; سياحة روحية | مجلة المجتمع

العنوان سياحة روحية

الكاتب علي بن عمر بادحدح

تاريخ النشر الأربعاء 01-يناير-2014

مشاهدات 63

نشر في العدد 2067

نشر في الصفحة 45

الأربعاء 01-يناير-2014

في عصر تزيّنت فيه الشهوات وتنوعت الشبهات، وتزايدت المغريات وكثرت الملهيات، يبحث المسلم عن لذة الروح، وخشوع القلب، ودموع العين، فلا يجد من ذلك إلا القليل. فاين قوت القلوب وغذاء الأرواح؟ وأين لذة العبادة وحلاوة الطاعة؟ وأين ترطيب الألسنة بالأذكار؟ وأين الاستغفار بالأسحار؟

أين صفاء النفوس والسرائر؟ أين جلاء القلوب والبصائر؟ ومن بعد أين حسن الأقوال وصلاح الأعمال وصدق الأحوال؟

إنه لا بد من استشعار الخطر، ومعرفة الأثر فإن داء القلوب أشد فتكاً وأعظم ضرراً، وإن هزال الأرواح وكدر النفوس بلية البلايا ورزية الرزايا وصدق من قال: «من فقد الله فماذا وجد؟ ومن وجد الله فماذا فقد؟ ولله در ابن القيم وهو يصف هذه الحال بقوله: «ومن أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته» (الفوائد، ص ٦١).

كلما عرض عارض صحي التمس الناس له الشفاء، وبحثوا عن الدواء، والتزموا الحمية، وصبروا على العلاج، ومع ذلك فإنهم عن داء قلوبهم وسلامتها غافلون، يقول ابن القيم: «والقلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرأة وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسد وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة»

(الفوائد، ص ۱۲۹).

فأين المؤمنون من علاج أدواء قلوبهم وجلائها وزينتها وحُسن كسائها؟

إن الحكام العادلين والعلماء العاملين والدعاة المصلحين والقادة الفاتحين كانوا أهل قلوب وأرواح من المحراب انطلقوا وبالسجود والذل لله ارتفعوا وبزاد الإيمان وألتقى انتفعوا، وبصدق التوكل واليقين انتصروا، وبكمال الإخلاص والتجرد اشتهروا.

وصدق الله القائل: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: 37).

أخي الداعية، يا من تتصدر المجالس وترتقي المنابر وتتصدى للوعظ والإرشاد وتقصد هداية العباد، ينبغي أن تكون أحيا الناس قلباً، وأصفاهم نفساً، وأخلصهم قصداً، وأسرعهم عبرة، وأكثرهم خشية، وأصدقهم توكلا، فهل ذلك حقا هو ما تتصف به؟ ألا تعترف بأن الحال ليس كما ينبغي وأن من الدعاة من ألسنتهم لاغية، وقلوبهم لاهية وعيونهم جامدة، أفلست بحاجة ماسة إلى مكاشفة صريحة، ومراجعة دائمة؟

خذ هذا الوصف من سيد من سادات الدعاة والعلماء الحسن البصري يقول في وصف الصفوة: «حسنت ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تبارك وتعالى واستقادتهم للحق فيما أحبوا أو كرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم، واستخفوا بسخط المخلوقين لرضا الخالق، شغلوا الألسن بالذكر، وبذلوا أنفسهم لله حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم» (رسائل مبكية، ص ۱۳۷).

وأزيدك من كلامه مزيداً من الصفات حيث يقول: «قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة حوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصاراً لعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا وأما النهار فحلماء علماء، بررة أتقياء، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، ولكن خالطهم من ذكر الله أمر عظيم».

أين نحن معاشر الدعاة من هذه الصفات، وتلك المقامات، وفئة قد استكثرت من المباحات وشغلت بالأبناء والزوجات، وألفت الكسل، وعافت العمل حتى ركنت لذلك النفوس، وقنعت به الهموم، وتلك نتيجة حتمية لمن ترك تزكية النفس بالطاعات وطهارة القلب بالقربات إن في النفوس ركوناً إلى اللذيذ والهين، ونفوراً عن المكروه والشاق، فأرفع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق، ورضها وسسها على المكروه الأحسن، حتى تألف جلائل الأمور وتطمح لمعاليها، وحتى تنفر عن كل دنية وتربأ  عن كل صغيرة علمها التحليق تكره الإسفاف، عرفها العز تنفر من الذل، أذقها اللذات الروحية العظيمة تحقر اللذات الحسية الصغيرة (الرقائق، ص ٥١). 

وهذه وصية جامعة للدعاة: «لعل أطيب أوقات المناجاة أن تخلو بربك والناس نيام والخليون هجع، وقد سكن الليل كله وأرخى سدوله وغابت نجومه فتستحضر قلبك، وتتذكر ربك، وتتمثل ضعفك وعظمة مولاك، فتأنس بحضرته، فيطمئن قلبك بذكره، وتفرح بفضله ورحمته، وتبكي من خشيته وتشعر بمراقبته، وتلح في الدعاء، وتجتهد في الاستغفار، وتفضي بحوائجك إلى من لا يعجزه شيء، ولا يشغله شيء عن شيء، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وتسأله لدنياك وآخرتك، وجهادك ودعوتك وآمالك وأمانيك ووطنك وعشيرتك، ونفسك وإخوتك وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم» (مجموعة الرسائل، ص ٥٠٥).


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1885

60

السبت 16-يناير-2010

مساحة حرة (العدد 1885)

نشر في العدد 806

68

الثلاثاء 24-فبراير-1987

أدب