; سورية: في المسألة الديمقراطية | مجلة المجتمع

العنوان سورية: في المسألة الديمقراطية

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000

مشاهدات 70

نشر في العدد 1411

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 01-أغسطس-2000

  • نختلف مع الرئيس السوري في أن الجبهة الوطنية التقدمية نموذج ديمقراطي.. يمكن تطويره.

حسنًا فعل الرئيس السوري الجديد حين ركز خطابه -بعد القسم- على الوضع الداخلي لسورية، وإن كان حديثه عن استرداد الجولان في محله.

 من الإشكالات الداخلية التي تناولها الرئيس السوري موضوع «الديمقراطية» فقد عرض لها من زاويتي التنظير والتطبيق من الناحية النظرية نتفق معه إلى حد بعيد فيما يلي:

۱ - الفكر الديمقراطي غير الممارسات الديمقراطية.

2- الفكر الديمقراطي يستند إلى أسس قبول الرأي الآخر، وهو طريق ذو اتجاهين. 

3- رفض «تطبيق ديمقراطية الآخرين على أنفسنا».

أما من ناحية التطبيق فنختلف معه في عدد من الأمور، منها:

 ۱- قوله جبهتنا الوطنية التقدمية نموذج ديمقراطي تم تطويره من خلال تجربتنا الخاصة بنا..

2-  «وقد أدت دورًا أساسيًا في حياتنا السياسية ....».

ولهذا نحن نتردد كثيرًا في فهم أو قبول الحل الجديد الوحيد - المناقض للمقدمات النظرية - ألا وهو قوله: «أصبح من الضروري الآن أن نطور صيغة عمل الجبهة بما يستجيب مع حاجات التطوير الذي يتطلبه واقعنا المتطور المتنامي.....».

 هذا مجمل تعليقنا على ما طرحه الرئيس عن مسألة الديمقراطية. وقبل التفصيل نشير إلى بعض الملاحظات:

 أولًا: نحن لا نتوقع من الرئيس الجديد أن يُحدث انقلابًا داخليًا وفكريًا أو عمليًا في التركة الضخمة التي آلت إليه، ولاسيما في أخطر المسائل ألا وهي «الديمقراطية».. إنه يحتاج إلى بعض الزمن وبعض الإجراءات لإحداث مثل هذه النقلة النوعية التي يتطلبها الوضع، أو التي يسعى إليها الرئيس إن كان في نيته شيء من ذلك، وهذا غير مستبعد، لأنه من طبيعة الأشخاص -كما رشح من تصريحات وإشارات - ومن تغير الظروف التي أشار إليها «التطوير الذي يتطلبه واقعنا المتطور والمتنامي».

 ثانيًا: هناك دائمًا مسافة غير قصيرة بين التنظير والتطبيق بين القول والعمل، بين الشعار والممارسة. هذه المسافة ترجع إلى سوء الفهم، كما ترجع إلى حقيقة النوايا والمقاصد، ثم إلى صعوبة التطبيق وظهور العوائق الذاتية والموضوعية.

ثالثًا: بالنسبة إلى أنواع الديمقراطية، هناك تعارف بين الناس ومعظم الدارسين على نوعين مشهورين متمايزين للديمقراطية وإن كنا نزعم أن هناك نوعًا ثالثًا سوف نعرج عليه في السياق أيضًا: الديمقراطية الغربية الليبرالية والديمقراطية الشرقية الشعبية - الاشتراكية وهناك فروق بين تطبيقات كل نوع منهما، لكن مصطلح الديمقراطية إذا أطلق اليوم على نظام ما انصرف إلى نموذج الديمقراطية الغربية.. لماذا؟ لأسباب كثيرة منها أن التطبيق الديمقراطي الغربي - وإن كان لنا عليه تحفظات كثيرة - يظل الأقرب لتحقيق جوهر الديمقراطية: حكم الشعب بالشعب للشعب - وهو المشهور - أو قبول الرأي الآخر».

تنوع الديمقراطيات - راجع كما هو معلوم - إلى أسباب كثيرة منها خصوصية التجربة أو التطبيق في كل قطر على حدة, وهنا تثار «الخصوصية السورية» في مسألة اختيار النموذج الديمقراطي أو التأسيس له.. فالأسباب المميزة لنموذجنا الديمقراطي صحيحة، وهي: « المنبثقة عن تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية، والنابعة عن حاجات مجتمعنا، ومقتضيات واقعنا» لكن يبدو أن هناك اختلافًا في التعريف أو في مدلول بعض الألفاظ مثلًا: ما مواصفات تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية وما حاجات مجتمعنا بالضبط، وما مقتضيات واقعنا بالتحديد؟

المجتمع السوري جزء من المجتمع العربي ومن المجتمع الإسلامي، وهو بعد ذلك - لا قبله - جزء من المجتمعات النامية في العالم الثالث أيضًا، والذي يعطي الأولوية هنا للعروبة والإسلام هو عمق هذه المعطيات في تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية, ومن خصوصيات قطرنا كونه دولة مواجهة مع الكيان الصهيوني من جهة، وصاحب مشروع عربي إسلامي «وحدوي», ومن غير تهيب نشير إلى إحدى خصوصيات مجتمعنا تعددية شرائحه البشرية الفكرية.. تعددية دينية ومذهبية وعرقية، وإن كانت الغالبية العظمى متجانسة.

 صفة «التخلف» لاسيما المادي في مجتمعنا اقتضت من النظام اختيار الاشتراكية، لكن هل من الضروري تلازم الاشتراكية والديمقراطية الشعبية، أي النظام الشمولي على الطراز الماركسي ذلك النموذج الذي تخلت عنه المنظومة الاشتراكية نفسها؟ وبالمناسبة إن الانصراف عن نموذج الديمقراطية الشعبية لا يعني - عندنا على الأقل - آليًا ولا أوتوماتيكيًا الانخراط في النموذج الغربي، ذلك لأن كل تجربة ديمقراطية لها تطبيقات خاصة، ولأن سورية العربية الإسلامية يجب أن تكون لها ديمقراطية عربية إسلامية شورية، إن صح التعبير، أو تم استيعاب الاصطلاح في بعده الحضاري الواسع الجامع.

 أبادر فأعترف بأن هناك من يثير إشكالات علىهذا النموذج «الثالث» المتميز المنسجم في الوقت نفسه مع « تجربتنا الديمقراطية الخاصة بنا المنبثقة عن تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية النابعة من حاجات مجتمعنا ومقتضيات واقعنا». من هذه الإشكالات عدم وضوح هذا النموذج من جهة واهتزاز الصورة المطبقة عنه في العصر الحديث وإشكال آخر هو الظن بأن هذا النموذج يراعي مواطنين وينفي آخرين، وهي شبهة لا أساس لها والجواب عن هذه الاعتراضات كلها يسير، وإن كان يحتاج إلى شرح طويل نوجزه، ثم نتجاوزه.

أشكال من التعددية:

أول الإشكالات في النموذج المقترح مسألة التعددية الدينية والمذهبية والعرقية في الواقع السوري. هذه في الحقيقة ليست إشكالية، بل إنها خصوصية تقتضي التعددية لا المركزية أو النظرة الأحادية. لقد تعايشت العقائد في تاريخنا الإسلامي، وكانت مضرب المثل قديمًا وحديثًا، نحن نقدر أن ليس هناك إشكال، فإذا أضفنا إلى ذلك دور الإسلام في تعزيز العروبة واللغة العربية «أدبًا وثقافة وتوحيدًا»، وفي تعزيز المجال الحيوي والعمق الاستراتيجي «عالم عربي مضافًا إليه عالم إسلامي» من النواحي الجغرافية والاقتصادية والطاقات البشرية والسياسية والعسكرية.. عرفنا خصوصية قطرنا. أما التطبيقات المعاصرة للنموذج الإسلامي، فليست ملزمة لنا، لأنها خاصة بأصحابها، بوسعنا أن نأخذ منها ما نراه مناسبًا لمجتمعنا ومقتضيات واقعنا, ومن المعروف أن ضمن الديمقراطية الشرقية تمايزات وكذلك نموذج الديمقراطية الغربية إن تجارب التاريخ والماضي وتجارب الواقع هي خيارات يستأنس بها لا غير، أما المصادر الإسلامية الأولى للقرآن والسنة فهي أساس المنطلقات والتوجهات. هذا كلام عام يمكن تفصيله وإنضاجه في مؤتمر وطني جامع لا يستثني أحدًا، ويمكن أن يضع النقاط على الحروف ويهيئ الشروط والضمانات للتعايش والمواطنة والتضامن والانسجام والتفاهم.

