; سياحة القتل! | مجلة المجتمع

العنوان سياحة القتل!

الكاتب مصطفي فودة

تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2001

مشاهدات 50

نشر في العدد 1453

نشر في الصفحة 41

السبت 02-يونيو-2001

 «القتل الرحيم» قمة التناقض الذي يخترعه الإنسان ذلك الوحش الناعم المخادع ليبرر به تصرفاته المتوحشة التي ما نزلت رسالات السماء، إلا لتخرجه من ظلماتها إلى نور الإنسانية الحقة، وتجعل منه كائنًا جديرًا بخلافته لله في الأرض، ومستحقًا للجنة والخلود فيها في الآخرة.

      «القتل الرحيم» اختراع إنساني بحت؛ لأن كل الضواري لا تقتل إلا لتقيم أودها أو دفاعًا عن نفسها وصغارها، وهو أمر مشروع، وندر منها ما يقتل للقتل كالنمر، أما الأسود مثلًا فيستطيع أي كائن حي أن يمر على قيد خطوات منها دون أن تتعرض له؛ لأنها شبعانة، لكن الوحش الكامن في إهاب الإنسان يقتل إذا  حقد: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة المائدة: ٢٧) وقد قتل أحد أبناء آدم أخاه بالفعل حقدًا عليه، ويقتل إذا رغب في الأنثى، وكان هناك من يحول دونها أبًا أو ابنًا أو أخًا أو زوجًا أو أمًا، وصفحات الحوادث بالصحف أفضل شاهد على ذلك.

     ويقتل إذا طمع فيما في يد الغير، حتى ولو كان ميراثه الشرعي، وكم من قاتل قتل أخاه أو ابن أخيه طمعًا في ميراثه؟ ويقتل إذا كشف أحد عهره، أو ظن أنه سيكشفه، ويقتل ويقتل لأهون من هذا أو أعظم، وفي ظني أنه لو أن المناطقة عرفوا الإنسان بأنه حيوان قاتل للهين والعظيم لكانوا محقين إلى حد كبير.

     ويقال إن أول مغالطات الإنسان في القتل الرحيم كانت على يد الأوروبيين، وذلك بقتلهم للخيول إذا شاخت في خدمتهم، أو إذا انكسر أحد سيقانها لأمر أو آخر، أما الشرقيون وبخاصة العرب فلم يعرفوا سماجة قتل الخيول هذه؛ لأن اعتزازهم بها فاق كل تصور، وكان العرب بعامة لا يهنؤون إلا بأحد ثلاثة: ولد يولد، أو شاعر ينبغ، أو فرس تنتج، وما انتقلت عدوى قتل الخيول إلى بعض حكوماتهم إلا بعد استعمار الغرب لهم.

النظام النازي نفذ القتل الرحيم:

       وكما فكر الغربيون في قتل خيولهم فقد فكروا في قتل الإنسان، وكان أول من فكر في العصر الحديث في تنفيذ هذه الفكرة الشيطانية هو النظام النازي ممثلًا في هتلر؛ بهدف تنقية الجنس الآري من حملة الأمراض الوراثية بعد أن تقدم العلم وكشف -أيامها- عن انتقال بعض الأمراض بالوراثة، وزاد النظام النازي بأن أضاف إلى هؤلاء المبتلين من شاخوا من البشر، وصاروا في حاجة إلى معونة ذويهم أو مواطنيهم في أمورهم المعيشية، وأضاف إليهم أيضًا ممن ابتلوا بأمراض مزمنة ميئوس من شفائها كالشلل والعمى مثلًا، وكأن أرقى مخلوقات الله طرأ مجرد آلة يجب أن «تخرد» إذا أصابها عطب شديد يمنعها من موالاة الإنتاج، أو انتهى عمرها الافتراضي من وجهة نظر البشر طبعًا، وقد ناضل أيامها بعض ذوي الميول الإنسانية القوية من الألمان ضد هذه الفكرة حتى استطاعوا أن يقنعوا النظام النازي بالاكتفاء بتعقيم حملة الأمراض الوراثية ماداموا أصحاء؛ حتى لا يتأثر الإنتاج الألماني ولو بنسبة ضئيلة إذا قتلوهم، لكنهم ما استطاعوا أن يكفوا يد النظام عن قتل الشيوخ وإن مارس ذلك بسرية بالغة.

عقوق الوالدين فجر المأساة:

     أطلت مأساة القتل الرحيم البشعة في أيامنا هذه بوجهها الإبليسي من مجتمع غربي التكوين وإن كان جنوبي الإقامة؛ لأنها خرجت على عالمنا اليوم من أستراليا حينما نشرت إحدى صحفها إعلانًا لامرأة فانية نيفت على التسعين عامًا تطلب فيه من طبيب أو حتى مجرم أن يخلصها بقتلها من متاعب شيخوختها التي لم تجد فيها من يأخذ بيدها في ضرورياتها الحياتية، بعد أن هجرها أولادها وأحفادها ونسيها ذووها؛ لأن عقوق الوالدين وقطع الصلة بذوي الأرحام من سمات المجتمعات الغربية، ولا تجد في ذلك أدنى غضاضة.

     وقد تلقفت وسائل الإعلام في أستراليا إعلان تلك العجوز وتناقلته عنها باقي وسائل الإعلام في الدول الغربية، وأدارت حوله المناقشات، ودبجت فيه المقالات بين مؤيد ومعارض، إلى أن انتهت الضجة الإعلامية بإباحة القتل الرحيم في إحدى مقاطعات أستراليا وإحدى الولايات المتحدة، إلا أن الحكومة الفيدرالية في كل من هذه وتلك ألغت هذه الإباحة.

جنة المنتحرين والمساطيل:

      غير أن هولندا تلقفت هذه الدعوة وأباحتها تشريعيًا، لا من أجل سواد عيون الرحمة والشفقة باليائسين من حياتهم، وإنما من أجل ترويج سياحة الانتحار؛ إذ من المعروف أن هناك ثلاثة أرباع المليون منتحر بين البشر سنويًا، وجلهم -إن لم يكن كلهم- يريد انتحارًا ناعمًا بلا ألم، فشاءت الحكومة الهولندية أن تجعل بلادها جنة للمنتحرين، وتكسب من خلفهم ملايين الدولارات تدخل جيوب أصحاب الفنادق والأطباء والحانوتية وحفاري القبور. 

     وليس هذا بمستغرب على هولندا؛ لأنها جعلت من نفسها من قبل جنة مدمني المخدرات (المساطيل) إذ أباحث الاتجار، وتعاطي المخدرات الخفيفة وصفة (الخفيفة) هذه ليست إلا ذرًا للرماد في العيون؛ لأن المدمن لا يشبع من الكيف إلا إذا نال منه كفايته. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 32

71

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

بين الآباء والأبناء

نشر في العدد 335

47

الثلاثاء 01-فبراير-1977

من شذرات القلم .. (العدد 335)