العنوان سنن التغيير وقواعدة
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999
مشاهدات 55
نشر في العدد 1361
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 03-أغسطس-1999
كتب الله الموت على خلقه جميعًا، ولو اختص أحدًا بالخلود لكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمرسلون من قبله أولى الناس بذلك، لكنه تعالى قدر أن ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، وقد قال عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: ٣٠).
وهكذا تسير سنة التغيير باطراد في حياة الأفراد جميعًا صغارًا وكبارًا ومحكومين مثلما تسير في حياة الأمم والشعوب والأنظمة والمؤسسات.
وفي كل يوم يموت أشخاص هنا وهناك، وقد لا يسمع بهم إلا الأقربون... أما حين يموت حاكم ما، فإن دائرة العلم والمعرفة بالخبر تتسع وتكبر، خاصة مع ثورة الاتصالات القائمة في العالم اليوم، وعلى وجه الخصوص إذا استنفر الإعلام العالمي لتغطية الحدث وإذا تنادت قيادات العالم للاجتماع عند قبر الراحل.
وقد أمرنا الإسلام أن تكون لنا في مثل هذه الحوادث العظة والعبرة كفى بالموت واعظًا، وألا نغتر بما يحيط بها من مظاهر وحفاوة مبالغ فيها، بل إن الإسلام ينهى عن كثير من تلك الطقوس المبتدعة التي أقحمت على تلك المناسبات كالطبل والزمر والموسيقى والهرج والمرج، وهي لن تجدي الميت فتيلًا، فهو لن ينتفع إلا بما قدم في حياته من خير.. وقد وعد الله المحسن في الدنيا بالإحسان في الآخرة ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: ٦٠).
وقد وعد المسيء بالإساءة ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ (يونس: ۲۷)، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (القصص: ٨٤).
كما قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس: ١٢).
فماذا ترك الراحلون من آثار إن كانوا تركوا خيرًا وصلاحًا وإصلاحًا وتحكيمًا لشرع الله وعدلًا بين العباد ونصرة لدين الله وموادَّةً لعباده، ومحادة لأعدائه، فبشرى لهم، وإن كانت أعمالهم غير ذلك فقد أشار القرآن إلى الوعيد وسوء الجزاء وأمرهم إلى الله.
﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (القارعة: ٦ – ١١).
وإذا كانت العظة والعبرة مطلوبتين من المسلمين عامة، ففي موت المسؤولين الكبار عبرة خاصة للمسؤولين القائمين على أمور المسلمين اليوم ولينظروا إلى أعمالهم، فإن كانت خيرًا حمدوا الله واجتهدوا في تحصيل المزيد، وإن كانت غير ذلك فإن عليهم المبادرة إلى تصحيح المسار قبل فوات الأوان.
ومع أن التغيير من سنن الكون، فإنه محكوم بضوابط وقواعد، فالتغيير ينبغي أن يكون إلى الأفضل والأحسن وفق ميزان الشرع وأن يبدأ من النفس والمجتمع ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱)، ولا ينبغي الانخداع بالمقولات التي تستهدف التغيير ضمن شروط العولمة والعلمنة والتي تسعى لفرض الهيمنة الغربية على العالم وإزالة عناصر تميزنا القيمي والحضاري والثقافي.
إن هناك مسؤوليات تاريخية ملقاة على عاتق الحكومات العربية، بعضها داخلي مثل قضايا تطبيق الشريعة والالتزام بمبادئ الشورى واحترام حقوق الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومنها ما هو خارجي من قبيل قضايا فلسطين وكشمير وكوسوفا والبوسنة وغيرها، وعلى الأخص مواجهة مؤامرات العدو الصهيوني المدعوم من الغرب، ومواجهة هجمة العولمة الحالية، فضلًا عن قضايا الوحدة والترابط والتآخي بين البلدان العربية والإسلامية، وأخيرًا توصيل رسالة الإسلام إلى العالمين كافة.
ومثل هذه المسؤوليات الكبيرة تحتاج إلى تغيير وتجديد في السياسات ومناهج الحكم التي لم تثبت نجاحها في معظم الأقطار، واستحداث آليات جديدة وإن الأمل ليحدونا إلى أن تتجنب الحكومات العربية والإسلامية سلبيات الماضي، وأن تتجه نحو المزيد من التقارب مع الشعوب والاستعانة بقوى الأمة وطاقات أبنائها على مواجهة المشكلات ومحاربة الفساد ومظاهر الترف والانحلال الخلقي، وإشاعة السلم الأهلي بين أبناء الوطن الواحد، وإطلاق الحريات وتوسيع قاعدة المشاركة لتشمل قوى المجتمع كافة وبخاصة القوى والتيارات الفاعلة، مع البعد عن سياسات الإقصاء والإبعاد، وحشد الطاقات لمواجهة أعداء الأمة ومخططاتهم الخبيثة.
وبهذا يتحقق التغيير الحقيقي المنشود.. التغيير الإيجابي الفاعل؛ تغيير السياسات لا تغيير الشخصيات.
﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾
(آل عمران: ۱۱۰)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل