العنوان سيد قطب والقول بوحدة الوجود
الكاتب د. عبد الله عزام
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1981
مشاهدات 484
نشر في العدد 526
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 28-أبريل-1981
الجزء الأول
بقلم د. عبد الله عزام
لقد ركز الأستاذ سيد معظم كتاباته على شرح معنى «لا إله إلا الله»، ونقل المعنى النظري للتوحيد إلى واقع حي متمثل في سلوك وحركات، ودماء وتضحيات.
هل يصدق عاقل أن سيد قطب كان يعتقد أن عبد الناصر هو الله؟ وأن حمزة بسيوني وشرطته هم صور الله؟ وأن صفوت الروبي الجلاد هو الله؟ وأنه لا فرق بين من يعبد بن غوريون ودايان وبين من يعبد الرحمن؟
إن ملخص فكرة وحدة الوجود أن الخالق هو المخلوق، بلا انفصال ولا تمايز ولا تباين، بل الصور هي الله والأشياء هي الله، فعبادة الأشياء هي عبادة الله.
الدكتور عبد الله عزام من أبرز رجال الإخوان المسلمين خارج مصر..
فهو على المستوى التربوي يعد محضنًا إيمانيًّا لكثير من شباب الصحوة الإسلامية.. وعلى المستوى الحركي يعد مجاهدًا صلبًا عاتيًا في وجه الطغاة.. ولقد نهل الدكتور من فكر الشهيد سيد قطب واستقى من فكره.. وكان شغوفًا بالتعرف على دقائق أفكاره وخلفيات آرائه.. وهو وثيق الصلة بأسرة الشهيد سيد وعلى دراية جيدة بتطورات حياته وفكره.. وقد أرسل إلينا مقالات تزيل اللبس حول ما نشر في المجتمع عن علاقة الشهيد سيد وفكرة وحدة الوجود.. وسوف ننشرها بالتتابع إن شاء الله..
بسم الله الرحمن الرحيم
اطلعت في مجلة المجتمع العدد ٥٢٠ المؤرخ ١١ جمادى الأولى سنة ١٤٠١ هـ على مقابلة مع الشيخ الألباني يقول فيها: إن قول سيد قطب في تفسير سورة الإخلاص وأول سورة الحديد هو عين القائلين بوحدة الوجود.. كل ما تراه بعينك فهو الله، وهذه المخلوقات التي يسميها أهل الظاهر مخلوقات ليست شيئًا غير الله.. وعلى هذا تأتي بعض الروايات التي تفصل هذه الضلالات الكبرى بما يرى من بعض الصوفيين القدماء، من كان يقول «سبحاني ما أعظم شأني».. والآخر الذي يقول «ما في الجُبة إلا الله».. هذا الكلام كله في هذين الموطنين من التفسير».. انتهى كلام الشيخ الألباني.
هزني من أعماقي
ولقد هزني في أعماقي أن تنشر المجتمع على صفحاتها هذا الكلام لقرائها في العالم.
والمجتمع بالهيئة المشرفة عليها تدرك أن قراءها هم تلاميذ الأستاذ سيد قطب.
ولقد حز في النفوس أن ينسب هذا الكلام «القول بوحدة الوجود» إلى الأستاذ سيد الذي جلى حقيقة التوحيد من كل غبش، بل ركز معظم كتاباته على شرح معنى «لا إله إلا الله»، ونقل المعنى النظري للتوحيد إلى واقع حي متمثل في سلوك وحركات ودماء وتضحيات، ولقد كانت حياته المليئة بصور الاعتزاز بالله والتوكل عليه والالتجاء إليه خير شاهد على أن توحيد الربوبية «التوحيد العلمي والنظري في القلب والنفس» أي «توحيد المعرفة والإثبات» قد جمع معه توحيد الألوهية «التوحيد العملي بالفعل» في واقع الحياة، مشاعر وشعائر وكلمات ومواقف، حتى غدا المؤمن بهذا التوحيد كالشم الرواسي لا تزعزعه قوى الأرض، ولا يهزه جبروت الطغيان، وحسبك منه تلك الكلمات التي كانت تنبثق من أعماقه معبرة عن استقرار التوحيد في طيَّاته.
تسمعه وهم يعرضون عليه الوزارة وهو رهين القيود يقول: «إن إصبع السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لترفض أن تكتب حرفًا تقر به حكم طاغية».
وتصغي إليه وهم يحاولونه أن يسترحم فيقول: «لماذا أسترحم؟ إن كنت محكومًا بحق فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنت محكومًا بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل».
توحيد تتمثله مواقف
ولقد تحدثت شقيقته حميدة أمامي فقالت: يوم الأحد ۲۸ أغسطس سنة ١٩٦٦ جاء قرار الإعدام موقعًا من رئيس الجمهورية- عبد الناصر- ولكنهم كما يبدو أوعزوا إلى مدير السجن الحربي حمزة البسيوني أن يحاوله الاعتذار حتى آخر لحظة.
قالت حميدة: دعاني حمزة البسيوني وأطلعني على مصادقة عبد الناصر على قرار الإعدام، فارتعشت أوصالي؛ لأني كنت أحب سيدًا حبًّا يملك عليَّ نفسي، ثم قال حمزة: أمامنا فرصة أخيرة لإنقاذ هذا العلامة، لأن إعدامه خسارة كبرى للعالم الإسلامي، فإذا اعتذر فإننا نخفف حكم الإعدام إلى السجن ثم يخرج بعفو صحي بعد ستة أشهر، فبادري إليه لعله يعتذر.. قالت حميدة فدخلت عليه وقلت له: إنهم يقولون إن حكم الإعدام سيوقف فيما إذا اعتذرت.
قال سيد: «عن أي شيء أعتذر؟
عن العمل مع الله؟
والله لو عملت مع غير الله لاعتذرت، ولكنني لن أعتذر عن العمل مع الله.
ثم قال: اطمئني يا حميدة، إن كان العمر قد انتهى سينفذ حكم الإعدام، وإن لم يكن العمر قد انتهى فلن ينفذ حكم الإعدام، ولن يغني الاعتذار شيئًا في تقديم الأجل أو تأخيره».
يا الله! حبل المشنقة يلوح أمام ناظريه ولا تهتز أوصاله ولا يضطرب موقفه، ولا يتراجع عن كلمته.. إنها القمة السامقة التي أحله فيها التوحيد.. إنها الطمأنينة التي سكبها الإيمان بالله في أعماقه، وهو كما يقول في مقدمة «في ظلال القرآن» ص ۱۳ دار الشروق:
«ومن ثم عشت في ظلال القرآن هادئ النفس مطمئن السريرة قرير الضمير.. عشت أرى يد الله في كل حادث، وفي كل أمر.. عشت في كنف الله وفي رعايته.. عشت أستشعر إيجابية صفاته تعالى وفاعليتها...» ﴿أمَّنْ يُجِيْبُ الْمُضْطَّرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. (النمل: 62).
أي طمأنينة ينشئها هذا التصور؟
وأي سكينة يفيضها على القلب؟
وأي ثقة في الحق والخير والصلاح؟ وأي استعلاء على الواقع الصغير يسكبها في الضمير؟ (ص ١٤ مقدمة الظلال).
والكلام في هذا الموضوع يطول، وليس هذا مكان الاسترسال في بيان أثر التوحيد في حياة هذا العملاق الكبير، وما تركته كتاباته عن التوحيد من أثر في نفوس الجيل العائد إلى الله في جميع أنحاء الارض.
ليس بدعًا من القول أن نشير إلى أن سيد قطب أكثر من أثر في الأجيال بعد النصف الثاني من القرن العشرين، ولا نعرف إنسانًا ترك بصماته واضحة عميقة في نفوس الشباب أكثر منه، ولا أظنني مغاليًا إن قلت ما من مجموعة مسلمة أثرت في مجتمعاتها إلا وكان لسيد قطب أثر في نفوسها قليلًا كان التأثير أم عميقًا.
المحاولات العابثة
إن محاولة النيل من سيد قطب عبث، وإن النزول معه في معركة سذاجة تبوء على صاحبها بالخيبة والخسران بعد أن أبلغ الرجل كلمته، وحمى كلماته بدمه وسار إلى ربه رافع الرأس شامخ الأنف عزيزًا.
أنا لا أنكر أن بعض محاولات النقد منبعثة من قلوب مخلصة ومحبة لإظهار الحق، لأن الحق لا يعلو عليه أحد.
وإنما يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.
نحن لا ننزه سيدًا من الخطأ.
وحاش لله أن ندعي له العصمة.
إذ ما من إنسان إلا ويؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر، صلى الله عليه وسلم- كما كان يردد إمام المدينة وعالمها مالك.
ونحن قد نجد في الظلال وغيره بعض الألفاظ التي قد تحتاج إلى دقة أكثر لتتفق مع المصطلحات الشرعية في العقيدة الإسلامية، وهذا لا بد أن يكون ما دام بشرًا يخطئ ويصيب.
أما أن يصل بنا الأمر أن ننسب إليه تلك العقيدة الفاسدة الضالة وهي القول بوحدة الوجود، هذه المقولة التي تكاد تخر لها الجبال هدًّا، سبحانك يا رب هذا بهتان عظيم.
إن وحدة الوجود تعني أن الخالق والمخلوق شيء واحد، وأن الأثر هو المؤثر، وأن الصانع قد ظهر في المصنوع بلا انفصال ولا تباين..
إن وحدة الوجود تعني أن الحجر هو الله، وأن الصحن هو الله، وأن الحيوانات هي الله، فلم يعد هنالك فرق بين من عبد الحجر والصنم والشمس، وبين من يعبد الله لأنها كلها صور لشيء واحد هو الذات الإلهية.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٤٣).
هل يصدق عاقل أن سيد قطب كان يعتقد أن عبد الناصر هو الله؟ وأن حمزة البسيوني وشرطته هم صور الله؟ وأن صفوت الروبي الجلاد هو الله؟ وأنه لا فرق بين من يعبد بن غوريون ودايان وبين من يعبد الرحمن؟
هل يصدق ذو لب أن سيد قطب كان يعتقد أن السجن الحربي هو الله؟ أو يدخل في عقل عاقل أن سيد قطب كان يظن أن الشجر والحجر والقرد والخنزير والكلب صور الله عز وجل؟ سبحانك يا رب! إنها لإحدى الكبر.
ما هي وحدة الوجود؟
والآن لابد أن نقف على بعض الأقوال لمن قالوا بوحدة الوجود.
وقبل أن أدخل معك لأطلعك على أقوالهم أحب أن أبين أن سيد قطب قد هاجم القول بوحدة الوجود بالنص.
يقول رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ (البقرة: ١١٦). ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (البقرة: ١١٧).
يقول في تفسيرها- ص ١٠٦ ج دار الشروق- والنظرية الإسلامية: أن الخلق غير الخالق، وأن الخالق ليس كمثله شيء.. ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة وحدة الوجود- على ما يفهمه غير المسلم من هذا الاصطلاح- أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة، أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس، والوجود في وحدة نظر المسلم على معنى آخر «وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة ووحدة ناموسه الذي يسير به..» والآن لنرجع إلى أقوال الذين قالوا بوحدة الوجود.
هؤلاء قوم كانوا يرون أن المصنوعات كلها صور للصانع، حتى بلغ الأمر ببعضهم ألّا يبصق على الأرض ولا يستنجي بالحجارة لأنها في نظره صور لله عز وجل، وتعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا (1).
يقول أبو يزيد البسطامي سنة ٢٦١ هـ «خرجت من الله إلى الله حتى صاح مني فيَّ يا من أنا أنت سبحاني ما أعظم شأني» (2).
وتحدث البسطامي عن حوار بينه وبين الله تعالى فقال: رفعني فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك فقلت: ربني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، لتكون أنت ذلك، ولا أكون أنا هناك» (3).
وقال الحسين بن المنصور الحلاج (سنة ٣٠٩هـ):
مزجت روحك في روحي كما
تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني
فإذا أنت أنا في كل حال (4).
وقال الحلاج:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا (5).
هذا كلام البسطامي والحلاج في وحدة الوجود، والقول ظاهر لا مجال فيه لتأويل متأول، ولا لتفسير مفسر أن الخالق هو المخلوق ولم يعد هنالك انفصال ولا تمايز ولا تباين، بل الصور هي الله، والأشياء هي الله فعبادة الأشياء هي عبادة الله.
أین سید منها؟
أين هذا الكلام من عقيدة سيد قطب التي يصرح فيها مئات المرات في ظلال القرآن بالفرق بين الخالق والمخلوق، والتباين بين مقام الألوهية ومقام العبودية!
والآن تعال معي نقتبس بعض العبارات: يقول في خصائص التصور الإسلامي:
"يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك ألوهية وعبودية.. ألوهية يتفرد بها الله سبحانه، وعبودية يشترك فيها كل من عداه وكل ما عداه.. وكما يتفرد الله سبحانه بالألوهية كذلك «يتفرد» تبعًا لهذا بكل خصائص الألوهية.. وكما يشترك كل حي وكل شيء بعد ذلك في العبودية كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية.. فهناك إذن وجودان متمايزان وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله، والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبيد" (6).
أرأيت إذن؟
إن عبارة نصه تقول: فهناك إذن وجودان متمایزان.. وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله، والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبيد.
هل بقي قول لقائل أن يدَّعي أن سيد قطب يخلط بين الله وبين عبيده، وبأن الله قد تجلى في صور مخلوقاته، وأن الخالق والمخلوق شيء واحد لا فرق بينهما ولا تمايز؟
ويقول سيد رحمة الله عليه في تفسير آية الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: ١) (7).
وتذكر صفة العبودية: «أسرى بعبده».. لتقريرها وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر، وذلك كي لا ننسى هذه الصفة، ولا يلتبس مقام العبودية بمقام الألوهية كما التبسا في العقائد المسيحية بعد عيسى عليه السلام، بسبب ما لابس مولده ووفاته، وبسبب الآيات التي له، فاتخذها بعضهم سببًا للخلط بين مقام العبودية ومقام الألوهية.. ولذلك تبقى للعقيدة الإسلامية بساطتها ونصاعتها وتنزيهها للذات الإلهية عن كل شبهة من شرك أو مشابهة، من قريب أو بعيد.
ويقول رحمه الله عند آية ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: 172- ١٧٣).
لقد عُنِي الإسلام عناية بالغة بتقرير حقيقة وحدانية الله سبحانه، وحدانية لا تلتبس بشبهة شرك أو مشابهة في صورة من الصور، وعني بتقرير أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يشترك معه شيء في ماهية ولا صفة ولا خاصية، كما عني بتقرير حقيقة الصلة بين الله سبحانه وكل شيء -بما في ذلك كل حي- وهي أنها صلة ألوهية وعبودية.. ألوهية الله، وعبودية كل شيء.. والمتتبع للقرآن كله يجد العناية فيه بالغة بتقرير هذه الحقائق أو هذه الحقيقة الواحدة بجوانبها هذه، بحيث لا تدع في النفس ظلًّا من شك أو شبهة أو غموض.
ولقد عني الإسلام كذلك بأن يقرر أن هذه هي الحقيقة التي جاء بها الرسل أجمعون، فقررها في سيرة كل رسول، وفي دعوة كل رسول، وجعلها محور الرسالة من عهد نوح عليه السلام إلى عهد محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام، تتكرر الدعوة بها على لسان كل رسول: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: ٦٥).
وكان من العجيب أن أتباع الديانات السماوية -وهي حاسمة وصارمة في تقرير هذه الحقيقة- يكون منهم من يحرف هذه الحقيقة وينسب لله سبحانه البنين والبنات، أو ينسب لله سبحانه الامتزاج مع أحد من خلقه في صورة الأقانيم، اقتباسًا من الوثنيات التي عاشت في الجاهليات!
ألوهية وعبودية.. ولا شيء غير هذه الحقيقة، ولا قاعدة إلا هذه القاعدة ولا صلة إلا صلة الألوهية بالعبودية وصلة العبودية بالألوهية.. ولا تستقيم تصورات الناس -كما لا تستقيم حياتهم- إلا بتمحيص هذه الحقيقة من كل غبش، ومن كل شبهة، ومن كل ظل.
أجل، لا تستقيم تصورات الناس ولا تستقر مشاعرهم إلا حين يستيقنون حقيقة الصلة بينهم وبين ربهم.. هو إله لهم وهم عبيده.. هو خالق لهم وهم مخاليق.. هو مالك لهم وهم مماليك.. وهم كلهم سواء في هذه الصلة، لا نبوة لأحد، ولا امتزاج بأحد.. ومن ثم لا قربى لأحد إلا بشيء يملكه كل أحد ويوجه إرادته إليه فيبلغه بالتقوى والعمل الصالح.. وهذا في مستطاع كل أحد أن يحاوله، فأما النبوة وأما الامتزاج فأنَّى بهما لكل أحد؟!
إن المسيح عيسى بن مريم لن يتعالى عن أن يكون عبدًا لله لأنه عليه السلام وهو نبي الله ورسوله خير من يعرف حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، وأنهما ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان، وهو خير من يعرف أنه من خلق الله، فلا يكون خلق الله كالله أو بعضًا من الله (8).
«1» انظر قاسم غني ص ٥٦ تاريخ التصوف في الإسلام.
«2» انظر كتاب الوكيل: هذه هي الصوفية ص ٦٤ عن تذكرة الأولياء ص ١٦٠.
«3» هذه هي الصوفية للوكيل ص ۱۱۲ نقلًا عن اللمع للمشعوسي ص ٣٨٣.
«4» هذه هي الصوفية للوكيل ص ٤٩ نقلًا عن الطواسين للحلاج ص ۱۳۰_١٣٢.
«5» الصلة بين التصوف والتشيع / كامل الشيبي ص ٥٨.
«6» خصائص التصور ص ۳۰۸ ط الاتحاد الإسلامي العالمي.
«7» انظر في ظلال القرآن ط دار الشروق ص ۲۲،۱۱.
«8» انظر تفسير الآية في ظلال القرآن المجلد ۲ ص 820-818.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل