينازعهم فيها منازع.
وفي وسط هذا الخصب الممرع وفي نشوة هذا الفرح الملعلع وفي غمرة هذا
الاطمئنان الواثق.. (أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن
بالأمس) في ومضة وفي جملة وفي خطفة.. وذلك مقصود([4])
في التعبير بعد الإطالة في عرض مشهد الخصب والزينة والاطمئنان».
﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا
أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 44-45).
هكذا يأتي الإهلاك الأخير بغتة ودون مقدمات بعد أن أضاء الله لهم ضوء
التحذير ويصرون على انتهاك حرمات الله دونما اكتراث لتحذير الدعاة لهم بالانتفاع
من الأزمات ولزوم جادة النجاة فيأبون إلا الاعوجاج فتكون الكارثة النهائية.
انتهى.
__________
([1]) تفسير ابن كثير 2/132، 133
بتصرف.
([2]) فتح القدير 3/169.
([3]) تفسير ابن كثير 2/413.
([4]) الظلال 3/1775.