العنوان سيد قطب.. ماذا قدم للأدب؟
الكاتب عصام محمود قضمانى
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1981
مشاهدات 57
نشر في العدد 518
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 03-مارس-1981
سيد قطب ليس كما عرفناه فقط أكبر مفكر إسلامي قدم للفكر الإسلامي جديد الفكر؛ وإنما أيضًا أديب قدم للأدب العربي والإسلامي أفكارًا جديدة وآراء مقنعة.
التحق «سيد قطب» بدار العلوم بعد تخرجه من مدرسة الريف فنشأ كما نشأ فطاحل الأدب، ومن مدرسة خرجت كبار الأدباء كان تخرجه.. وقد اشترك في معارك الأدب وهو ما يزال طالبًا.. وقد كتب عدة مقالات في هذا المجال مبديًا آراءه وهو ما يزال شابًّا في المجلات والجرائد الأدبية... مثل مجلة «الرسالة» والثقافة والبلاغ الأسبوعي وغيرها من صحف الأدب.. وكان «سيد» واثقًا من نفسه، ثابتًا على مبدئه، مصرًّا على ما يراه حقًّا.
اشتراكه في المعارك الأدبية:
منذ مطلع هذا القرن احتدمت معارك أدبية كان السلاح فيها القلم، وانقسم الأدباء إلى قسمين: هجوم ودفاع، كان في مقدمة الهجوم «عباس محمود العقاد» و«طه حسين» و«إبراهيم المازني»، وكان في مقدمة الدفاع... مصطفى صادق الرافعي و«مارون عبود» و«شکیب أرسلان». لم يكن سيد قطب بعيدًا عن هذه المعارك، فقد اشترك بها وكان جريئًا في رأيه... في أول الأمر اشترك مع طه حسين في نقده لأحمد شوقي، وشاركه في بعض اتجاهات التجديد.. ثم اتجه للانضمام إلى العقاد.. وكان من أخلص تلاميذه ومن أشد المدافعين عنه وعن منهجه، مؤكدًا شاعريته، بينما كان الرافعيون يهاجمون شعره.. وقد ظهر ذلك من حديث المهاجمين ونقاد العقاد حيث كانوا يذكرون سيد قطب كأبرز رجال مدرسة العقاد.
قال مارون عبود واصفًا «سيد» لهذا الأمر: «فيا لضياع تعب سيد قطب لقد خسر قوة تذكر في تنشيط الأستاذ وجلوته.. فتعمقه في درس غزل العقاد لا يقل عن تنطع «مارتوما» في تحقيق الثالوث الأقدس وإثباته»، ويقول «مارون» أيضًا -وهو من أشد نقاد العقاد- في موضع آخر من كتابه «على المحك»: «لا أحدثك عن قصيدة العقاد «صنوف الحب» بل أحيلك على الرسالة لتسمع الأستاذ سيد قطب ينادي عليها كصاحب «صندوق الفرجة».. تفرج يا حبيبي على عنتر صاحب السيف البتار... عنتر أبو الشوارب».
كتب سيد قطب في مجلة الأسبوع العدد (٣٥) من عام ١٩٣٤ تحت عنوان «معارك النقد في مصر» قائلًا: فأما هدية الكروان «ديوان للعقاد»، فقلت عنها: إنها منتهى النضوج الفني للعقاد.. إنها سلمت من بعض أشياء كانت تفض من الجمال الفني الكامل لبعض شعر «العقاد» وهو ما أسميته «قسوة القالب» وعنيت به أن يحتجب الشعور الطليق في ثوب أضيق وأقسى مما يلائم هذا الشعور الطليق، تلك كانت آرائي التي أبديتها بعد دراسة كاملة والتي لا زلت أعتقدها رغم ما دار من الأحاديث بشأنها».
وفي عدد أكتوبر ۱۹۳۸ من نفس المجلة كتب «سيد» يقول مدافعًا عن أسلوب العقاد: «تلك هي نماذج مختلفة من أسلوب العقاد، فإذا استغنينا بالجزء الأول وحده فنحن واجدون للعقاد كثيرًا من شعر الأساليب الفخمة الجزلة والأساليب الرصينة المتينة، والأساليب العذبة السلسة، وكل ما يعنيه الأسلوبيون ببدائع الأسلوب».
وفي ذلك قال «مارون عبود» بعد أن ينتقد نماذج من شعر «العقاد»: «وعلى هذا القحط والمحل والفحل يعده -سيد قطب- ولا يستحي فوق عشرة من شعراء العربية مجتمعين، وفوق هيغو وموسيه وبيرون وشيلي، ويرى أن الشعر العربي في كل أطواره ليس فيه ما عند العقاد.. فهنيئًا لمن له في الدنيا سيد قطب».
وما لبث أن استقل سيد في نظراته الأدبية وأنشأ مدرسة مستقلة.. كما سنرى.
في النقد الأدبي:
لسيد قطب عدة مؤلفات في النقد الأدبي منها كتاب «كتب وشخصيات» حيث عرض فيه عرضًا نقديًّا لبعض الأدباء وبعض كتبهم، وهذا هو الكتاب الثاني في هذا المجال، وقد سبقه كتاب «مهمة الشاعر في الحياة» الذي أعد ليكون محاضرة يلقيها في دار العلوم وهو ما يزال طالبًا... ثم تلاه نقد كتاب «مستقبل الثقافة في مصر»، وكان هناك كتابان قبله «النقد الأدبي... أصوله ومناهجه» ثم كتاب «المذاهب الفنية المعاصرة»، وقد كان له رأي في العمل الأدبي حيث يرى -وكما قال هو- التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية؛ أي رسم صورة لفظية مثيرة للانفعال الوجداني في نفوس الآخرين.
ومناهج النقد عنده ثلاثة وهي: المنهج الفني- المنهج التاريخي- المنهج النفسي- وكلها مجموعة في المنهج المتكامل للنقد الأدبي. ويقول سيد قطب في كتابه «النقد الأدبي»: «إن غاية النقد ووظيفته تتلخص في تقويم العمل الأدبي من الناحية الفنية وبيان قيمته التعبيرية والشعورية والموضوعية».
سيد الشاعر:
وهو ما يزال طالبًا ألف كتاب «مهمة الشاعر في الحياة»، ويرى أن الشاعر الحقيقي هو الذي ينغمس في الحياة ويحس بإحساسها ويشعر بشعورها ويتفاعل معها... ثم يتحدث عنها بما يحس... الشاعر الذي يحس بالحياة إحساسًا عميقًا، ويترجم عنها للأحياء، والشاعر بهذه الصفات إنسان ممتاز؛ لأن الحياة صاغته على مثال خاص... والشعر لديه يحدده درجة الشعور وطريقة التعبير عنه.
وفي الكتاب «مهمة الشاعر» يلوم الدكتور طه حسين... وهو إذ ذاك في أوج تألقه، ويلومه على استخفافه بالأدباء الشباب واستهانته بشأنهم، فيقول له لائمًا ومعاتبًا ومذكرًا: «ولكن الدكتور «طه حسين» في هذا ينسى فعل الزمن الطويل الذي جعل من هؤلاء الأدباء تلك المنزلة».
ولسيد دواوين كثيرة... وللأسف لم تعاد طبعتها لما نفدت، ومنها «الشاطئ المجهول- الكأس المسمومة- قافلة الرقيق- حلم الفجر».
سيد القصاص:
لسيد عدة قصص «المدينة المسحورة- طفل من القرية- أشواك- الأطياف الأربعة»، والمدينة المسحورة هي امتداد لقصص ألف ليلة وليلة الشهيرة... وطفل من القرية تحكي قصة حياته، وقد كتبها متأثرًا بقصة «الأيام» لطه حسين... وهو يرى أن القصة عدة حوادث تجتمع، فالقصة والأقصوصة حدث واحد... والقصة لها بداية ونهاية...وأن القصة تعتمد على التعبير الفني.
وهذا كله كان قبل اتجاهه الإسلامي الخالص، أما بعد ذلك فقد انكب في دراسة التصويرات الفنية في القرآن الكريم، وأن التصوير الفني في القرآن لا يعادله تصوير... وأهم كتبه في هذا المجال «التصوير الفني في القرآن».. ولا ننسى «الظلال» وهو نتاج فهم فني للقرآن.
وبعد فهذا هو الجزء الضئيل من الجانب الأدبي من حياة المفكر الإسلامي الكبير «سيد قطب» رحمه الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل