; سياسة مبارك الداخلية هل هي مرحلية مصلحية؟ | مجلة المجتمع

العنوان سياسة مبارك الداخلية هل هي مرحلية مصلحية؟

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1982

مشاهدات 91

نشر في العدد 564

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 23-مارس-1982

ليس من السهل على المراقب لشرائح السياسة الداخلية في مصر أن يقيم موقفًا ما لسياسة الرئيس حسني مبارك اعتمادًا على بعض تصريحاته أو تصريحات غيره من مسؤولي الحكم المصري؛ فسياسة المجتمع في داخل أي قطر من أقطار العالم الثالث ترتبط أساسًا بأولويات يعتمدها الحاكم وعلى رأسها:

  1. التوجه السياسي الخارجي وعلائق الدولة بالأقطاب الدولية المؤثرة في سياسة القطر الخارجية بما في ذلك الولاء الخارجي للحاكم.

  2. القاعدة الشعبية التي يعتمد عليها الحاكم داخل قطره مَحسوبة بحاسب الموازنة الشعبية التالية: «من مع من؟ ومن ضد من؟..»

  3. حجم المعارضة وديناميتها الحركية ودرجة الوعي السياسي لدى زعمائها.

ونحن في تقييمنا للسياسة الداخلية لمصر «مبارك» لا نملك أن ننفك عن تلك الأولويات المؤثرة في التوجه السياسي لمبارك داخل الشارع السياسي في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من مُدُن وريف مصر، ولعلنا من خلال نظرة عجلى إزاء أية موازنة داخلية بين مبارك والسادات نستطيع مع الأستاذ عمر التلمساني أن نُقرر ملحظًا عموميًا لا يرتقي إلى صوغ السياسة الجديدة للحكم الجديد داخل مصر... فنقول: «حسني مبارك بدأ بداية طيبة، فقد غَيَّر كثيرًا من الإجراءات التي نفذها السادات فأفرج عن كثير من المساجين وكأنه أراد أن يجمع الأحزاب ويجمع الاتجاهات السياسية حوله في صف واحد».

  • نحو موازنة داخلية جديدة:

وتهدف موازنة مبارك السياسية الداخلية كما هو واضح إلى جمع الاتجاهات السياسية حوله مع ترتيب جديد يصوغ المواقع الحِزبية والشعبية المصرية بشكل متوازن تكون الحكومة في موقع «القطب» ممثلة بيضة القبان في الشارع السياسي المصري... لتضمن الموازنة بهذه الصياغة عدم تأرجح مبارك وحكومته إزاء أية هزة تعصف على الحكم في مصر.

  • أما وقائع صياغة هذه الموازنة فنجدها في:

  1. إخلاء سبيل أقطاب المعارضة المصرية من السجون والالتقاء بها في شكل من أشكال الود ذي الرداء الوطني.

  2. اللمز بسياسة السادات التي استخدمت العصا الغليظة لقمع المعارضة المُتنامية.

  3. فتح الملف الاقتصادي والاجتماعي للحكم السابق وترك الحبل على غاربه أمام رغبات المنتقدين لزمن السادات.

  4. مغازلة الأسماء اللامعة في أحزاب المعارضة والتجمعات السياسية المختلفة في محاولة لجذبها إلى مشاركة مبارك فيما أسمته الأهرام «وحدة مصر»

  5. إعلان الرغبة في تغيير مواقع بعض مراكز القوى ضمن الحزب الحاكم لتحميل هؤلاء وِزر الماضي وتجميل وجه الحكم الجديد بوجوه جديدة.

  6. إبطال بنود قرار السادات بسحب تراخيص الصحف والمجلات المعارضة على لسان محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة المصري حيث ألغى مجلس الدولة قرار سحب ترخيص إصدار مجلة الدعوة ومجلة الاعتصام الإسلاميتين فضلًا عن مجلة الموقف العربي وصحيفة الشعب الناطقة بلسان حزب العمل الاشتراكي.

كل هذا من بعض وقائع صياغة الموازنة الجديدة التي وضعتها وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية بأنها أدعى للحفاظ على الوحدة الوطنية.

  • هل هي سياسة مرحلية؟

يذهب بعض المراقبين إلى أن إجراءات الدولة زمن حسني مبارك تتصف بالجِدِّيَّة والصدق، وهي باب من أبواب الانقلابية البيضاء على السياسة الداخلية التي كان السادات ينتهجها.

وإزاء هذا الرأي يذهب مراقبون آخرون بينهم بعض المراقبين الإسلاميين في بعض العواصم العربية إلى أن إجراءات الحكم الجديد إنما هي إجراءات انفتاحية مرحلية تقتضيها ضرورة استقرار مبارك وهو في العام الأول من حكمه، ويجد هؤلاء في أن لهم حق المقارنة بين ما يفعله مبارك اليوم وما فعله السادات عندما باشر حكمه بعد موت عبد الناصر، حيث قام بالإجراءات السياسية المنفتحة نفسها، كما أنه لا يغيب عن ذهن هؤلاء أن عبد الناصر نفسه مارس هذه السياسة لمدة عامين كاملين ومن ثم قلب ظهر المجن لأخلص المخلصين والمنافحين عن مصر زمن فاروق والاستعمار فكان أن أعدم القافلة الأولى من شهداء الإخوان المسلمين عام 1954.

إن القول بأن مبارك ينتهج اليوم سياسة مرحلية جعل جريدة السياسة الكويتية تحدد يوم 25/4 من العام الحالي لنهاية سياسة مبارك الداخلية الانفتاحية، وذلك في صياغتها لأحد الأسئلة الموجهة إلى الأستاذ عمر تلمساني فقد سألته:

  • هل تخافون من أن يغير الرئيس مبارك سياسته الحالية بعد 25 إبريل لاسيما وأن التحليلات الغربية تعتقد بأن استقطاب المعارضة الحالي هو استقطاب مرحلي؟؟

_ وفي إجابة الشيخ التلمساني لم ينف مصداقية كون سياسة مبارك في الاستقطاب سياسة مرحلية، لأن لدى الإخوان المسلمين تجربة علمتهم أن عبد الناصر والسادات دخلا سنوات الحكم الأولى بهذا الثوب المرحلي البراق، وهذا لا يمنع أن يكون مبارك لبس الثوب نفسه؛ لذا فقد اكتفى التلمساني في إجابته بالقول: «نحن لا نخشى إلا الله، ولو كنا نخشى إنسانًا كان ما فعله عبد الناصر بنا فيه الكفاية لأن نلزم بيوتنا ونعبد الله داخل بيوتنا... وحينما يعاملنا إنسان بالشر يكون بيننا وبينه الله».

إذًا فالتلمساني يضع في حسابه موضوع المرحلية الذي جربه مع غير مبارك.

  • مصلحية الانفتاح

في مقابلة للمجتمع مع أحد أقطاب السياسة المصرية «خارج مصر» أشار إلى أن انفتاح مبارك على الاتجاهات السياسية داخل مصر موصول بمصلحية الحاكم.

تلك المصلحية التي ترتبط بوجود الحكم واستقراره، فقد وَرَث مبارك عن السادات إرثًا مثقلًا بالنقمة الشعبية ولاسيما بعد سيره في ركان الأمريكان وإسرائيل ضمن إطار لعبة السلام المُسماة «كامب ديفيد».

وقد أضاف القطب السياسي إن رغبة حسني مبارك في الانفتاح على الاتجاهات السياسية هي رغبة محدودة بالدرجة التي تكفل لحكومته توازن الوجود وسط مجتمع فصلته السياستان الخارجية والداخلية للسادات عن الارتباط العضوي بكل ما هو حكومي.

وهنا نقول: قد تثبت شواهد مستقبلية في سياسة مبارك ما ذهب إليه هذا القطب السياسي، فنحن نلاحظ أن الانفتاح السياسي على الكتل السياسية ما زال محصورًا بحدود موضوعة له.

  • فالاتجاهات الحزبية الأساسية ما زالت محظورة، والتلمساني يقول في تصريح صحافي جديد: «الإخوان المسلمون تنظيم غير مُعْتَرَف بوجوده قانونًا في مصر».

  • وإبطال قرار سحب تراخيص صحف المعارضة ومجالاتها ما زال حتى اليوم قرارًا قضائيًا ولاسيما بما يتعلق باستئناف إصدار مجلتي «الدعوة والاعتصام» الإسلاميتين، ونحن لم نسمع حتى الآن بالمصادقة الحكومية التي تسمح للاتجاه الإسلامي خاصة أن يستأنف إصدار صحفه التي يريد.

  • وهنا لا بد من التفريق بين محاولات مبارك في جعل الاتجاه الإسلامي يدور حوله وبين وقوع زعامات المعارضة «اللا إسلامية» في فخ مبارك؛ فردة الفعل الإسلامية ما زالت محصورة في الثناء على إجراءات الإفراج عن المساجين، وهو إجراء يمتدح بحق مع فصله عن التوجه السياسي العام للحاكم المصري، ولاسيما أن محدودية تحرك الإسلاميين ما زالت مطلبًا سُلطويًا بارزًا تحاول حكومة مبارك فرضه على الزعامة الإسلامية.

  • وقفة تأمل:

وبوقفة من التأمل والاستبطان لمواقف مبارك في سياسته الداخلية لا بد من العروج إلى موقفه المعلن في سياسته الخارجية التي لم تتغير في جوهرها وأسسها عن سياسة سلفه السادات:

  • فكامب ديفيد مازال باتفاقياته ونصوصه يوجه التعامل السياسي لمصر مع إسرائيل والولايات المتحدة والعواصم العربية.

  • وحلف السادات مع البيت الأبيض في التوجه السياسي الخارجي ما زال يؤثر على السياسة داخل مصر، وذلك لأن ارتباط الصداقة مع البيت الأبيض لن يحصل عليه أي تغيير.

وإذا كانت السياسة الخارجية لمبارك هي سياسة «ساداتية» فهذا يعني بالضرورة أن أي تعديل في السياسات الداخلية لن يتجاوز ضرورات السياسة الخارجية بحال من الأحوال، الأمر الذي يدفعنا إلى الظن بأن مصر اليوم تمر -على المستوى الداخلي- بمرحلة مصلحية تقتضيها ظروف الحاكم الداخلية والخارجية ليس إلا.

وبالتالي بأن أي نتوء يبرز عن أي اتجاه مُعارض في مصر لن يقابل إلا بسياسة العصا الغليظة التي استخدمها السادات واستخدمها قبله عبد الناصر معظم أيام حكمه، وهنا نود أن ننبه الرئيس مبارك في -المرحلة الأولى من حكمه- إلى أن للمرحلة التي عرفها الشعب المصري زمن السادات وعبد الناصر مطبات سحيقة يغوص فيها الحاكم في مستوى لن يجد فيه بعده من ينقذه أبدًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل