; سياحة القلب المؤمن في رحاب القرآن (الحلقة العاشرة) | مجلة المجتمع

العنوان سياحة القلب المؤمن في رحاب القرآن (الحلقة العاشرة)

الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1978

مشاهدات 98

نشر في العدد 395

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 18-أبريل-1978

الفاتحة توحيد وشريعة وسلوك

نحمد الله تعالى على نعمائه، ونصلي ونسلم على خاتم رسله وأنبيائه، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.. وبعد:

فمرحبًا بك -أيها القارئ الكريم- في رحاب القرآن العظيم.. لنقدم لك في سلسلة حديثنا عن «الفاتحة توحيد وشريعة وسلوك» ختام نظراتنا حول هذه السورة الكريمة، فنقول مستمدين من الله تعالى العون والتوفيق:

أثر الفاتحة في حياة المؤمن

كل من ذاق طعم البلاغة العربية عرف أن القرآن هو أبلغ الكلام وأفصحه لا يكابر في ذلك مكابر ولا يجادل فيه مجادل -مسلمًا كان أو كافرًا- وأن الفاتحة بلغت من الفصاحة والبلاغة حدًّا تخر له جباه الفصاحة والبلاغة، وجمعت من المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ما يثير العجب العجاب واشتملت على مهمات الدين من صفات الله تعالى التي تجذب قلب من تدبرها إلى حبه، وتُنطق لسانه بشكره وحمده، وتُعلي همته بتوحيده، وتُهذّب نفسه بمعاني أسمائه وصفاته وإحاطة ربوبيته وملكه، وتذكره يوم الدين الذي يجزى فيه على عمله، وتوجه وجهه إلى السير على الصراط المستقيم في خاصة نفسه، وفي معاملة الله ومعاملة خلقه، وتذكره بالقدوة الصالحة في ذلك بإضافة الصراط الذي يتحرى الاستقامة عليه ويسأل الله أن يوفقه إليه إلى من أسبغ الله عليهم نعمه ومنحهم رضوانه، وجعلهم هداة خلقه بأقوالهم المرضية وأفعالهم الحسنة وقدوتهم الطيبة بكمال آدابهم وحسن أخلاقهم من النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين، وتحذره من شرار الخلق الذين يؤثرون الباطل على الحق، ويفضلون الشر على الخير على علم منهم بذلك وهم المغضوب عليهم، أو على جهل به كالذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وهم الضالون..

وهذا التحذير يتضمن حث المسلم المتعبد بتلاوة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة على العناية الكاملة بتكميل نفسه وإلزامها بتحري الحق وعمل الخير وتربية النفس والتمرن على العمل الصالح في كل ميدان من ميادين الحياة طبقًا لأصول عقيدته وقواعد دينه..

ما الحكمة في إيثار ذكر الربوبية والرحمة في سورة الفاتحة على سائر صفات الله تعالى؟ 

لله تعالى أسماء كثيرة وصفات متعددة؛ فهو سبحانه «الحي وهو القيوم وهو الجبار وهو الرحمن الرحيم»... إلى آخر ما سمّی به نفسه تبارك وتعالى. والسؤال الذي يرد على الخاطر هو: ما هي الحكمة في إيثار وصف الله تعالى بالربوبية والرحمة في أوائل الفاتحة على سائر صفاته تبارك وتعالى؟..

والجواب أن صفة الربوبية والرحمة هما الصفتان الدالتان على أن الله تعالى هو المالك المدبر لأمور العالم كلها وعلى أن رحمته تعالى تغلب غضبه، وأن إحسانه الذي هو أثر رحمته يغلب انتقامه، والانتقام في اللغة معناه: الجزاء على السيئات، فإن كان جزاء على السيئة بمثلها فهو حق وعدل، وإن كان جزاء على السيئة بأكثر منها فهو باطل وجور، والله تبارك وتعالى منزه عن الباطل والجور، ولا يظلم ربك أحدًا بل يتجاوز سبحانه عن كثير من السيئات ويضاعف جزاء الحسنات ﴿هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (الشورى: 25)، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 40)، ﴿َمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 160)، ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. (البقرة: 261). فمن شأن الرب المالك للعباد المدبر لأمورهم، المربي لهم أن يجازي كل عامل بعمله وينتقم للمظلوم من ظالمه، والجزاء العادل مخيف لأكثر الناس بل مخيف لجميع الناس، فإنه ما من أحد إلا يقصر فيما يجب عليه لربه ولنفسه ولأهله وولده فكيف بمن دونهم حقًا عليه ومكانة عنده؟ لذلك كان الجزاء العادل مخيفًا لجميع الناس وحق لهم أن يخافوا فإن الله تعالى لو جازى عباده بالعدل لهلك الجميع. من أجل ذلك قرن سبحانه -في سورة الفاتحة- صفة الربوبية بصفة الرحمة وعبّر عنها باسمين لا باسم واحد: اسم الرحمن الدال على منتهى الكمال في اتصافه بها، واسم الرحيم الذي يتعلق تعلقًا تنجيزيًا -إن الله كان بكم رحيمًا- وكان بالمؤمنين رحيمًا - ومن هنا لا يغلب الخوف على الرجاء في قلب عباد الرحمن، بل هم يخشون عذابه لأنه رب العالمين ويرجون رحمته لأنه الرحمن الرحيم، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى أرحم بعباده من الأم بولدها..

سعادة المرء في العقيدة والعمل معًا

مما لا شك فيه أن سعادة المرء في آخرته ودنياه رهن بأمرين، وهما - العقيدة الصحيحة، والعمل من منطلق هذه -العقيدة- ولن تتحقق السعادة للأمم ولا للأفراد بواحد منهما بل لا بد منهما كليهما.

