العنوان سياحة في معاني الحب
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2008
مشاهدات 57
نشر في العدد 1805
نشر في الصفحة 59
السبت 07-يونيو-2008
من الحياة :
لا يستطيع إنسان
ذو مشاعر أن يعيش دون حب، ولا تستطيع مؤسسة أن تنجح بغير حب بل لا يسعد أي مجتمع ولا يذوق
للسعادة طعمًا وهو يفتقد إلى الحب.
فلحظات الحب هي
أجمل لحظات حياتنا، بل يعيش الإنسان سعادته لمجرد أن يتذكر لحظات الحب، وهنالك
يكون الحب هو شريان السعادة الذي لا ينضب أبدا، بل يظل صاحبه يروي المحبين حتى بعد
أن يفارقهم ويفارق الحياة!
عظيم ذلك القلب
الذي تترعرع فيه شجرة الحب، فيغذيها بحنانه، ويرويها بلطفه ويرعاها برقته، ويلفظ
ما ينبت حولها من زلات الأحبة وأخطائهم...
وإذا الصديق قسى عليك بجهله
فاغفر لأجل الود ليس لأجله
عن الحب
يتساءلون
وصلت إلى رسائل
كثيرة عبر البريد الإلكتروني، بعضها أرسلها رجال وشباب، وبعضها جاءتني من نساء
وفتيات، والجميع يشكو من فقدان الحب، وهم فيما بينهم لا يتفقون على معنى واحد للحب
كل ينظر إلى الحب من منظوره هو، وكلمة حب تعني للبعض ما لا تعنيه لدى غيرهم..
وكثير منهم طلب توضيحًا وتبيانًا لمعنى الحب.
كثير من الناس
شوهوا الحب، وضيعوا معناه الحقيقي، أفسدوا نكهته، انحدروا به من عليائه ومرتقاه،
اختزلوه في كلمات جوفاء ربما لا يلقي قائلها لها بالاً، وربما تهوي به في نار جهنم
أبعد مما بين المشرق والمغرب، كما أوضح رسولنا الكريم ﷺ في قوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في
النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». (أخرجه العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (3/202)
مطولاً)
كوارث الحب
وباسم الحب تحدث
كوارث.. إحدى الفتيات تربت في أسرة ملتزمة كانت تدخل منتدى إسلاميًا للحوار، وهناك
التقت في حوارها مع متعلم يشرف على هذا المنتدى، وراح يتفنن بأسلوبه في غوايتها
وفتنتها، وللأسف كانت وسيلته إظهار العلم الشرعي واللباقة، وخلط ذلك بأسلوب تمثيلي
خادع، أظهر فيه للفتاة أنه الرجل الحنون، ذو القلب الودود، فأرسلت الفتاة تستشيرني في أمرها، وكيف تقنع أسرتها كي
يوافقوا على زواجها منه!
إن الحب الراقي الحقيقي لا تعرفه إلا القلوب التي سمت وارتقت فوق شهوات
الجسد ... وبقدر ما تسمو قلوبنا وأرواحنا بقدر ما نرتقي بمشاعرنا وأحاسيسنا، ولقد
علمنا القرآن الكريم أنماطا حقيقية من الحب، وفيما يلي محاولة لالتقاط بعض صور هذا
الحب ومعانيه عن القرآن الكريم والسنة المطهرة.
أولًا:
حب العباد لخالقهم: قال تعالى: ﴿قُلْ
إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران:۳۱)، وقال أيضًا، ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي
اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: ٥٤).
ثانيًا:
حب الإيمان: وفيه يقول
سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات:۷).
ثالثا:
حب المغفرة، ففي ترغيب
العباد في نيل غفرانه سبحانه قال U: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ
اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور:٢٢).
رابعًا:
حب النصر: وذلك في ترغيب الحق سبحانه لعباده في
الجهاد في سبيله قال تعالى: ﴿وَأُخْرَىٰ
تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف:١٣).
خامسًا: حب الله تعالى لفئات من خلقه:
•
للمحسنين: ﴿وَأَحْسِنُوا
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:١٩٥)،
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران:١٣٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة:٢٢٢).
•
للمتقين: ﴿فَإِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران:٧٦).
• للصابرين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:١٤٦).
• للمتوكلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:٥٩).
•
للمقسطين: ﴿إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة:٤٢).
سادسًا:
حب الإخوة: فعن حب الأنصار للمهاجرين قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن
قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ
حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:٩).
سابعًا:
حب الوالد لولده وهو حب العطف
والشفقة، قال تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿إِذْ
قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف:٨).
ثامنًا:
حب الولد لوالده: وهو المذكور في
قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»
(أخرجه
البخاري (15) باختلاف يسير)، وهو حب
التوقير والاحترام.
أعود بك عزيزي
القارئ إلى حيث بدأت شكوى البشر من ندرة الحب وغيابه.. كثير من الفتيات الآن يهربن
من الزواج ويتمنعن، لأنهن لم يشاهدن الحب بين زوجين. وثمة أولاد آخرون لا يرون
العلاقة الحميمية بين آبائهم وأمهاتهم.
إن الحب الحقيقي
ليس كلمات تنطق دون إحساس، ولا تعبيرات تخرج جوفاء من جهاز النطق، إنما الحب رحمة
ومودة، وعاطفة وإحساس إنه معنى جميل يسكن القلب.. إنه في نظر المحبين نقاء وصفاء،
وللمرضى شفاء ودواء.. إنه كيان يحيا به الإنسان، ويعيش عليه ويموت قد يعطش الحب
فنسقيه، وقد يضعف فنقويه وقد تمرض فنداويه..
إن الحب الراقي كوردة الربيع، لا تقصفها رياح الشتاء ولا صقيعة المهلك، ولا تحرمها حرارة الصيف وقيظه.. إنه -أي الحب الراقي- قمر يتلألأ نوره فيضيء المكان، ويبدد الظلام.. إنه شمس تبعث دفنا يشعر به كلا الحبيبين ويأنس.. الحب الراقي ينبع من قلب صاف صادق.. إنه الإحساس الجميل الذي يلازمك في جميع أحوالك.. أن تشعر بأن هناك من يحبك ويريدك أن تحس بسريانه في وجدانك وأوعيتك وعروقك.. يحبك وأنت تحبه، أن تشعر بأن رسولك ﷺ يحبك وأنت تحبه أن تشعر بأن هناك من البشر من تحبهم ويحبونك، وقد يكون هذا الحب هو حبك لعقيدتك، أو حبك لأمك، أو لزوجتك، ولأختك ولابنتك.. وقد يكون هذا الحب هو حبك لأسرتك، أو لمؤسستك، أو لفكرتك.. وقد يكون حبك لهؤلاء جميعا، وتلك نعمة الحب وعظمته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل