; سوروس ونظرية المجتمعات المفتوحة | مجلة المجتمع

العنوان سوروس ونظرية المجتمعات المفتوحة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1997

مشاهدات 84

نشر في العدد 1277

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 25-نوفمبر-1997

◘ سورس يزعم أنه أنفق نصف دخله لإدماج المجتمعات الشيوعية السابقة في النظام الغربي.. أين تكمن المصحلة؟

ذاع صيت رجل المال اليهودي جورج سوروس على وجه الخصوص مع الأزمة التي عصفت باقتصاديات عدد من دول جنوب شرق آسيا مؤخرًا وقد دار سجال علني حاد بينه وبين رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد وقد حاول سوروس أن يصب الماء البارد على المعركة الدائرة بينه وبين رئيس وزراء ماليزيا حول أسباب الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها ماليزيا في الوقت الحالي، وكان الرئيس مهاتير اتهم سوروس بإفساد الأسواق الماليزية والآسيوية ووصفه بالبعبع المخيف وذكر سوروس لمحطة تلفاز سنغافورة بأن الرؤوس الاستثمارية التي يمتلكها ويتصرف فيها قد لعبت دورًا هامشيًا ومحدودًا في فوضى السوق الضاربة بأطنابها بمنطقة جنوب شرق آسيا وذلك ردًا على اتهام مهاتير له بالتسبب في تلك الفوضى، وقال سوروس ردًا على سؤال حول مضمون تعليقه الصحفي الأسبوعي والذي اتهم فيه رئيس الوزراء الماليزي بأنه خطر على بلاده قال: لا رغبة لي في خوض المعارك ولا حتى المعارك الكلامية ولكني لا أملك سوى الرد خاصة إذا ما تعرضت للهجوم من قبل الصحافة المحلية بماليزيا».

وقال سوروس أيضًا: «لقد استخدمني رئيس الوزراء الماليزي ككبش فداء ومطية لتبرئة ساحته هو ولكن عليه أن يتحمل مسؤوليته في كل ما يحدث بماليزيا، كما نفى سوروس مجددًا بأنه من اللاعبين الرئيسيين في الأزمة والتي استهدفت كل العملات المحلية بالمنطقة وقال بأن دوره في لعبة السوق كان صغيرًا ولا يمكن أن يصل إلى درجة زعزعة الاستقرار لأنهم لم يكونوا يشترون عملة الرينجيت أو أي عملة أخرى من العملات الإقليمية المتداولة بمنطقة جنوب شرق آسيا وذلك قبل شهرين من حدوث الأزمة أو في أثنائها وقال سوروس: لم نقم بأي عملية تجارية أثناء تلك الفترة لشراء تلك العملات ما عدا عملية واحدة في حدود 10 ملايين دولار بالعملة التايلندية، وفي أثناء الأزمة كنا نقوم بشراء الرينجيت فإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أننا كنا بمثابة عنصر من عناصر استقرار الاقتصاد، وفي رد من سوروس على سؤال هيئة الإذاعة البريطانية له حول حجم عائداته الحقيقية من عمليات بيع وشراء العملات الآسيوية قال بأنه ليس بالعائد الصخم، خاصة إذا ما قورن بعهد الاسترليني في ذلك العهد المشار إليه جنى سوروس أرباحًا طائلة تقدر بمليار وستمائة مليون دولار في عام ۱۹۹۲م عندها اهتزالجنيه الاسترليني بأسواق النقد الأوروبية.

بيانات شخصية: من هو سوروس وما هي أفكاره؟ وهل هي حقًا أفكار مجردة تهدف لخدمة الإنسانية؟

ولد جورج سوروس بمدينة بوادبست عاصمة المجر في العام ۱۹۳۰م، وقد اكتسب العبرة مما تعرض له في حياته الشخصية في فترة الطفولة من أحداث وتقلبات مختلفة كان أقلها تواريه عن أعين النازيين في تلك الفترة المبكرة من حياته، كما قضى سوروس قسمًا من حياته في ظل النير الشيوعي الذي عرفته بلاده ويعتقد أن ذلك فتح بصيرته على ممارسات الاضطهاد والقمع السائدة في المجتمعات المغلقة.

هاجر جورج سوروس إلى إنجلترا في العام ١٩٤٧ م وحصل بها على دبلوم الاقتصاد من كلية الاقتصاد بلندن ثم تركها متوجها إلى الولايات المتحدة في العام ١٩٥٦م واستقر بها .

في عام ١٩٨٤م أسس جورج سوروس جمعية المجتمع المفتوح وفي العام نفسه أسس السكرتارية المجرية لجمعية سوروس الخيرية بالاتحاد السوفييتي، واليوم تشكل هذه الجمعيات الخيرية المنتشرة في ٢٥ دولة بالعالم في وسط وشرق أوروبا وجنوب إفريقيا، وهاييتي والولايات المتحدة الأمريكية -تشكل شبكة تساعد باتجاه تأسيس البنية التحتية والمؤسسات اللازمة للمجتمع المفتوح إن عدد وحجم منظمات سوروس التي أسستها وأقامتها الجمعية الخيرية المجرية يزداد باستمرار، وتعمل هذه المنظمات اليوم عبر ٥٠ مكتبًا في العالم، ويبلغ عدد العاملين بها حوالي ١٠٠٠ شخص ينفقون حوالي ۳۰۰ مليون دولار سنويًا من أجل تكوين المجتمع المفتوح.

أسس جورج سوروس جامعة وسط أوروبا التي اتخذت من كل من بوادبست ووارسو مقرًا لها، وهذه الجامعة التي أسست في العام ١٩٩٠م تلعب دورًا مهمًا في مبادرات سوروس التعليمية بوسط أوروبا، وتقدم الدورات التأهيلية للخريجين الجامعيين في مجالات التاريخ والاقتصاد والفنون وفي مجال علم المجتمع والعلوم الاجتماعية. 

وسوروس هو المالك الوحيد للشركة الخاصة بمعالجة الاستثمارات - سوروس فاند مانجمنت- وتعتبر هذه الشركة بمثابة المستشار الاستثماري الرئيسي لمجموعة كوانتوم -كوانتوم جروب أوف فاندز- والتي يمثل فيها كوانتوم فاند -أن- الشريك الأكبر حيث يعتبر بمثابة الصندوق الاستثماري الأكثر نجاحًا والمعروف على نطاق العالم منذ ما يقارب الستة والعشرين عامًا. 

بالإضافة إلى إسهاماته التحريرية خاصة المقالات التي كتبها حول المتغيرات السياسية والاقتصادية في الاتحاد السوفييتي ومختلف بلدان أوروبا الشرقية، فقد نشر سوروس كتابًا أسماه «كيمياء التمويل» وقد نشرته دار سیمون أند شوستر وذلك في عام ۱۹۸۷م، وقد أعيد نشر الكتاب في العام ١٩٩٤ م بواسطة دار نشر أخرى هي جون ويلي أند سونز، ونشر سوروس كتابًا آخر عام ۱۹۹۰م بعنوان «فتح النظام السوفييتي» نشرت الكتاب دار ويدنفيلد أند نيكلسون، كما نشر كتابًا آخر في سبتمبر ۱۹۹۱م بعنوان «تمويل الديمقراطية» نشرته دار فري بريس، أما أحدث كتبه المنشورة فهو كتاب سوروس عن سوروس، السباحة ضد التيار وقد صدر في سبتمبر ١٩٩٥م ونشرته دار ويلي أندسونر.

حصل سوروس على الدكتوراه الفخرية عام ۱۹۸۰م من معهد الأبحاث الاجتماعية بنيويورك وكذلك من جامعتي أكسفورد وجامعة العلوم الاقتصادية ببودابست، وفي العام ۱۹۹۱ م حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة بيل كما حصل على بعض الأوسمة خاصة وسام لأوريا هونوريس كوزا من جامعة بولون وذلك اعترافًا بجهوده على المستوى العالمي من أجل إنشاء المجتمعات المفتوحة.

خدمة مجانية للغرب:

يقول سوروس عن نفسه: لقد أنفقت في فترة الخمس سنوات الأخيرة نصف دخلي، وبذلت أكثر من ذلك من وقتي وطاقتي، على شبكتي الخيرية التي تعمل الآن في ٢٢ قطرًا من أقطار الإمبراطورية السوفييتية السابقة، كذلك في جنوب إفريقيا وهاييتي، لقد بذلت قصارى جهدي من أجل ذلك الهدف بعد أن اكتشفت أن انهيار الاتحاد السوفييتي حدث تاريخي، وأن نظام الدولة البديل هو الذي سيحدد الوضع العالمي لسنوات عديدة.

