العنوان سورية: دعوة إلى ميثاق شرف وطني
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1410
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 25-يوليو-2000
سورية اليوم في مرحلة تحول، تحول تقتضيه الظروف الموضوعية، وتسعى إليه الإرادات البشرية، لكن إلى أين وكيف؟
إن غياب رئيس وحلول رئيس جديد محله، لا يعني ولا يمكن أن يعني بأي حال استمرار الماضي في الحاضر، ولو كان الرئيس الجديد ابن الرئيس الراحل، وأشكال السلطة هي هي فهناك -في الأقل- ملف الفساد الذي فتح في المرحلة الانتقالية، ولم يغلق بعد، وهناك الحرس القديم الذي تم تبديله، وهناك التركة غير المرتاحة «داخليًا وخارجيًا» فضلًا عن وجود فروق فردية –لا بد منها- بين الرجلين.
في ظاهر الأمر، وفي منطوق النصوص الدستورية ترتبط سلسلة التغييرات المطلوبة وغير المطلوبة بإرادة رئيس الجمهورية، هذا هو الواقع لكن هل يستطيع فرد مهما عظم أن يحمل كل هذا العبء أولًا، وأن ينجح في توجيهه صعدًا وجهة «التحديث والتطوير والانفتاح»... ثانيًا؟
من التحديات الداخلية -مثلًا– المشكل الاقتصادي والمشكل السياسي فهبوط سعر العملة الوطنية، وتراجع الصناعة، وازدياد التضخم والبطالة، وهرب رأس المال الوطني، وتجذر الفساد المالي والإداري كيف تعالج؟! الشعار اشتراكي والواقع بيروقراطي، انتهازي طفيلي فاسد، لقد ازداد غنى الأغنياء وازداد فقر الفقراء بل غابت الطبقة الوسطى «أم الإبداع والصناعة والبناء» أو كادت.
فطوال ثلاثة عقود ونيف، والبلاد محكومة بقانون حالة الطوارئ والأحكام العرفية، ونظام الحزب الحاكم قائد الدولة والمجتمع والإعلام المؤمم ومركزية السلطة والقرار، وغياب الرقابة الشعبية، وانحسار سلطة القضاء العادل والقانون.
يقال: إن رأس المال الوطني جبان لا ينشط إلا في ظل هامش غير قليل من الحرية وسيادة القانون بعيدًا عن الابتزاز والسمسرة، وتناقض القوانين وجمود الروتين وهذا يطرح إشكالًا ذا بال أيهما أسبق الإصلاح السياسي أم الإصلاح الاقتصادي، تحرير الإنسان أم تحرير الاقتصاد؟!.
سجناء الرأي أو السياسة في السجون أو المنافي، الأحزاب محنطة أو محظورة الجمعيات الأهلية، المبادرات المدنية ممنوعة أو مخلوقة، ثورة المعلومات ووسائل الاتصال الخارجي السريع تدق الباب بعنف، حجب كثيرة وقيود مفروضة في الداخل.
لعل أبرز مزية في الخصوصية السورية هي «حيوية» هذا المواطن فكريًا وسياسيًا وتجاريًا واقتصاديًا، أين هذه الحيوية منذ ثلاثين سنة؟ لقد كان الحرير السوري ينافس الحرير الفرنسي في الماضي، كان الوعي العربي الإسلامي في سورية مهماز الوعي في المنطقة كلها، فأين نحن الآن من ذلك كله؟!
الوحدة الوطنية هل هي على ما يرام؟، سوف نمسك الحديث عن الشرخ الأخير -وهو خطير- وسنكتفي بالإشارة إلى التصدعات التي عصفت بالأحزاب، فأصبح الحزب الواحد أحزابًا، بعضها في السلطة، وبعضها تحت الأرض، وبعضها الآخر في المنافي لا تستثني من ذلك حزبًا من الأحزاب ثم هل كل مواطن سوري زعيم لا ينقاد لغيره، وإذا كان في الأمر تهويل أو مبالغة، فكيف السبيل إلى الحل، أو المخرج أو الوفاق الوطني؟!
لقد سبق للسوريين أن حققوا إجماعًا وطنيًا أكثر من مرة وشكلوا جبهات وطنية عريضة في أحرج الأوقات -ونحن في أخرج الأوقات الآن– فأين هذا الإجماع اليوم لنكن صرحاء واقعيين ألسنا بحاجة ماسة إلى هذا الإجماع في مرحلة التحول هذه؟ مرحلة الاستحقاقات الداخلية والخارجية الصعبة؟
الإشكال الخارجي
أما الإشكال الخارجي، فهناك سلسلة من التحديات تواجه سورية بدءًا من العولمة «اقتصاديًا وفكريًا» ومرورًا بالشرق أوسطية «بديلًا للعروبة» والوحدة أو التضامن العربي، ثم مشكلة فلسطين، واسترداد الجولان المحتل، ثم العلاقات الثنائية مع دول الجوار وقس على ذلك من سياسات.