فإذا كان خطاب الرئيس الجديد حول الخصوصية السورية يعني مثل هذه الجوانب فهذا صحيح.. أما الذهاب إلى أن الجبهة الوطنية التقدمية «نموذج» ديمقراطي تم تطويره من خلال تجربتنا الخاصة بنا، فإننا نختلف معه، كما نخالفه بأنها « أدت دورًا أساسيًا في حياتنا السيـاسـيـة وبالمناسبة نشير إلى إحدى المداخلات التي حصلت في لقاء وفد الجبهة الوطنية التقدمية مع النخبة السورية عام ۱۹۸۰م حين قال أحد المثقفين: « هذه الجبهة لم نسمع بها إلا مرتين المرة الأولى: بعد دخول القوات السورية إلى لبنان لكي تعلن الجبهة موافقتها على هذا الدخول والمرة الثانية: بعد مباحثات فض الاشتباك مع القوات الإسرائيلية عام ۱۹۷۳م وذلك لتعطي الجبهة أيضًا موافقتها على الاتفاقية التي حصلت»، أما آخر تقويم لهذه الجبهة فقد جاء على لسان زهير دياب في قناة الجزيرة يوم7 يوليو الماضي حين نقل إلى المشاهدين قوله لأحدمستشاري الرئيس الراحل: هذه الجبهة لا تصلح إلا لكي توضع في المتحف، فقال له المستشار: «هذه لا توضع في المتحف، لأن المتحف لا يوضع فيه إلا الأشياء الثمينة» وواقع الحال أقوى من هذه الأقوال.

 ومع اعترافنا بأهمية التنظير للديمقراطية وبضرورة مراعاة خصوصيتنا، ومع تحفظنا على نموذج الجبهة الوطنية التقدمية ودورها في الماضي مع العلم أن أحزابها الممثلة فيها تطالب اليوم بالتطوير والتحديث، نصل إلى الطرح الجديد ألا وهو «تطوير صيغة الجبهة بما يستجيب مع حاجات التطوير الذي يتطلبه واقعنا المتطور والمتنامي».

 هناك إجماع على التغيير - أو التطوير بين الأطراف الوطنية سواء في السلطة أو المعارضة ولكن ماذا يجب أن يتغير أو يتطور؟ 

من ناحية الأساس.. طرح الرئيس الجديد أهمية الأساس الفكري للديمقراطية: «قبول الرأي الآخر».

 ما ترجمة هذا الأساس في الواقع السوري؟ من المقصود بالرأي الآخر؟ إذا كان المقصود أطراف الجبهة الوطنية التقدمية جبهة السلطة، فهذا شيء وإذا كان المقصود كل آراء المواطنين، لاسيما آراء المعارضة مثل جبهة التحالف الوطني لإنقاذ سورية أو جبهة التجمع الوطني الديمقراطي وأمثالهما، فهذا شيء آخر وهو المطلوب. ثم هل تطوير الصيغة الحالية للجبهة يعني الإبقاء عليها مع تعديلات طفيفة مثل ضم بعض الأحزاب، أم إجراء تعديلات واسعة بحيث تجعلها مظلة لكل الجبهات والأحزاب؟ إن هذا الفهم الأخير مستبعد ولا يستقيم مع جوهر الفكر الديمقراطي ألا وهو قبول الرأي الآخر.

 وهكذا يتضح أن الدعوة إلى مؤتمر وطني يضم الأطراف والشرائح الوطنية جميعًا بلا استثناء من أجل وضع ميثاق شرف وطني هو الطموح والمخرج.

الرابط المختصر :