; سوريا وإسرائيل: مدافع المواجهة... هل تحسم صراع القوى المتنافسة؟ | مجلة المجتمع

العنوان سوريا وإسرائيل: مدافع المواجهة... هل تحسم صراع القوى المتنافسة؟

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1984

مشاهدات 58

نشر في العدد 667

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 17-أبريل-1984

  • من حق الجماهير أن تتساءل عن مدى جدية التهديدات الإسرائيلية
  • ردة الفعل الإعلامية في سورية تغطي على صراع القوى في الداخل.

في بعض الأحيان نجد أنفسنا مدفوعين لتناول بعض مالا نعتقد بأنه من الأهمية بمكان بالنسبة لقارئ المجتمع إلا أننا نضطر من خلال المنطلق الصحفي أن نتعرض لهذا الموضوع أو ذاك مما يثار في الساحة السياسية ويعطي هالة إعلامية تشد جماهير القراء بصورة لا تمكنك من تجاهله وتدفعك إلى تناوله.

وعلى كل يبقى تناولنا للموضوع ذا فائدة لكوننا نعتمد في معظم تحليلاتنا السياسية على المنظور الإسلامي.

ومن هذا المنطلق كانت نظرتنا إلى الضجة الإعلامية الهائلة التي أثيرت حول احتمالات الحرب بين سوريا والكيان الصهيوني.

خلال الأسبوع الماضي لم يكن لأجهزة الإعلام من صحافة وإذاعة... إلخ من قضية رئيسة سوى قضية التصريحات والتهديدات المتبادلة عبر أجهزة الإعلام التابعة لكل من سوريا والكيان الصهيوني وكانت الصحافة وأجهزة الإعلام العربية قد أثارت الموضوع بصورة توحي للقارئ بأن حربًا ضروسًا على وشك الاندلاع بين لحظة وأخرى.

ونحن نتساءل عن مدى الجدية في هذه التصريحات المتبادلة أو بالمعنى الأصح عودة المدافع لماذا؟

لكي نتمكن من الإجابة على هذا السؤال لا بد أن نستكشف معًا الدوافع والأسباب الكامنة وراءهذا التصعيد.

١ - دوافع التهديد الإسرائيلي:

ربما يتبادر إلى ذهن القارئ أن يتساءل عن سبب إطلاق المسؤولين الصهاينة لتهديداتهم في هذا الوقت بالذات «مع أنه لا يوجد بالنسبة للعدو ما يبرر هذا الاتجاه العدائي الذي أوضحته التهديدات الإسرائيلية الأخيرة» فالقوات السورية سواء المتواجدة منها على خطوط المواجهة السورية أو المتواجدة على خطوط المواجهة داخل الأراضي اللبنانية لم تقم خلال الفترة الأخيرة بأية أعمال عسكرية تشكل تهديدًا للوجود الإسرائيلي بل على العكس من ذلك فإن حكومة إسرائيل ذاتها تمارس على الأرض اللبنانية وبشكل يومي أشد الاعتداءات وحشية سواء بالانتقام العشوائي في مدن وقرى الجنوب أو بالقصف الجوي على بقايا تجمعات الفلسطينيين في لبنان وبدون أن تجد من يتصدى لاعتداءاتها تلك، لذا فإن مقولة الإسرائيليين وغيرهم بوجود تهديد سوري للأمن الإسرائيلي سقطت في بدايتها. إذًا لا بد من وجود أسباب ومبررات داخلية دفعت بالحكومة الإسرائيلية إلى هذا الاتجاه.

إن المتتبع لمسيرة الحياة السياسية داخل الكيان الصهيوني يلاحظ أن الصراع بين القوى السياسية بات يأخذ طابعًا محمومًا في سبيل الحصول أو المحافظة على المكاسب السياسية وقد برز هذا واضحًا منذ عدة سنوات على إثر نجاح تكتل الليكود بزعامة بيغن بإبرام اتفاق السلام مع مصر والمعروف باتفاق كمب ديفيد ومن حينها اعتقد بيغن وتكتله أنهم الطرف الأقوى والأحق في قيادة الكيان الصهيوني، ولذلك حين تعرض موقفهم الانتخابي عام «۸۱»  للاهتزاز أقدم بيغن في حينها على إطلاق التهديدات والتصريحات العدائية ضد قواعد الصواريخ السورية في البقاع ثم تبين بعدها أن بيغن لم يوجه تهديداته السورية إلا خداعًا وتضليلًا ليقوم بتنفيذ ضربة مفاجئة للمنشآت النووية العراقية، وكانت هذه الضربة السبب المباشر في إعادة وتثبيت بيغن وتكتله في الحكم.