إن هدفي الذي أسعى إليه من وراء ذلك هو تقديم العون والمساعدة خلال المرحلة الانتقالية من الشيوعية لحين تشكيل المجتمع المفتوح، وأعني بعبارة المجتمع المفتوح مجتمعًا شبيهًا بالنظام الاجتماعي القائم بأوروبا الغربية والولايات المتحدة، حيث مثل هذا النظام عنصرًا جاذبًا لأغلبية أولئك الذين رزحوا تحت النير الشيوعي، فعبر ذلك يمكنني أن أساعد في تحقيق طموحات الأشخاص المقيمين بالبلدان المعنية، وهذا المجتمع المفتوح لا يسمح فقط للناس بالتفكير المستقل واتخاذ القرار المستقل، وإنما يستوجب ذلك على الجميع، لذا فهو يخلق مناخ الحرية والتجديد والحياة المزدهرة، لكن ذلك كله يحتاج إلى سن القوانين وإلى إنشاء المؤسسات القادرة على إتاحة إمكانية العيش والعمل بسلام لجميع الناس، بغض النظر عن اختلاف آرائهم وتضارب مصالحهم، غير أنه لا يمكن التوصل لذلك بين عشية وضحاها، لكنه كان أمرًا ممكنًا خاصة بعد سقوط الشيوعية، وفي لحظات الثورة الساخنة يمكن التأثير في الوضع ذلك لو كانت هنالك قابلية لدى المجتمعات الغربية المفتوحة لانتهاز الفرصة المواتية، وللأسف لم يحدث شيء من هذا القبيل، فقد مضت حتى الآن ست سنوات منذ اندلاع الثورة، وبدأت الأنظمة الجديدة تظهر لحيز الوجود -هي ما زالت بعيدة عن مسمى المجتمع المفتوح- عوضًا عن ذلك ما نراه الآن من تطور للأفكار ذات النزعة القومية. 

كل هذا لا يخرج عن طابع التعميم الشامل، ولا يسري على كل البلدان لكن كلما برهن ذلك على صحته فإنه يمنع من تشكيل الأيديولوجيات والمصالح التجارية بشكل كامل، أضف لذلك أن القيادة -زعامة تلك البلدان- لا تستطيع أبدًا امتطاء ظهر الحصان بالثبات والرصانة المطلوبتين.

لقد تشكلت المصالح التجارية بشكل أفضل من القيادات السياسية ومن الأيديولوجيا في بعض البلدان -والتي تعتبر روسيا من أهمها في هذه الناحية- حيث أصبحت سلطة الدولة فريسة سهلة للأفراد، والنتيجة ما زالت غير واضحة وغير معروفة بعد، لكن هنالك شيء مؤكد ألا وهو أن من يريد حقًا كسب دعم وتأييد الشعب له يتوجب عليه في هذه الحالة إعلان المبادئ القومية وكراهية الأجانب، وذلك بسبب انخداع الناس بالغرب وغضبهم عليه، أما في بعض الأقطار الأخرى -مثل أوكرانيا- فإن الصورة لم تتشكل بعد، لذا فالفرصة مواتية لمنح الأحداث دفعة إيجابية، لأن الغرب قد استيقظ على ما يبدو وباشر تقديم المعونات والمساعدات الجادة.

ربما لم يحن الوقت بعد للقلق المربك حول مصير المنطقة، لكن علينا أن نتساءل ما الخطأ؟ وذلك هو ما يشغلني حقًا -فمن الواضح أن تقييمي للمجتمع الغربي المفتوح كان تقييمًا خاطئًا، وكنت أعتقد أنهم يشاركونني الرأي من أجل تشكيل المجتمع المفتوح كهيكل اجتماعي مطلوب، لقد خدعت في تاريخ الغرب، والغرب الذي كافح خلال الحرب العالمية الثانية من أجل قيم المجتمع المفتوح، وقدم التضحيات في فترة ما بعد الحرب في سبيل نشر هذه القيم، لقد كان تعامل الولايات المتحدة مع كل من ألمانيا واليابان مثالًا رائعًا على ذلك، وإنني أعتقد بأن هذا المثال سيتكرر بعد انهيار الشيوعية أيضًا، لكنني خدعت بشدة في هذا الاعتبار ويبدو أن الغرب قد فقد هذه القيم التي كافح من أجلها طويلًا، وأوضح مثال على ذلك ما حدث في البوسنة والهرسك مؤخرًا فكارثة البوسنة تشهد على إفلاس الغرب أخلاقيًا، لقد قام الجيش اليوغسلافي بقصف مدينة دوبروفنيك وكان علينا أن نحافظ على مصير أوروبا الشرقية بأكملها والآن -لأن الشجاعة الأدبية لا تتوافر لدينا- فجل همنا هو أن نحافظ على مستقبلنا- مستقبل الحضارة الغربية.

ويتساءل سوروس: هل ثمة مخرج من حالة الإفلاس الأخلاقي الذي تواجه الديمقراطيات العربية؟ أعتقد نعم فيمكننا مثلًا أن ننشئ نظامًا مشاركًا للقيم لنحافظ به على حضارتنا، لكن من أین لنا أولًا بمثل تلك القيم؟ فحضارتنا تقاس الآن بالمقاييس العالمية وهي تضم العديد من الثقافات المختلفة، في رأيي أن هناك جزءًا واحدًا وهو أن نفهم ونعرف نظرية المجتمع المفتوح التي تتيح الفرصة أمام كل الناس باختلاف آرائهم وتضارب مصالحهم للتعايش بسلام بعضهم إلى جانب بعض، إن المجتمع المفتوح هو بمثابة مصلحة مشتركة يجب وضعها في المقدمة، وهو عنصر ذو أولوية تفوق عملية الحرص على تحقيق المصلحة الفردية.

إن المجتمع المفتوح لا يرفض فكرة تحقيق المصلحة الفردية البتة، بل على العكس من ذلك أن الفرد في حالة افتقاره إلى المعلومات الكاملة عليه أن يجتهد لتحديد مصالحه الفردية على أن تترك عملية تنسيق هذه المصالح لميكانيكية السوق، وفي حالة الافتقار للمعلومات والمعارف الكاملة لا يمكننا أن نكلف الفرد مثلًا: بعملية حماية المصلحة المشتركة لذا فمن الضروري إنشاء مؤسسات تكون لها الأولوية بإزاء الفرد ولا يلزم أن تكون هذه المؤسسات كاملة من حيث هو الكمال وبذا تنصب الجهود للتغلب على النواقص، وهكذا فإن نظرية المجتمع المفتوح مسألة حساسة ومعقدة ومن الصعب استغلالها.

لكن هل يكون في مقدورنا أبدًا أن نفهم ونتقبل المجتمع المفتوح كهدف مرغوب ومطلوب؟ وهل يمكن أن نؤسس نظام قيمنا على الأعراف، والإقرار بإمكانية وقوع الخطأ؟ فإن كانت القيم مثل المسائل التي نعتقد في صحتها -فهل يمكن أن نعتقد في أمور ربما تكون خاطئة؟ نعم- لكن فقط عندما نقر بأن اعترافنا بالخطأ هو من القيم الإيجابية وعلينا أن نتغلب على العنصر الذهني المعوق.

كيف يمكن للمجتمع المفتوح أن ينهض من أجل التنافس بمثل تلك التصورات البسيطة والمحددة مثل -عائلتي- قبيلتي- وبلادي؟ صحيح يضحي الناس ويموتون من أجل الملك والوطن، ولكن هل يضحون من أجل المجتمع المفتوح؟ 

أما نظرًا لما حدث في البوسنة والهرسك فإن الإجابة بلا ولكن أليس من الأجدر بنا أن نعتبر بما حدث في البوسنة والهرسك، فالقيم التي نتحدث عنها لم تحدد بطريقة واضحة في حالة البوسنة والهرسك، إن العالم يحتاج اليوم بصورة ملحة إلى مبادئ رئيسية تحدد العلاقات ما بين الدول والعلاقات ضمن إطار الدولة الواحدة أيضًا، فالدول ليس لديها مبادئ بل لها مصالح فقط، لذا اتضح أنها لا تصلح لهذا الهدف، كما أعتقد بأن نظرية المجتمع المفتوح تمثل وتخدم الأنموذج الأفضل، فكيف إذن يمكن ترجمة ذلك إلى لغة الأحكام والمؤسسات التي تحافظ على سلام العالم؟ إنه لسؤال صعب والإجابة عنه تحتاج إلى تفكير وبعد نظر، لذا فلا يمكنني الإجابة عنه وحدي وعلينا جميعًا أن نجد له الإجابة المناسبة».

هل يمكن لرجل مال يهودي أن يكون طوباويًا إلى هذه الدرجة؟ وهل خدع حقًا كما يقول الغرب؟ وإذا كان تقييمه خاطئًا فلماذا وهو الذي اعتاد أن يقيس كل شيء بمقاييس الربح والخسارة يستمر في خطته لإنشاء المخيمات المفتوحة! أم أنها لافتة أخرى جديدة من لافتات اليهود؟! ..

خدمة خاصة من وكالة إغاثة العالم الثالث

الرابط المختصر :