; سياسة التجويع ومعركة.. البطاقات الممغنطة | مجلة المجتمع

العنوان سياسة التجويع ومعركة.. البطاقات الممغنطة

الكاتب ناصر ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1989

مشاهدات 67

نشر في العدد 931

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 05-سبتمبر-1989

سياسة التجويع ومعركة.. البطاقات الممغنطة

يخوض المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة المحتل معركة جديدة من نوعها مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي.. إنها معركة لقمة العيش.. لقمة الصمود والتصدي.. معركة البطاقات الممغنطة، فبعد أن لجأت الصهيونية إلى مختلف الأساليب الوحشية من قتل واعتقال وتهشيم وإبعاد وتدمير، في محاولات يائسة لقمع الانتفاضة المباركة المشتعلة في الأراضي المحتلة منذ سنتين، تأتي اليوم لتمارس ضغطًا جديدًا على السكان من خلال تجويعهم ومحاربتهم في لقمة عيشهم، فلجأت إلى الحصار ومنع التجول أيامًا طويلة على بعض المناطق مما أدى إلى نفاذ المؤن الغذائية، وفرض الضرائب والغرامات المالية ورفع أسعار المواد الغذائية بصورة خيالية، خاصة بعد انخفاض سعر الدينار الأردني مقابل ارتفاع الشيكل الإسرائيلي، بالإضافة إلى مداهمة أسواق الخضار واقتحام القرى الفلسطينية لجرف المزروعات وقلع أشجار الزيتون والحمضيات ومصادرة قطعان الأغنام.. وأخيرًا وليس آخرًا فرض البطاقات الممغنطة.

ماذا وراء هذه البطاقات؟

قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإصدار هذه البطاقات قبل شهرين تقريبًا، وفرضتها على سكان قطاع غزة.. وهي عبارة عن بطاقات ممغنطة ذات لون أزرق أو أخضر «تشبه بطاقة السحب الآلي» يتعين على كل فلسطيني من قطاع غزة حملها أثناء عبوره من غزة إلى فلسطين المحتلة عام 1948 للعمل في مؤسسات إسرائيلية أو لأي سبب آخر.. وتعرض هذه البطاقات على الجنود عند نقاط التفتيش قبل دخول أماكن العمل، لعرضها على أجهزة الكمبيوتر خاصة للتدقيق من وضع أصحاب هذه البطاقات، فإذا تبين أن حامل البطاقة مشبوه (مشارك في الانتفاضة) يمنع من الدخول وبالتالي يحرم من العمل وكسب الرزق.

ويشكل العمل في المؤسسات الإسرائيلية مصدر دخل أساسيًا لعدد كبير من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والظروف السياسية المحيطة.. العديد من الآباء في فلسطين لا يجدون من العمل ما يكفيهم قوت أبنائهم.. آلاف الشباب من خريجي الجامعات والمعاهد العليا عاطلون عن العمل ولا مجال أمامهم سوى اللجوء كعمال لمصانع ومؤسسات إسرائيلية، يمارسون أعمالًا مضنية ساعات طويلة من النهار أو الليل مقابل شواكل معدودة في غياب المؤسسات الوطنية، وإن وجدت هذه المؤسسات فهي لا تكفي لاستيعاب هذه الأعداد.

وقد أراد اليهود أن يجعلوا من العمل في مؤسساتهم امتيازًا يمكنهم بواسطته الضغط على السكان لإخضاعهم تحت سيطرتهم، فقال الجنرال سيغمان: «يجب إفهام الفلسطينيين أن العمل في إسرائيل يظل بالنسبة لهم امتيازًا»!

فأرادوا من وراء ذلك السيطرة على آلاف العمال الغزاويين الذين يعملون في مؤسساتهم بضبط تحركاتهم وضمان عدم مشاركتهم في الانتفاضة، كذلك أرادوا التضييق على السكان لجمع الضرائب غير المدفوعة منذ بداية الانتفاضة، حيث لا يستطيع أي مواطن عربي يرغب في العمل الحصول على مثل هذه البطاقة ما لم يظهر في سجله الشخصي المسجل على جهاز الكمبيوتر أنه خال من الضرائب والديون.

ولكن لماذا أهالي القطاع بالذات؟

زعم قادة العدو أنهم أرادوا من هذا الإجراء منع العمليات الفدائية التي أخذت تظهر منذ بداية الانتفاضة في المناطق المحتلة عام 48، وأنهم يخشون أن تجتاز الانتفاضة الخط الأخضر وتزداد الأحداث خطورة!

ولكن هناك ما هو أبعد من ذلك وأخطر، فقد اعتقد اليهود أنه في حالة رفض عمال غزة لهذه البطاقات وإضرابهم عن العمل، تبقى أماكنهم شاغرة وبالتالي يمكن لعمال الضفة الغربية أخذ أماكن عمال غزة في المؤسسات الإسرائيلية مما يؤدي إلى شق الصف الفلسطيني.

مؤامرة لن تمر

وكان الشعب أوعى من أن تمر عليه مثل هذه المؤامرات، وكعادته فقد فوت هذه الفرصة على العدو عندما التزم آلاف العمال من الضفة الغربية وقطاع غزة بمقاطعة العمل في إسرائيل احتجاجًا على هذه البطاقات واستجابة لنداء الانتفاضة.

وأعلنوا أن «أحدًا لن يحصل على بطاقة حتى لو اضطررنا للعيش فترة طويلة دون عمل أو غذاء» فهم موقنون أن الكفاح يتطلب الصبر على المعاناة حتى تحقيق النصر أو الشهادة.

وقام المناضلون من القوى المؤثرة في الانتفاضة بجمع هذه البطاقات وإتلافها، على الرغم من لجوء السلطات إلى إقامة الكمائن والعنف لفرضها على العمال، ولم يغادر قطاع غزة سوى عشر سيارات عربية فقط، وتغادر في العادة حوالي ألفي سيارة من القطاع يوميًا للعمل في فلسطين المحتلة عام 48.

شعب صابر

شعبنا الفلسطيني مازال صامدًا في انتفاضته المباركة.. مؤمنًا بأهدافه ومضحيًا من أجلها بالدماء والأرواح والأموال.. متحديًا بذلك كل وسائل البطش والتجويع.

ولكن!

هل يتمكن هذا الشعب من الاستمرار في الانتفاضة وتصعيدها حتى خروج آخر جندي إسرائيلي من فلسطين، بعد أن انخفضت نسبة دخلة أكثر من 40% منذ بدء الانتفاضة، وبعد أن فقد (800) شهيد من مناضليه، وحرم أكثر من (60,000) جريح و(40,000) معتقل من المشاركة في فعاليات الانتفاضة؟

- وما دور الذين يعيشون خارج الأرض المحتلة ويطالبون من مواقعهم الآمنة باستمرار الانتفاضة؟

- ما دور الجماهير العربية والإسلامية في ظل غياب الدعم الرسمي؟

- ماذا تراه يكون مصير جيل الحجارة لو استمررنا في التخلي عنهم وتركناهم فريسة للامتيازات الإسرائيلية؟

عامان مضيا على انتفاضة شعب قدم خلالهما الغالي والرخيص من أجل فلسطين، وهاهم يقبلون على عام ثالث من النضال.. فهل نعطي الانتفاضة حقها في عامها الثالث؟

الرابط المختصر :