فبالأمر الأول: -العقيدة الصحيحة- يدرك الحق ويعتقده ويغذي به عقله وقلبه.

وبالأمر الثاني: -العمل من منطلق العقيدة الصحيحة- يسلك لصراط المستقيم الذي يسلكه في مختلف القرون وفد الله المفلحون ففازوا بسعادتي الدنيا والآخرة..

ونحن إذا أعدنا النظر في فاتحة الكتاب وجدناها قد استوعبت الأمرين كليهما - العقيدة الصحيحة والعمل من منطلق هذه العقيدة-.. ففي نصفها الأول بينت لنا الحقيقة التي هي أساس هذا الوجود وأصل السعادة المطلقة بتقرير ربوبية الله الشاملة للعالمين ورحمانيته ورحمته التي وسعت كل شيء، وتفرده سبحانه بالملك والسلطان يوم الدين والجزاء، وهذا هو أصل العقيدة الصحيحة التي يتجه المؤمن من منطلقها إلى ربه وحده في صلاته ونسكه ومحياه ومماته وقوله وعمله ويقينه..

وفي نصفها الأخير رسمت لنا الخطة العملية والمنهج الكامل في الحياة، سواء في العبادات أو في السلوك أو في المعاملات؛ فالعبادة لله وحده والاستعانة بالله وحده، والهداية من الله وحده، وبالتزام الصراط المستقيم -وهو كتاب الله وسنة رسوله- والبعد عن طريق الخارجين على منهج الله ورسوله، إما جحودًا أو استكبارًا وإما جهلًا وضلالًا. وهكذا يتضح لك أيها القارئ الكريم أن سورة الفاتحة التي لا تتجاوز سبع آيات قصار قد تكفلت ببيان أصل العقيدة والمنهج العملي الكامل للسير في الحياة الدنيا إلى الحياة الأبدية الخالدة وهما لا شك أساس سعادة - الأفراد – والأمم في الدنيا والآخرة..

الفاتحة حجة الله على عباده

إن المتتبع للقرآن جميعه، الواقف على أهدافه ومقاصده يرى أنه جاء مُفصّلًا لما أجملته الفاتحة من بيان العقيدة الصحيحة، وكانت السورة الوحيدة التي فُرضت قراءتها كل يوم سبع عشرة مرة -وهي عدد ركعات الصلوات الخمس اليومية- وقد يسّرها الله تعالى على كل لسان عربي وغير عربي؛ فهي في الإسلام بمثابة مجمع أشعة تضيء للسالكين طريق الله المستقيم وصراطه القويم، وتحذرهم في كل حين من طريق المغضوب عليهم وطريق الحيارى الضالين حتى لا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة حين يسألهم: لِمَ تركتم صراطي المستقيم واتبعتم السبل التي تفرقت بكم عن سبيلي؟..

فضل الفاتحة

من أجل ذلك تسنمت سورة الفاتحة بين سور القرآن كلها ذروة الفضل والكمال، وحسبنا في بيان مدى فضلها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صليت وأتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟. قال: قلت یا رسول الله إني كنت أصلي قال: ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24).

ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد. قال: ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ فقال نعم: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته. رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه.. قال القرطبي: سميت الفاتحة القرآن العظيم لتضمنها جميع علوم القرآن. وكذلك ما رواه أحمد في مسنده والبهيقي في الشعب وذكره السيوطي في الدر المنثور عن عبد الله بن جابر رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبرك بأخْيَر سورة نزلت في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: فاتحة الكتاب. وقال: فيها شفاء من كل داء. وكذلك روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله أنه لا إله إلا هو، وقل اللهم مالك الملك، هذه الآيات معلقات بالعرش ليس بينهن وبين الله حجاب. أسنده أبو عمرو الداني في كتابه البيان ونقله القرطبي عنه..

وكذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأُبي بن كعب: أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها؟.. قال أُبي: ثم أخذ بيدي يحدثني وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث، ولما سأله عن السورة قال: كيف تقرأ في الصلاة؟. فقرأت عليه أم الكتاب. فقال: إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته. وقد علم من حديث أبي هريرة هذا أن المقصود بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه سورة الفاتحة تعليمهم ما فيها من الفضيلة على غيرها وكونها هي المرادة بقول الله تعالى في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (الحجر: 87) ، ومعنى كونها مثاني أنها تثنى وتعاد في كل ركعة من الصلوات لفرضيتها فيها. هذا وقد ورد في فضلها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله: أثنى عليّ عبدي. فإذا قال العبد: مالك يوم الدين. قال الله: مجدني عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فاذا قال العبد: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل..

وصية

وصيتي لنفسي ولكل قارئ للفاتحة وقارئة في الصلاة أو في غيرها أن يورد على ذهنه وقلبه هذا الحديث الأخير الذي سمعه أبو هريرة رضي الله عنه من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم يرويه عن رب العزة والجلال، فإن ذلك أدعى إلى الفهم وحسن التدبر وكمال الخشوع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبر وخشوع.

هذا وقد كان العزم على أن تكون هذه الحلقة هي مسك الختام في سلسلة حديثنا عن الفاتحة توحيد وشريعة وسلوك، ولكن بدا لي أن يكون ختام حديثنا في هذه السلسلة المباركة في الحلقة القادمة إن شاء الله.. والله الموفق والمستعان...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 391

103

الثلاثاء 21-مارس-1978

قتال أهل الردة

نشر في العدد 1427

81

الثلاثاء 21-نوفمبر-2000

استراحة المجتمع (عدد 1427)