العنوان سورة البقرة ( 25 ) النص القرآني التاسع عشر (۲من ٢) تعلم السحر وتعليمه
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر السبت 14-مايو-2011
مشاهدات 73
نشر في العدد 1952
نشر في الصفحة 58
السبت 14-مايو-2011
تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم
تناولنا
قبل ذلك تفسير آيات النص القرآني من الآية ۹۹ إلى الآية ١٠٣ من سورة البقرة التي
تتحدث عن كفر بني إسرائيل بالشريعة الخاتمة المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم ،
وكذلك نقضهم لعهودهم مع ربهم التي أخذها عليهم، وكفرهم بالقرآن الكريم الذي يصدق
ما لديهم بالتوراة.
وتحدثنا
عن المعاني الحسان في تفسير آيات هذا النص، وفي هذا العدد نستكمل هذه المعاني.
9- لا يجوز لأحد أن يتعلم السحر ويعلمه مدعيا أنه يقتدي بالملكين ولا يجوز لأحد أن يتعلم السحر ويعلمه مدعياً أنه يقتدي بالملكين في ذلك، فإنَّ الله كلف الملكين بما يقومان به من التعليم ونهى عباده عن تعلمه، وبهذا نكشف عن الزور الذي يقوم به بعض الدجالين من السحرة الذين يوهمون الناس أنهم روحانيون مقتدون بهاروت وماروت، حيث يقولون للناس الذين يعلمونهم الكتابة للمحبة والبغض نوصيك بألا تكتب هذا لجلب امرأة متزوجة إلى حب رجل غير زوجها وألا تكتب لأحد الزوجين بأن يبغض الآخر، وبأن تخص هذه الفوائد بالمصلحة كالحب بين الزوجين المتباغضين والتفريق بين العاشقين الفاسقين، وإنما يقولون في هذا ليوهموا الناس أن علومهم إلهية، وأن صناعتهم ،روحانية وأنهم صححوا النية.
(مختصر تفسير المنار، ۸۳/۱)
١٠- عدم صحة ما ورد في كتب التفسير من إسرائيليات في هاروت وماروت
وقد ورد في قصة هاروت وماروت كثير من الأحاديث والآثار؛ محصلها أن هاروت وماروت ملكان أهبطا إلى الأرض وسبب ذلك أن الله تعالى لما أطلع الملائكة على معاصي بني آدم عجبوا من معصيتهم له مع كثرة أنعمه عليهم، فقال الله تعالى لهم: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم.
فقالوا: سبحانك ما ينبغي لنا، فأمرهم الله أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وأحلّ لهما كل شيء، على ألا يشركا بالله شيئا ولا يسرقا ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فعرضت لهما امرأة - وكانا يحكمان بين الناس - تخاصم زوجها، واسمها بالعربية «زهرة»، وبالفارسية فندرخت ، فوقعت في أنفسهما، فطلباها، فامتنعت عليهما إلا أن السحر محدود مقيّد بقيود فهو لا يستطيع أن يجعل الحمار قرداً أو الإنسان دجاجة.. فقد تحدى الله آلهة المشركين بأن يخلقوا ذبابا فلم ولن يستطيعوا ذلك يعبدا صنماً، ويشرب الخمر، فشربا الخمر وعبدا الصنم، وواقعاها، وقتلا سابلا مر بهما خافا أن يشهر أمرهما، وعلماها الكلام الذي إذا تكلم به المتكلم عرج به إلى السماء فتكلمت وعرجت، ثم نسيت ما إذا تكلمت به نزلت فمسخت كوكبا.
قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي هبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه، فتعجب الملائكة من ذلك، ثم لم يقدر هاروت وماروت على الصعود إلى السماء فكانا يعلمان السحر. (تفسير الماوردي 1/142)
وهذه القصة التي يذكرها المفسرون عند هذه الآية غير صحيحة، يقول القاضي عياض: «وإن ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت، وما روي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - في تأويلها فاعلم - أكرمك الله - أن هذه الأخبار لم يرو منها سقيم ولا صحيح عن رسول الله ، وليس هو شيئا يؤخذ بالقياس، والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نصه الله تعالى أول الآيات ( تعليق محقق زاد المسير).
ولله در ابن كثير حيث قال بعد سياقه للأحاديث والآثار الواردة في قصة هاروت وماروت: «وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله والله أعلم بحقيقة الحال» (ابن كثير، ۲۱۸/۱)
وقال أيضا: «وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت، من أن الزهرة كانت امرأة فراوداها عن نفسها فأبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم، فعلماها فقالته فرفعت كوكباً إلى السماء، فهذا من وضع الإسرائيليين، وإن كان أخرجه كعب الأحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سبل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل» (البداية والنهاية ٣٧/١)
۱۱- معالجة المسحور
حل السحر عن المسحور تسمى «النشرة» وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان فإن السحر من عمله فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور ويحمل على هذا قول الحسن لا يحل السحر إلا بساحر»، وهذا النوع مذموم. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب (أعلام الموقعين ٥٥٨/٦) والرقى كثيرة، فالقرآن كله رقية وأفضله الفاتحة وأوائل البقرة وآية الكرسي وخاتمة البقرة، وقل هو الله أحد، والمعوذتان، وفي الأحاديث النبوية الصحيحة رقى كثيرة.
١٢- السحرة لا يستطيعون إيقاع الضرر بالعباد إلا بإذن الله
وأخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الضرر الواقع من السحرة محدود مقيد بقيود، فهو داخل في مشيئة الله وقدرته : ﴿ وَمَا هُم بِضَارِّينَ به من أحد إلا بإذن الله ﴾، فالسحرة قد يريدون إيقاع الضرر ببعض العباد، فلا يستطيعون.
۱۳ - تعلم السحر وتعليمه والعمل به حرام
وتعلم السحر وتعليمه حرام، وكله ضرر ﴿ويَتَعْلَمُونَ مَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ ، وهذا خبر صادق، ولا تجوز القول بما يقتضي مخالفته، فبعض الناس يقول: تعلموا السحر ولا تعملوا به وهذا قول باطل، فتعلمه وتعليمه كله حرام.
وأعلمنا ربنا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَن اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقَ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا به أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ، أعلمنا أن بني إسرائيل يعلمون بما عندهم في كتابهم أن من اشترى السحر أي تعلمه وعلمه وأخذ به تاركا الهدي الإلهي الرباني المنزل من عند الله
الساحر الحقيقي لا يستطيع الارتقاء في سحره مالم يعبد الشيطان.. لذلك تتدنس نفسه الخبيثة بالفساد وتتعاظم عنده الرغبة في الإيذاء
ماله في الآخرة من خلاق، والخلاق النصيب، وأكد هذا المعنى عندما ذم الذين شروا أنفسهم بالسحر لو كان عندهم عقل يردعهم فيجلب لهم المصالح ويدفع عنهم المفاسد . ويدل على حرمة تعلم السحر وتعليمه أن الساحر لا يصبح ساحراً إلا إذا باع نفسه للشيطان وتخلى عن هدي الرحمن.
١٤- الفرق بين السحر والمعجزة:
والسحر يخالف المعجزة ويضادها ، فالمعجزة وحي إلهي سماوي وهي هبة إلهية ربانية، ليس للتعليم فيها دور والسحر صنعة شيطانية فاسدة، يفرق الساحر بالسحر الذي تعلمه بين المرء وزوجه وهو علم باطل مكتسب، يظهر على يد الفساق.
وخاطب الله السحرة من بني إسرائيل قائلاً: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَتُوبَةٌ مِّنْ عند الله خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾، أي لو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا محارم الله، لحصلوا الثواب العظيم والأجر الجزيل.
فقه الآيات وفوائدها
بتدبر آيات هذا النص من القرآن يظهر من العبر والفوائد والفقه ما يأتي:
1- أنزل الله على عبده ورسوله الآيات البينات، وأعظمها القرآن الكريم، ومن كفر بها فهو فاسق خارج عن طاعة الله.
2- ذم الله بني إسرائيل لكثرة نقضهم عهودهم مع ربهم ونقضهم عهودهم مع عباده.
3- الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم مرسل إلى بني إسرائيل كما هو مرسل إلى الناس جميعا، وقد جاءهم بما يصدق التوراة، فكفروا به ورفضوا اتباعه واتبعوا الشياطين.
4-ذم الله بني إسرائيل لتركهم ما أنزل من عند الله واتباعهم للسحر الذي جاءتهم به الشياطين.
5- تبرئة نبي الله سليمان عليه السلام مما رمته به اليهود، فقد زعموا أن سليمان إنما سخرت له الريح، سُخّر له الإنس والجن بالسحر، والذي قرره رب العزة أن هذا التسخير تسخير إلهي رباني، ولذلك قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ .
ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى أن الساحر الذي يسحر بنفسه بكلام كفر يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته
6- أصل السحر ومصدره أصل خبيث وأخبرنا ربنا أن سحر اليهود له أصلان:
الأول: ما قضته الشياطين على ملك سليمان.
والثاني: ما أنزل على الملكين ببابل، وكان الملكان يقولان لمن أراد أن يتعلم السحر لا تكفر بتعلمه، وهما مصدران خبيثان. كان للسحر قديما مكانة عظيمة فأنزل الله ملكين ونزل معهما السحر وطلب منهما تعليم الناس من السحرة، بعد أن بين لهم بأن تعلم السحر كفر، فالذي يضطر على تعلمه يعلمانه إياه ليدل الناس على أن كل واحد يستطيع تعلمه وليس هو قصرا على الأذكياء .
8- وروت روايات إسرائيلية خلطت الحق بالباطل رواها المؤرخون والمفسرون وكان الواجب اجتنابها وعدم تفسير القرآن لها، فليس لها سند صحيح.
9-السحر نوعان: نوع حيل وخزعبلات وخفة يد، ونوع حقيقي، قد يفرق الساحر به بين المرء وزوجه، وقد يمرض الذي سحر وقد يشوش عليه قلبه وعقله، وقد نص الله على أن الساحر قد يستطيع التفريق بين المرء وزوجه، وصرح بأن السحرة يضرون المسحور إذا شاء الله لهم ذلك، وأمرنا في موضع آخر بالاستعاذة من النفاثات في العقد، ولو لم يكن له حقيقة لما أمرنا بذلك.
١٠- السحر وإن كان له حقيقة فإنه محدود مقيد بقيود فهو لا يستطيع أن يجعل الحمار قردا، أو الإنسان دجاجة، فقد تحدى الله آلهة المشركين بأن يخلقوا ذبابا وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك ولو اجتمعوا له.
١١- السحر صنعة يمكن للبشر تعلمها وهو مخالف للمعجزة فعصا كانت آية موسى تتحول إلى أفعى من لحم ودم، والقرآن آية من عند الله لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله والمعجزات للأنبياء والرسل، أما السحر فيمكن للأذكياء والأغبياء حيازته.
١٢- العمل بالسحر حرام لا خلاف في تحريمه، وكذلك تعلم السحر وتعليمه حرام ودليل ذلك من وجوه الأول: إخبار الله أن الشياطين كفروا بتعليمهم الناس السحر. الثاني: قول الملكين لمن أريد تعلم السحر منهما : إنما نحن فتنة فلا تكفر بتعلمه الثالث: إخبار الله تعالى أنهم يتعلمون ما ولا ينفعهم. الرابع: إخبار الله عز وجل أن الذي يصبح ساحراً ليس له في الآخرة من نصيب الخامس: ذم الله الذين شروا أنفسهم بالسحر.
١٣ - الساحر الحقيقي لا يستطيع أن يرتقي في سحره ما لم يعبد نفسه للشيطان فكلما ارتقى في العبودية للشيطان ارتقى في السحر، ولذلك فإن الساحر تتدنس نفسه الخبيثة بالفساد وتتعاظم عنده الرغبة في الإيذاء .
١٤ - ذهب الإمام مالك إلى أن الساحر الذي يسحر بنفسه بكلام كفر، يُقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته، وهذا قول أحمد وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة، وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وابن عمرو وحفصة وأبي موسى (القرطبي، ٦٧/٢)، وخالف بعض أهل العلة في جواز قتله. ١٥- الوقاية من السحر والشفاء منه تكون بالآيات القرآنية والرقى الشرعية الثابتة في الأحاديث النبوية، ومن أنفع ذلك قراءة الفاتحة وآية الكرسي والآيتان من آخر البقرة، أو قل هو الله أحد، والمعوذتان، وكل القرآن نافع في دفع السحر، وإزالة أثره.