هذه التحديات تنتظر حلولًا ومبادرات واستراتيجيات لقد جربت سورية من خلال «الجيش» طموح القائد الفرد والحزب المفرد والطائفة المفردة، فكيف كانت النتيجة كما جربت على فترات متقطعة حكم الوفاق الوطني، والتعددية السياسية والحياة البرلمانية والصحافة الحرة وإذا اختلفنا على التقويم، فمن هو الحكم الفصل في الخلاف الوطني وإذا لم تتفق على الحكم الفصل، فهذه تجارب الأمم المتقدمة والمتخلفة والتي بين بين، فماذا تقول؟
هناك احتجاج بالخصوصية السورية، فسورية غير أوروبا، وغير دول أوروبا الصناعية الغنية التي سلخت دهرًا في النضال من أجل الديمقراطية ولكن متى كانت سورية مثل روسيا أو دول المنظومة الاشتراكية حتى نقلدها بنظام شمولي، وبسلطة القرار المركزي؟ ثم إن هذه الدول نفسها تخلت عن هذا الخيار لإخفاقه المعلوم.
سورية هي ملك أبنائها جميعًا بلا استثناء، وإذا كانت هذه القاعدة صحيحة لا خلاف عليها، فلتنطلق منها، ولتؤسس عهدًا جديدًا يقوم على هذه القاعدة الجامعة المانعة الوطيدة.
بمعنى آخر: هل تبادر السلطة «الجديدة»، فتدعو إلى مؤتمر وطني يشمل الأطراف الوطنية كلها بلا استثناء للتداول والاتفاق في شؤون الوطن الداخلية والخارجية العليا للوصول إلى «ميثاق شرف وطني»، يتضمن فيما يتضمن وقف الخلافات أو الصراعات البينية بأنواعها، ورسم الطريق المستقبلي للقطر، وتسلسل الأولويات للعمل العام أم تبادر جهة أو جهات شعبية وطنية لمثل هذا المؤتمر، ولإنجاز مثل هذه الطموحات؟.
في تقديرنا ليس الإشكال فيمن يبدأ أو يبادر لخطة الرشد هذه، وإن كان العهد الجديد هو الأولى والأجدى بالمبادرة، حتى لا تفسر الأمور بأنها مجرد معارضة.
هذه الدعوة إلى وضع «ميثاق شرف وطني» لیست نتيجة التحليل الموضوعي والاستجابة لمتطلبات مرحلة التحول التي نعيشها فحسب، لكنها أيضًا لسان حال الأطراف الوطنية ومقالها، فالعهد الجديد أطلق إشارات وفتح ملف الفساد، وعدد من رموز المعارضة صرح بذلك، مثل رياض الترك «الأمين العام للحزب الشيوعي السوري -المكتب السياسي»، من معارضة الداخل، ومثل علي صدر الدين البيانوني -المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين -التنظيم السوري، وغيرهما.
قد يقال أيضًا من الأطراف الوطنية المعنية نحن لا نحب أن نصادر الجواب على أحد، ولكن المسألة ليست عويصة أو مستحيلة، إذا توافرت النية الحسنة والرغبة الجادة والاحتكام إلى المصلحة العليا والقواسم المشتركة الجامعة، فأول المواصفات الابتعاد عن الانتقاء أو النبذ أو استقطاب الأنصار، هذا من باب التعريف السلبي. ومن باب التعريف الإيجابي إجراء مشاورات موسعة، ورجوع إلى الشرائح والمنظمات السياسية والاجتماعية والعلمية، والشخصيات ذات الكفاءة واختيار صيغة مثل:
1- تجمع مندوبي الأحزاب السورية بلا استثناء، على الرغم مما بينها من خلافات وتحفظات مثل أحزاب السلطة أحزاب الجبهة التقدمية الوطنية، وأحزاب المعارضة مثل أحزاب: التجمع الوطني الديمقراطي، والتحالف الوطني لإنقاذ سورية.. مضافًا إليها عدد يتفق عليه من النخبة الفكرية والنقابية والعلماء.
٢ - لجنة من رموز التيارات القومية -الوحدوية الإسلامية -الماركسية -الليبرالية.
٣ - حكومة انتقالية محايدة تشرف على انتخابات نيابية حرة، وتشكيل مجلس نيابي تأسيسي، يضع دستورًا جديدًا، ويؤسس لعهد وطني ديمقراطي حقيقي.
هذه الصيغ المطروحة هي للتمثيل وليست الحصر، كما أن جودة بعضها أو كلها لا تأتي من ذاتها وحسب، بل من ملاءمتها للظروف الحالية والإجراءات العملية والموعد الزمني، فالخيار الثالث قد يكون أفضل الخيارات لكنه في الوقت نفسه قد يكون صعبًا من حيث الابتداء به، فربما كان ثمرة أو مرحلة أخيرة للمطروح والصيغ الأخرى.
(*) كاتب سوري
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل