العنوان سيد قطب في ذكراه السنوية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1978
مشاهدات 111
نشر في العدد 409
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 22-أغسطس-1978
هل مات سيد قطب..؟!
قد يبدو السؤال غريبًا، ولكني لا أرى فيه أي غرابة. هذا السؤال يتردد في ذهني كلما تذكرت الرجل المؤمن الذي سار على الدرب بعد أن وضح- معالم على الطريق، وبعد أن قدم هذه المعالم للعالم كله لعله يسير معه نحو غد مشرق، غير أن أعوان الشيطان أرادوا أن يقطعوا عليه الطريق، وظنوا أنهم قطعوه، ولم يتنبهوا إلى أنه طريق لا يقطع لأن خطوات المؤمنين مستمرة فوقه، منذ أربعة عشر قرنًا، إلى يوم القيامة، ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هكذا كنت أفكر في السؤال- هل مات سيد قطب؟ كلما تذكرت الرجل أو جاء الحديث عنه، لا أجد إلا هذا السؤال في ذهني، ويظل السؤال يتردد دون أن أضع له إجابة، وكأني أريد بذلك أن أقرر أنه لم يمت. من المعروف أنه مات منذ عام ١٩٦٥.
ومن المعروف أيضًا أنه لم يمت كما تموت الناس كل يوم، وهم فوق فراش النوم، وإنما مات شهيدًا حين صدر عليه الحكم بالإعدام، من محكمة المالمة، نطقت بالحكم والظلم. والذي نطق به شخص فقد استقلاله الآدمي تحول إلى دمية ترتدي الملابس العسكرية، وتسمى بالدجوى .هذه الدمية لعبة بين أصابع الشيطان نفسه.
من المعروف عند جميع الناس أن سيد قطب مات شهيدًا منذ ذلك التاريخ، وبهذه الطريقة التي دلت وأكدت أن للشيطان أصابع تحرك الدمى في كل مكان من العالم. بالرغم من أنه معروف أنه مات شهيدًا، ما زلت أسال: هل مات سيد قطب؟
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154)
فهو حي إذن لم يمت لأننا نحسبه والله حسيبه أنه قضى شهيدًا فإن كان دوره في الحياة قد انتهى، وإن كان جسده قد عاد إلى التراب، فروحه عند الخالق عز وجل باقية خالدة حيث كرمها الله بين الشهداء. أما في الدنيا وهي زائلة، فقد أصبح سيد قطب فكرة لا تموت ما دامت الشمس تشرق ثم تغيب، وما دامت الحياة تنبض فوق الأرض.
فكيف نقول إنه مات؟
وهو حي عند بارئه، وهو فكرة تنمو وتزدهر بين الناس، لا يموت الشهداء، ولا يموت من زرع فكرة سامية في الأذهان، وغرس حب الإيمان في القلوب. حاولوا أن يمنعوا كتبه من دخول مصر، فانتشرت وعمت أرجاء العالم العربي والإسلامي ثم لم تلبث أن دخلت رغم أنف الطغاة إلي قلب مصر، واستقرت في الديار المتعطشة إلى المعرفة الحقيقية، معرفة النور الساطع من الإسلام.
وتلألأت مؤلفات سيد قطب كمصابيح مضيئة بين الكتب. وأخذ كتاب في- ظلال القرآن- مكانه بين كتب كبار المفكرين في الدين الإسلامي والفقهاء. وكما عرف الناس جميعًا أنه مات منذ عام ١٩٦٥، عرفوا أنه حي عند ربه، وأنه موجود بفكره بينهم. وعرفوا أخيرًا أنه مات شهيدًا ومظلومًا ألا نسمع صوت سيد قطب حين
نقرأ قوله :
- إننا نحن المسلمين في حاجة إلى إعادة نظر في أمرنا مع الإسلام لإننا لا ندركه كما ينبغي الإدراك، ولا نعمل له كما ينبغي العمل، ولا أقصد إننا لا نصلي ولا نصوم ولا نحج، فلقد نؤدي ذلك كله ولكننا نظل مع هذا بعيدين عن الإدراك الصحيح لهذا الدين.
ثم يلخص مفهومه عن الإسلام بقوله:
-إن الإسلام منهاج حياة كامل من المهد إلى اللحد.
ثم إلى ما بعد اللحد من بعث ونشور.
وبعد فقد مات شهيدًا، وترك خلفه فكرًا مضيئًا، وكتبًا تعلم الناس، وترشدهم وتنقذهم من بحر الحياة المعتم.
أما الذي مات بالفعل، ويموت كل يوم هو العدل، لا يوجد عدل في هذا الزمن، هل من العدل أن يقتل إنسان يدعو إلى الله؟ وهل من العدل أن يصبح الإسلام غريبًا؟ وحين مات العدل، رفع الظلم رأسه بين خلق الله، وهذا ما نراه في كل بقعة من الأرض. الإسلام مضطهد في الشرق وفي الغرب. وفي بلاد المسلمين لا يكاد يكون كما ينبغي أن يكون. وإن كانت بداية الحديث عن استشهاد سيد قطب، إلا أن المقصود بالحديث هو الإسلام.