وما يجري الآن يماثل إلى حد بعيد ما جرى عام «۸۱»  فصراع القوى السياسية داخل الكيان الصهيوني وصل ذروته حيث عجل هذا الصراع بتقديم موعد الانتخابات النيابية إلى ٢٣/ ٧/ ١٩٨٤م حسب رغبة الأحزاب المعارضة لتكتل ليكود الحاكم الذي رضخ لرغبة المعارضة في الإسراع بإجراء الانتخابات البرلمانية ومن خلال ذلك بدأت أسهم الأحزاب المعارضة التي يقودها حزب العمل بزعامة شمعون بيريز بالتصاعد، وقد شكل هذا التقدم للمعارضة قلقًا شديدًا لدى أوساط تكتل ليكود الحاكم الذي بات يخشى من تعرضه للهزيمة في الانتخابات القادمة وفوز تكتل المعراخ المعارض بزعامة حزب العمل. فماذا يفعل الليكود لتفادي الهزيمة المنتظرة حسب قول معظم المراقبين؟ إنه نظرًا لكون أمريكا تميل على ما يبدو إلى فوز العمل ومعظم الحكومات الأوروبية تميل إلى هذا إضافة إلى أن هناك بعض الأنظمة العربية التي تنتظر أو ربما تكون قد وعدت ببعض الأمور على طريق الحلول السلمية فيحال فوز حزب العمل.

إن تكتل الليكود الحاكم يشعر بأن خسارته للانتخابات تكاد تكون محققة لذلك لا بد من اتخاذ إجراء ما يعيد له أصوات الناخبين الذين يحققون له الفوز من جديد ومن ثم الاحتفاظ بالحكم لفترة أخرى فماذا يفعل؟

إن شامير وتكتل ليكود لم ينس أن ضرب المنشآت النووية العراقية عام «۸۱»  أعادتهم أو بالأحرى ثبتت أقدامهم بالحكم لأن مثل هذه الأعمال هي التي تتناسب مع اتجاهات اليهود وتتلاءم مع طبيعتهم العدوانية لذلك فإن الإجراء الذي يمكن لتكتل ليكود اتخاذه ليحوز على ثقة الناخب اليهودي هو القيام بعمل ما يتسم بالعدوانية ضد أي جهة أو حتى منشأة عسكرية عربية وليس من الضرورة أن توجه ضد سوريا بالذات بل ربما يكون التهديد الموجه لسوريا عبارة عن تغطية لضربة محتملة في مكان آخر تختاره حكومة إسرائيل تعتقد أنه سيحقق لها انتصارًا آخر ويشكل في الوقت نفسه رصيدًا انتخابيًا يستغله الليكود في الانتخابات القادمة. ويلاحظ بعض المراقبين أن هناك لهجة عند بعض السياسيين في الغرب تشير إلى احتمال قيام الإسرائيليين بتوجيه ضربة أخرى للعراق.

۲- مبررات الطرف الآخر

لاحظ المراقبون الدبلوماسيون في العاصمة السورية سرعة الاستجابة الإعلامية في سوريا للتهديدات الإسرائيلية فما أن أطلق العدو تهديداته حتى أبرزت كافة وسائل وأجهزة الإعلام وبصورة أثارت دهشة هؤلاء المراقبين للحديث عن هذه التهديدات وإطلاق التهديدات المعاكسة وإبلاغ معظم حكومات العالم بخطورة الأوضاع والتحذير من الواقعة القريبة إلى آخر ما هنالك من إثارة إعلامية توحي بأن ساعة الصفر باتت جد قريبة، وكما ذكرنا في بداية حديثنا فإن القوات السورية سواء على الحدود السورية أو المتواجدة على الأراضي اللبنانية لم تقم خلال الفترة الأخيرة بأي عمل عدائي ضد الوجود الإسرائيلي وأن سوريا على يقين تام من عدم وجود ما يبرر إقدام إسرائيل على توجيه اعتداء عسكري ضد الجيش السوري، فتواجده في لبنان تحكمه الخطوط الحمراء التي تم رسمها بمعرفة الولايات المتحدة والموقف السوري تجاه الوجود الفلسطيني في لبنان لم يعد يحتاج لشرح وتفسير ولعل حكومة العدو تستشعر الارتياح من هذا الموقف وباختصار فإن المراقبين يعتقدون أنه لا يوجد أي سبب تعتمد عليه سوريا في إثارتها لقضية التهديد الإسرائيلي وإعطائه حجمًا أكبر من حجمه.

إذًا لا بد من وجود أسباب أخرى جعلت سورية تستجيب للتهديدات الإسرائيلية بالشكل الإعلامي الذي لاحظناه والمتتبع لمسيرة الحياة السياسية داخل سوريا يلاحظ وخاصة خلال الأشهر الأخيرة بحسب ما نقلت صحف الكويت المحلية أن الصراع بين مراكز القوى قد انتقل إلى مراحله العلنية بعد أن كان يدور في إطاره السري داخل الأجهزة المتنفذة وكان الوضع الصحي لحافظ الأسد سببًا مباشرًا في الظهور العلني لهذا الصراع وكان يقف في المقدمة رفعت الأسد الطامح والمرشح الأول لخلافة شقيقه يسانده في ذلك بعض من رؤساء التنظيمات والأجهزة المتنفذة، ويعتقد أن معظم القوى المؤثرة في الداخل تدين بالولاء لرفعت الأسد إضافة للتأييد الضمني الذي يحصل عليه من شقيقه حافظ بينما الأطراف الأخرى مثل خدام والشهابي وبعض القادة العسكريين الذين يشعرون بأنهم أحق وأقدر من رفعت الأسد إضافة إلى أن المراقبين يعتقدون أن قادة القوات السورية المتواجدة في لبنان لا تدين بالولاء لرفعت الأسد وأن وجودها في لبنان يجعلها بعيدة عن التأثير في عملية الصراع على السلطة مما يولد في نفوس هؤلاء القادة بعض الاتجاهات المتنافسة نحو السلطة في الداخل.

من هذا كله كان التهديد الإسرائيلي ذريعة كبرى للمركز الأقوى الذين يهيمن عليه رفعت داخل السلطة في سوريا لاستغلاله وتوظيفهلصالحه.

هذا بالنسبة للصراع الداخلي أما بالنسبة للتوجهات الخارجية فإن الإثارة الإعلامية المكثفة والتهويل من شأن هذه التهديدات يحقق للسياسة السورية حسب اعتقادها مكسبًا سياسيًا أمام الدول العربية، ويعزز دورها في لبنان.

وأخيرًا فإن هذا التصعيد الإعلامي السوري من شأنه أن يعزز المطالب السورية الموجهة للدول العربية وعلى وجه الخصوص الدول النفطية منها بتنفيذ الدعم المادي وزيادته بحجة المعركة ومتطلباتها فتقوم هذه الدول التزامًا منها بالموقف العربي ومبدأ المشاركة في معارك المصير بدفع المبالغ المطلوبة وأحيانًا تضطر إلى دفعها من احتياطي الأجيال في سبيل المساهمة في المعركة المرتقبة، وبعد حين تمر الأزمة وكأنها لم تكن.

ونحن هنا لسنا ضد الدعم المادي لدولة تريد القتال مثلًا، فهذا واجب يفرضه الدين والمصير المشترك و.. ولكن يبقى هذا الدعم مرهونًا بمصداقية المعركة ومرهونًا أيضًا في التزام سوريا وغيرها بالمصير العربي المشترك، وإلا فكيف يمكننا قبول إعطاء الدعم في الوقت الذي تقف فيه سوريا مع إيران ضد العراق، مع أن واجبها العربي يدفعها إلى وضع جهودها مع العرب الآخرين في العمل على إنهاء هذه الحرب.

وفي حال رفض سوريا لهذا المطلب العربي فلا نعتقد أن من واجب الآخرين دفع الدعم لأن هذا العطاء لا يحقق أية فائدة.

الرابط المختصر :