سيد قطب في ذكراه السنوية
لن يطفئوا نور الله ولو اجتمع الطغاة في مكان واحد، وجمعوا رأيهم على ذلك، وحاولوا معًا بقوتهم وبطشهم أن يطفئوا النور، قد سبق أن حاول ذلك كفار قريش، عندما حاولوا أن يقضوا على الإسلام وهو يولد بينهم، ولكن الإسلام جاء ليظل نوره ساطعًا إلى أن تقوم الساعة. فلا خوف على الإسلام من القضاء عليه وإنما الخوف على المسلمين المضطهدين في الفلبين وإرتيريا وغيرهما، والخوف كذلك على المسلمين الذين يعيشون حياتهم بلا إسلام. يعيشون بشهادات الميلاد، وبأسماء أطلقت عليهم، وربما بعبادات شكلية لا تقربهم إلى الله، ولا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر. الخوف كل الخوف على هؤلاء المستضعفين في الأرض، والخوف على هؤلاء المستسلمين الى الدنيا ونعيمها، بعد أن فسد فهمهم للإسلام الصحيح، وظن بعضهم أن الفساد لا يمسهم وأنهم ركبوا سفينة النجاة ما داموا يعتنقون الإسلام.
الإسلام والرجال:
من هنا كان الاستشهاد. لأن للإسلام من يدافع عنه، ويدعو له، مع علمه التام بقوى البغي والظلم التي تبذل جهدها لتطفئ نور الله. فيقع هنا وهناك أمثال سيد قطب، بعد حياة كلها جهاد من أجل فكرة آمن بها، ويموت شهيدًا، ولكن الفكرة تظل حية لا تموت.
يقول سيد قطب عن العقيدة الإسلامية:
حين تستقر العقيدة الإسلامية في الضمير البشري استقرارًا حقيقيًا فإنه يستحيل أن تظل مجرد شعور وجداني في أعماق الضمير.. إنها لا بد أن تندفع لتحقق ذاتها في عالم الواقع ولنتمثل حركة إيجابية إبداعية في عالم المنظور.. حركة تبدع الحياة كلها.
معنى هذا أنه ربط الإسلام بالحياة بكل جزء في الحياة، فالإسلام هو الحياة نفسها، ولذلك لم يفصل بين الإسلام والحياة، ولم يكن هذا التفسير جديدًا إلا على الغافلين.
وجاء من هذا المنطلق إعلان الحرب على سيد قطب، وهو في الحقيقة إعلان الحرب على الإسلام نفسه. ولكنه وهب حياته رخيصة لعقيدته، فاستشهد بعد أن عذب، وليس في هذا ما يدعو إلى الدهشة. فلننظر إلى حال المسلمين في الأرض. ونستعرض الضعف الذي نراه على وجوههم في الفلبين مثلًا. هنا مسلمون وهناك مسلمون، ولأن العقيدة غائبة عند الكثيرين، صار الإسلام في محنة كما يقولون.
لم يمت سيد قطب، ولا يموت الدعاة، العدل هو الذي يموت والضمير وتموت القلوب التي تتمرغ في النعيم، وتموت النفوس المستسلمة لزينة الدنيا، وتموت العقول المبهورة بفلسفة العصر.
لم يمت سيد قطب، ولا يموت الشهداء، ولكن مات المسلمون وهم أحياء. قل لي يا أيها المسلم أين أنت من الإسلام؟ هل أنت تمسك بشهادة الميلاد وكفى؟ هل أنت تقوم بالعبادات والشعائر دون أن تجعلها داخل حياتك، لتصبح متصلة بضميرك، فما فائدتها إذن؟
كل حركة وكل خطوة وكل كلمة وكل نشاط لك في الأرض هو عبارة عن عبادة. هذا هو الإدراك الصحيح فأنت تعبد الله في عملك، وفي نومك، وبين أهلك، وتربط هذه الحركة بالصلاة وبالصوم وبحج البيت والزكاة حياتك ونسكك وموتك لله. وأنت فوق هذا كله تدعو غيرك إلى الهدى، حينئذ تكون حيًا، سواء أكنت فوق التراب أو تحته؟ وتكون من المقبولين يوم القيامة، فاسأل نفسك هل أنت الآن حي أم ميت؟ وكن صادقًا في الإجابة. وإن كنت تريد دليلًا على الحياة والموت، ليعرفك أين أنت، فإليك هذا الحديث الشريف:
عن أبي موسى الأشعرى رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال«مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت»
قالوا عن سيد قطب..
- لقد قال الدعاة الكثير عن هذا الشهيد منهم المرشد العام الهضيبي رحمه الله -والأستاذ المودودي حفظه الله و د. عبد الله عزام حفظه الله -والأخ إسماعيل الشنطي -حفظه الله- وكثير غيرهم..
أولهم المرشد معلم الصمت الشامخ رحمه الله. الأستاذ الداعية: حسن الهضيبي
إن الأستاذ سيد هو قبل كل شيء أخي، وهو أحسن رجال الدعوة في هذا العصر.. ويكفي أن أقول عنه إنه رجل مجاهد لا مثيل له بين الرجال الذين شاركتهم في فترة مسؤوليتي، رحمهم الله جميعًا.
- الأستاذ المودودي: الداعية الكبير حفظه الله - كان يقول: أحسست في الساعة التي تم فيها إعدام سيد باختناق مجيب، فعندما علمت عن موته في ذلك عرفت سبب الاختناق.
ولقد قرأ بعد استشهاد الشهيد كتاب المعالم في ليلة واحدة فعندما فرغ من قراءته قال: لقد أحسست أني أنا الكاتب للمعالم ولا عجب ذلك لأن الشهيد يأخذ من القرآن والسنة وأنا أنهمل منهما كذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل